استيقظ الأستاذ سعيد كعادته قبل المنبّه، لأن القلق لا يحترم مواعيد النوم. نظر في السقف وقال الجملة التي صارت أكثر استعمالًا من اسمه:
_اللهم اجعله خير
قالها وهو يشعر أن الخير لو حضر فعلًا، فسيحتاج إلى إذن دخول من الإدارة.
خرج إلى المدرسة، منخفض الرأس احترامًا للهزيمة اليومية، ثم دخل مدرسته التي تشبه مريضًا في غرفة انتظار طويلة.
في الحصة الثالثة، كان يشرح درسًا لا يحبه ولا يكرهه، فقط يؤديه. خمسون طالبًا، عيون لا تنظر إليه، إلا عين واحدة ، عين آدم.
آدم كان مختلفًا؛ يسأل، يكتب… يكتب كأنه يتمسك بالعلم كطوق نجاة.
لاحظ سعيد ذلك، فابتسم دون أن يشعر، ورفع صوته قليلًا. فجأة، انقطع التيار الكهربائي، وغرق الفصل في نصف ظلام، ونصف ضجيج. صرخ أحدهم:
— النور قطع.
وقال سعيد تلقائيًا:
— اللهم اجعله خير.
وفجأة…
سقط آدم.
لا ضحك هذه المرة.
فقط فوضى عارمة ، وصراخ من التلاميذ..
سقط الطفل على الأرض، جسده يرتجف، وكتابه يسقط قبله. تجمّد الفصل، وتجمد سعيد لثانية واحدة، ثم تحرك ، حمله، صرخ، طلب الإسعاف، ركض كأنه يركض خوفا من المجهول.
في الممر، وقف المدير مذهولًا:
— فيه إيه؟
صرخ سعيد لأول مرة منذ عشرين عامًا:
— فيه بني آدم بيموت!
جاءت الإسعاف متأخرة كعادتها، كأنها تُراجع جدول الحصص. خرج آدم محمولًا، وعيناه مغمضتان، ودفتره في يد سعيد.
دفتر لم يكن فيه إجابات نموذجية، بل رسومات، وأسئلة، وأحلام صغيرة مكتوبة بخط طفل.
في اليوم التالي، دخل سعيد الفصل وحده.
مقعد آدم فارغ.
لا صوت، لا ضحك، فقط صمت.
قال المدير :
— كمل المنهج… ما تضيعش وقت.
نظر سعيد إلى السبورة، ثم إلى المقعد الفارغ..
لأول مرة، لم يقل اللهم اجعله خير.
استبدلها : إنا لله وإنا إليه راجعون.
جلس مكان آدم، فتح دفتَره، وقرأ سطرًا كتبه الطفل:
"نفسي أبقى مدرس زي أستاذ سعيد… مدرس بيفهمني."
اهتزّ شيء داخله.
ضحك… ثم بكى.
ضحك لأن طفلًا واحدًا فهمه، وبكى لأن نظامًا كاملًا لم يفعل.
في الحصة التالية، لم يشرح الدرس.
شرح آدم.
حكى للطلاب عن زميلهم، عن إنسانية التعليم، عن أن العلم ليس امتحانًا، وأن المعلم ليس آلة. تحدث بصدق، بلا منهج، بلا أقلام.
دخل المتابع فجأة، دوّن ملاحظات، وخرج.
وفي نهاية اليوم، استُدعي سعيد للتحقيق.
قالوا له:
— أنت خرجت عن الإطار.
قال بهدوء:
— الإطار ضيق!
خرج موقوفًا عن العمل.
لكن وهو يغادر المدرسة..
ابتسم، ومسح دمعة، وقال أخيرًا، لا كدعاء بل كيقين مؤلم:
_اللهم اجعله خير…








































