ماعنديش رغبة أحدِّد أسماء أماكن أو بلاد وأنا بحكي عن تجربتي، بَس عاوز أقول معلومة مهمَّة عنّي، أنا إنسان شَغوف جدًا، وشَغفي أحيانًا بيوصل لدرجة التهوّر، ومن وقت للتاني بقرَّر أخوض تجربة جديدة، والمرَّة دي قرَّرت أقطع مسافة من بَلد لبَلد مَشي على رِجلي، والمسافة دي هتاخد حوالي شَهر، هعدِّي فيها على بلاد وأمشي فيها طُرق جبليَّة، وأكتشف فيها أماكن جايز محدّش وصلها قبل كِدَه، وكل دَه عشان أوثَّق المغامرة وأحقَّق رقم قياسي، وأشبِع شَغفي وفضولي..
بالمناسبة، دي مش أوِّل مرَّة أقوم بمغامرة من النوع ده، بَس المغامرة أو التجربة دي اختلفت عن كل اللي قبلها، لأنّي لمَّا رجعت منها كان معايا وثيقة غريبة، ماكنتش فاهم مكتوبة بأي لُغة، ولا بتنتمي لأي زمن، ولا الرسومات والرموز اللي فيها بتعبَّر عن إيه، الشيء الوحيد اللي قدرت أعرفه إن الوثيقة مكتوبة على جِلد حيوان مدبوغ.
الوثيقة وقعت في إيدي بالصدفة، وبرضه بسبب الفضول والشَّغف، لأن وقت المغامرة وأنا بقطع الطريق اللي قرَّرت أمشيه، الليل كان قرَّب يدخل، عشان كِدَه سيبت الطريق ودخلت ناحية الجَبل، عشان أشوف أي مكان أبات فيه لحد ما النهار يطلع، وطبعًا مش من السَّهل إن الواحد يبات في الأماكن دي، في ديابة وعقارب وتعابين، يعني ممكن الواحد يغمَّض عينيه عشان ينام ساعتين، ويتفاجئ إنه بيفتَّح عينيه في الآخرة، وده بيخلّيني دايمًا أفرِد الخيمة الصغيَّرة اللي معايا وأرسم حوالين منها دايرة في الأرض، وأقرأ فيها المعوذتين وآية الكرسي، وده عشان مَفيش أي زاحف يقرَّب منها، دَه غير إني بولَّع راكية قدّام باب الخيمة، عشان مفيش أي مفترس بيمشي على أربعة يقرَّب منها ويكتشف إن في فريسة نايمة جوَّه.. بَس في اليوم ده لمَّا دخلت ناحية الجَبل حسِّيت بفجوة موجودة، كام صخرة هايشة قافلين تجويف أقرب في الشَّكل من أشكال الكهوف، الشَّغف خلَّاني أقرَّب أكتر، بحلقت في الصخور واكتفشت إن وراها كَهف، وفضولي خلَّاني أحرَّك الصخور وأشيلهم صخرة ورا التانية؛ لأنهم كانوا في حجم قوالب الطوب، وكأن شخص ما كان في الكَهف دَه وقفله بالصخور وراه وهوَّ خارج!
لمَّا الصخور اتشالِت اكتشفت كَهف صغيَّر وراها، ريحة المكان خلَّتني أكُح كُحَّة شديدة؛ حسِّيت إني بفتح مقبرة مقفولة من آلاف السنين، لكن الحكاية دي مأخدتش وقت طويل، الهوا اللي دخل الكهف لمَّا الصخور اتشالت غيَّر كل حاجة بسرعة، ساعتها بصّيت في سَقف الكهف وحيطانه، اتأكِّدت إن مفيش تشقُّقات ولا شروخ، يعني مكان آمن الواحد يبات فيه من غير ما الكهف ينهار فوقه، عشان كِدَه قرَّرت أقضِّي الليلة جوَّاه.
جهِّزت الأرض وفرشت الفَرشة اللي هنام عليها، ولَّعت راكية نار قدّام الباب عشان تبعد أي خطر عن مكاني، بعدها مدِّدت ونِمت، إرهاق الطريق خلَّاني أروح في النوم، وصحيت على جرس منبّه التليفون اللي كنت ظابطُه قبل ما أنام..
