لولا الخوف لما كانت الكلمات تتسلل خفية من نفوسنا، ترتجف بين السطور قبل أن تصل إلى القارئ. نحن لا نكتب من الطمأنينة، بل من القلق الذي يترك أثره في الداخل. الخوف ليس مجرد شعور سلبي، بل مرآة نرى فيها عمق ذواتنا وحدودنا، وحين نحدّق طويلًا في هذه المرآة يولد السؤال، ومن السؤال يتشكل الإبداع.
لكن الخوف الذي يصنع النص ليس نوعًا واحدًا.
هناك خوف المبدع من ذاته: من هشاشته، من صدقه، من أن يكشف ما لا يريد الاعتراف به حتى لنفسه. وهناك خوفه من المجتمع: من الرقابة، من سوء الفهم، من الرفض أو الإقصاء. وثمة خوف أعمق وأدق، هو الخوف من الفن نفسه؛ من ألا يبلغ النص ما كان يحلم به، أو أن يخونه التعبير في اللحظة الحاسمة
الكتابة، في جوهرها، فعل تحدٍّ. نكتب لنواجه المجهول، ولنختبر قدرتنا على قول ما يُخيفنا. لهذا لم يكن غريبًا أن يولد أدب كافكا من رعب داخلي دائم، ولا أن تكتب فرجينيا وولف من حافة القلق والانكسار. وفي تراثنا العربي، كم من شاعرٍ كتب وهو محاصر بالخوف من السلطان أو المجتمع أو المصير، فجاء شعره أكثر صدقًا وخلودًا.
كل نص صادق خرج إلى النور، خرج أولًا مرتعشًا. لم ينتظر صاحبه شجاعة كاملة، بل اكتفى بجرأة ناقصة وقرارٍ واحد: أن يكتب رغم الخوف، لا بعد زواله. فاليقين لا يصنع الأدب، والاطمئنان لا يفتح أبواب الأسئلة.
وحين نتأمل أعظم الأعمال الأدبية والفنية، نجد أن خوف أصحابها من الصمت، من التكرار، ومن الفراغ الداخلي، هو ما دفعهم إلى الإبحار في أعماقهم والمجازفة بكشف هشاشتهم أمام العالم. لولا هذا الخوف، لما كانت هناك نصوص تقرع أبواب القلوب، ولا كلمات تشبه الإنسان في ضعفه وصدقِه.
في النهاية، لولا الخوف لما كنا لنكتب. الخوف لا يقيّد المبدع دائمًا، بل يضعه أمام مرآة ذاته ويجبره على الاختيار: الصمت أو البوح. ومن هذا الاختيار يولد النص، لا بوصفه هروبًا من الرهبة، بل تحويلًا لها إلى معنى، وإلى كلمات تنبض بالحياة.








































