ليست الوحدة تلك التي تتركك وحيدًا في غرفة فارغة، بل تلك التي تجلس معك على الطاولة، تُحادثك بصوتٍ خافت، ولا يلاحظها أحد. وحدة لا تثير الشفقة، لأنها لا تظهر في الملامح، ولا تتدلّى من الكلمات، ولا تفضحها العيون حين تضحك. إنها الوحدة التي تتقن التخفي، وتلبس وجوهًا مألوفة، وتصافح الناس بثبات.
هي وحدة من يشارك الآخرين تفاصيلهم، بينما يحتفظ بتفاصيله خلف جدار لا يُرى. من يملك القدرة على الإصغاء، لا لأن قلبه ممتلئ، بل لأنه اعتاد أن يُنصت أكثر مما يُنصَت إليه. وحدة الذين يبدون متّزنين، لأنهم تعلّموا باكرًا أن الفوضى الداخلية لا تصلح للعرض.
هذه الوحدة لا تأتي من غياب الناس، بل من غياب الأثر. من شعورٍ متكرر بأنك حاضر دون أن تكون مرئيًا، مفهومًا دون أن تكون مُحتضنًا، مسموعًا دون أن يُصغى لما وراء الصوت. كأن وجودك يمرّ في حياة الآخرين مرور الضوء على الزجاج: يضيء، لكنه لا يترك أثرًا.
وهي لا تطلب عزلة، بل تطلب اعترافًا. لا تريد يدًا تمسك بها، بل عينًا تراها دون أن تُسائلها، ودون أن تطلب منها تفسيرًا أو تبريرًا. الوحدة التي لا تُرى لا تصرخ، لأنها تعلم أن الصراخ اعتراف بالفشل، وهي تفضّل الصمت كصيغة أخيرة للكرامة.
أصحاب هذه الوحدة لا يشكون كثيرًا، لأنهم يعرفون أن الشكوى تُسيء إلى دقة الألم. هم فقط يستمرّون. ينهضون كل صباح، يؤدّون أدوارهم بإتقان، ويتركون فراغهم الداخلي دون اسم، كأنه عيب لغوي لا يُترجم.
لكن أخطر ما في هذه الوحدة أنها لا تُكتشف إلا متأخرًا، حين يكتشف صاحبها أنه صار قويًا أكثر مما ينبغي، صبورًا أكثر مما يُحتمل، وقادرًا على الاستغناء لا لأنه لا يحتاج، بل لأنه لم يُقابل حاجته ذات يوم.
تلك هي الوحدة التي لا تُرى…
وحين تُرى، يكون صاحبها قد تعلّم بالفعل كيف يعيش بدونها، أو بها.








































