خرج من مكتبه على صوتها وهي تصرخ بصوت عالٍ، تنهر أحدَهم ليدعها وشأنها..
اقترب منه يزأر في وجهه كالأسد، دافعًا إياه دَفعًة أطاحته على الأرض.
رأت احمرار وجهه، وعروقه المنتفضة، وغيرته عليها دون رابط يربطهما سوى زمالة العمل.
لم يتحمَّل استغاثةً قد استغاثتها، لم يرضَ بسلوك ذلك الشاب في مضايقتها والنيل من حيائها وضعفها الأنثوي. وقفَتْ تشاهد رجولته ونخوته. خاف الآخر، فابتعد وهرول مسرعًا قبل أن تنتبه إدارة العمل البعيدة عن مكان الواقعة.
نظر إليها بعين السند والحماية والخوف عليها، وقال لها:
- لا عليكِ، كوني بخير.
ثم مشى راجعًا إلى عمله.
صمتت ولم ترد، برقت عيناها، ابتسمت، ابتهج قلبها دون إرادة منها، كان الموقف عابرًا بالنسبة إليه، فقط فعل ما يُحتِّمه عليه ضميرُه دون أن يطرق شيءٌ قلبَه.
أما هي، فقد ذهبت بعيدًا إلى دنيا الأحلام، دقَّ قلبها، وانتبهت إليه، ونسيت ما هو موكول إليها في عملها، شردت قليلًا، وتنهَّدت، فكَّرت في رد فعله تجاهها، شعور جميل لأول مرة تشعر به، اقتحم عليها مشاعرها وأحاسيسها.
انتهى العمل، وذهبت إلى بيتها..
دخلت غرفتها، وأغلقتها، لكنه لم يفارقها، ظلَّت تفكر فيه دون توقف.
كل يوم تذهب إلى عملها بسعادة غامرة، تترقَّب وصوله، وتنظر إليه بين الحين والآخر، تتابعه في صمت دون أن ينتبه..
تودُّ أن تقترب منه، تودُّ أن تسأله عن نفسه وحياته، تودُّ الدخول إلى عالمه الخاص، تتمنَّى أن تُتاح لها الفرصة لتقول له:
- أنا معك!
حتى أعلنت الشركة عن رحلة عمل تضم كل الموظفين والموظفات لإنجاز بعض المهام..
وسنحت لها الفرصة أن تلتقيَه عن قرب.
تحادثا، ضحكا، هو في قلبها، وهي مجرد زميلة يُكِنُّ لها التقدير والاحترام.
طال الحديث بينهما وامتد لساعات، حتى غلبه النعاس ونام في مكانه، هو الأكثر اجتهادًا والتزامًا في عمله، ونومه لم يأتِ من فراع، وإنما نتيجة إرهاق وجهد دؤوب.
تأمَّلت شاربه المستقيم كاستقامته، وضعت يديها على خديها، تتمعَّن في ملامحه الريفيَّة وجبهته العريضة وحاجبيه الداكنين الكثيفين..
ثم خلعت معطفها وغطَّته خوفًا عليه من نفحة هواء قد تصيبه بالبرد.
أخذ غفوة قليلة، لكنها لم ينَم لها جفن. نهض من مكانه فرآها أمامه، وانتبه إلى معطفها على صدره، فضحك لها..
وقالت عيناه كل شيء.








































