ليست معركة المرأة مع العالم صاخبة كما يُصوّر أحيانًا، بل صامتة، طويلة، ومتعبة. معركة تدور داخلها قبل أن تُرى خارجها. فهي لا تُصارع فقط من أجل حقٍّ مسلوب، بل من أجل صورةٍ تُرسم لها دون إذنها.
المرأة تعرف ما تريده أكثر مما يظنّ الآخرون. تعرفه في لحظات الصمت، وفي تلك المسافة الدقيقة بين حلمٍ لم يُقل وخوفٍ لا يُعترف به. لكن ما يُفرض عليها غالبًا لا يأتي في صورة قيد مباشر، بل في هيئة “نصيحة”، أو “خوف عليها”، أو “هكذا جرت العادة”. وهنا تبدأ المفارقة: أن تُطالَب بأن تكون نفسها، بشرط ألا تخرج عن الإطار.
في العمل، قد تُقدّم مشروعًا مبتكرًا، ويُشاد به، بينما تُسأل عن “متى ستعتني ببيتِها”، كأن نجاحها في الخارج لا يُحسب إلا إذا لم يغيّر التوازن المنزلي. في الفضاء العام، تمشي في الشارع مرتدية ما تحب، فينظر إليها البعض بازدراء، بينما يُشاد برجولة الرجل لنفس التصرف. في المنزل، تُحمل مسؤولية تنظيم كل شيء، بينما يُشيد بالرجال أحيانًا لأقل مجهود.
يُراد للمرأة أن تكون قوية، لكن لا أكثر من اللازم. مستقلة، لكن دون أن تُشعر أحدًا بالتهديد. وهنا يظهر الفرق بين أن تُفرض صورة عليها، وأن تختار هي أن ترسم نفسها. الرسم الذاتي ليس ترفًا، بل مهارة: أن تختار المرأة أن تكون قوية وضعيفة في آن، ناجحة وأمّ، مستقلة ومتصلة… دون أن تُسوّق نفسها وفق القوالب الجاهزة.
ومع كل ذلك، لثمن الرسم الذاتي وقع ثقيل. المرأة التي تختار أن ترسم نفسها قد تواجه اتهامات بالأنانية أو التمرّد، وربما نظرات استغراب من من يحبها أو يحكم عليها. هذا الثمن الاجتماعي جزء من المعركة الصامتة، لكنه أيضًا علامة على الصدق في اختياراتها: أن تُكتب حياتها وفق رؤيتها، لا وفق توقعات الآخرين.
ولا تكفي الحرية الداخلية لوحدها، فالتجربة اليومية تشكّل الإطار الحقيقي: كل مرة تُصادف المرأة ثنائية جاهزة—قوية/ضعيفة، أمّ مثالية/مهتمة بذاتها، ناجحة/مستسلمة—هي تختبر حدودها، وتعيد رسم خطها الخاص. الأديب أو الكاتب لا يختلف عن هذا: هو أيضًا يكتشف نفسه بينما يكتب، والمرأة تكتشف نفسها بينما تعيش.
فلنترك للمرأة أن ترسم نفسها، ولنوقف الحكم على حدودها. لكل أب، أخ، صاحب عمل، أو صديق، مسؤولية في منح هذه المساحة. حين نتوقف عن فرض الصور، يبدأ التغيير الحقيقي.








































