ليست كل وحدة خفيّة.
بعضها يخرج إلى الضوء، يجلس في منتصف المشهد، ويعلن نفسه دون خجل.
وحدة تُرى، لأن صاحبها لم يعد قادرًا على إخفائها، أو لأنه قرر—للمرة الأولى—أن يتوقف عن التمثيل.
الوحدة المرئية لا تتشابه أسبابها، لكنها تتشابه في انكشافها.
هي عزلة تُلبَس أحيانًا كخيار، وأحيانًا كعقوبة، وأحيانًا كآخر ما تبقّى من الصدق. هناك من يختارها.
يعلن انسحابه بهدوء، يبتعد لا لأنه لا يحب الناس، بل لأنه تعب من نصف اللقاءات، ومن الحضور الذي لا يترك أثرًا.
يقول: أحتاج أن أكون وحدي،
لكن ما يقصده غالبًا: أحتاج أن أكون بعيدًا عن سوء الفهم، عن العلاقات التي تُنهك أكثر مما تُنقذ.
هذه وحدة تلبس رداء القوة، لكنها تخفي هشاشة مؤجلة.
وهناك من تُفرض عليه.
وحدة المرض، الشيخوخة، الفقد الواضح.
وحدة الأرامل، المنفيين، من فقدوا أدوارهم فجأة، ففقدوا معها الدائرة التي كانت تعرّفهم.
هذه وحدة لا تحتاج شرحًا، لأن المجتمع يراها…
لكنه لا يعرف ماذا يفعل بها، فيكتفي بالتعاطف السريع، ثم يمضي.
ومفارقة الوحدة المرئية أنها قد تكون محاطة بالضجيج.
وجوه كثيرة، رسائل، تفاعلات، حضور دائم على الشاشات،
لكن القلب واقف في مساحة خالية.
الكل يعرف أنك وحيد،
لكن المعرفة لا تتحول إلى اقتراب،
والاعتراف لا يتحول إلى احتواء.
إظهار الوحدة، في كثير من الأحيان، ليس ضعفًا،
بل محاولة أخيرة للفهم.
صرخة بلا صوت تقول:
أنا هنا… لا أحتاج حلًا، أحتاج أن يُنظر إليّ دون استعجال.
لكن العالم لا يحب الوحدات المكشوفة طويلًا،
إما أن يطالبها بالتعافي السريع،
أو يتعب من وجودها في المشهد.
وهنا يظهر الفرق القاسي بينها وبين الوحدة غير المرئية:
تلك الأولى تُربك الناس لأنها لا تُرى،
وهذه تُربكهم لأنها تُرى أكثر مما ينبغي.
الأولى تمرّ دون أثر،
والثانية تمرّ محمّلة بتوقعات لا تُلبّى.
الوحدة المرئية لا تعني دائمًا الرغبة في الانسحاب،
وأحيانًا لا تعني الرغبة في العودة.
هي فقط لحظة صدق علني،
حين يتوقف الإنسان عن الادعاء بأنه بخير،
دون أن يعرف بعد كيف سيكون أفضل.
وربما، في هذا الانكشاف تحديدًا،
تبدأ إمكانية أخرى…
ليس خلاصًا كاملًا،
بل احتمال لقاء
لقاء لا يقوم على الشفقة،
ولا على الضجيج،
بل على الحضور الحقيقي.








































