سأل رجل يوما في غضب أبا تمام (حبيب بن أوس الطائي) الشاعر العباسي المرموق: لماذا تقول ما لا يفهم؟ فرد عليه أبو تمام: ولماذا لا تفهم ما يقال.
كان في شعر أبي تمام عمق وغموض جعل البعض يعاني في فهمه واستكشاف معانيه، حتى اطلقوا عليه شاعر الصنعة، ودلالاتها على الذم في زمانها أرجح، لأنهم جعلوها في مقابل الطبع والموهبة، الصفة التي طالما أطلقوها على البحتري تلميذ أبي تمام، ونثرت عليه لأجل ذلك كنانات النقد، وسيوف التجريح، وكان رده دائما: حاولوا أن تفهموا.
وتلك إحدي مشكلات الثقافة العربية، وابن آدم العربي، الكسل الفكري
والخمول العقلي، والبحث عن الأفكار الجاهزة المهضومة، والتسرع في التقاط المعاني، فإذا استعصى معنى من المعاني على هذا اللقف السريع توجهت سهام النقد إلى القائل، بدلا من مراجعة النفس، والتزود من العلم، وهذه الآفة - فيما أحسب - ليست مقصورة على العامة، أو حديثي العهد بالعلم والتلقي، بل هي ملحوظة ومرصودة فيمن يتصدرون للقول والبيان.
وأحسب أن الكثير من القضايا والأزمات الثقافية التي عشناها ونعيشها مرجعها إلى التسرع في التقاط معنى لم يقصده صاحبه، أو قصده وقصد معه غيره، يمكنك أن ترصد ذلك في القضايا التي أثيرت حول الدكتور طه حسين، وتوفيق الحكيم، أو حول الحلاج، وابن تيمية، والبخاري، وعشرات القضايا الأخرى.







