النهار كان طِلِع، قرَّرت ألِم الفَرشة وأجمَّع كل حاجة تخصّني عشان أكمّل رحلتي، لكن قبل ما أتحرَّك لفت انتباهي حتة جِلد خارجة من أرضيّة الكهف، ماكنتش واخد بالي منها لمَّا دخلت لأن الليل كان دخل والرؤية مكانتش واضحة..
نزلت في الأرض وبدأت أشيل الرَّمل والصخور من حواليها، لحد ما قدرت أطلَّعها بدون ما تتقطع، ولمَّا بصِّيت فيها شُفت مخلوقات مرسومة، بَس ملامح المخلوقات دي كانت غريبة وغير مكتملة، حسِّيت إني شايف صور لأنصاف بَشر، لسَّه ماوصلتش لمرحلة الاكتمال النهائي، دَه غير إن نُصَّها التَّحتاني مدفون في الأرض، وعلى أطراف الوثيقة؛ كان في كام رسمة لمثلَّثات متداخلة في بعضها بأشكال مختلفة، وجوَّه المثلثات رموز غريبة، زي ما تكون كلمات أو جُمَل مكتوبة بطريقة أشبه بذبذبات رَسم القلب!
حطيت الوثيقة في شنطتي وخرجت من الكهف، كمِّلت رحلتي وأنا عامل حسابي أعرف حكاية الوثيقة لمَّا أخلَّص المغامرة اللي بدأتها.. وبالفعل؛ لمَّا انتهيت من الرحلة ورجعت شقّتي، وارتحت يومين من الإرهاق، طلَّعت الوثيقة من الشنطة وبدأت أفكَّر في الخطوة الجاية، وبعد تفكير طويل؛ لقيتني بفتكر عماد، صديقي من أيام الجامعة، بَس كل واحد فينا كان في كُلَّية مختلفة عن التاني، هوَّ في آثار، وأنا كنت في تربية رياضية، وبحكم دراسته كان أنسب شَخص أعرَض عليه حكاية الوثيقة عشان يساعدني..
طلَّعت رقمه واتصلت عليه، ولمَّا فتح المكالمة قال لي:
-إزيك يا آسر، عاش مِن سِمع صوتك يا عم.
-الله يسلّمك يا صاحبي، أنا لقيت حاجة كِدَه خلَّتني أفتكرك وآخد رأيك فيها.
-صحوبيّة مصلحة يعني بس ماشي، إيه الحاجة دي؟
حكيت له الحكاية بتفاصيلها، ولمَّا خلَّصت كلامي حسِّيت من لهجته إنه مُتحمِّس يشوف الوثيقة، طلب نتقابل في أسرع وقت، عشان كِدَه طلبت منُّه ييجي عندي الشَّقة، بما إن أبويا وأمي مسافرين وأنا عايش لوحدي، وفي نفس اليوم آخر النهار، لقيت جرس الباب بيرِن في نفس الميعاد اللي اتفقنا عليه.
بعد ما سلِّم عليَّا وقعدنا شوية، دخلت أوضتي جِيبت الوثيقة، حطيتها قدامنا على ترابيزة الصالون، بعدها بدأت أتابع ردود أفعاله، ملامحه عبَّرت عن الذهول اللي داير جوَّاه، وفي اللحظة دي قلت له:
-دي مُش برديَّة، صحيح؟
-كلامك مظبوط يا آسر، لأن البرديَّات بتكون مكتوبة على ورق بَردي، إنما دي قطعة جِلد مدبوغة زي ما وصفت لي في التليفون.
-بحكم دراستك، تفسَّر بإيه وجود وثيقة جِلد زيّ دي في كهف جبلي مقفول.
-عاوز رأيي ولا هتاخد كلامي بتريَقَة؟
-ولو هاخد كلامك بَريقَة ليه كلِّمتك وقُلت لك على اللي فيها!
-يبقى اتفقنا يا صاحبي، كِدَه بقى أقدر أتكلّم براحتي.. أولًا الرسومات اللي في قطعة الجِلد مُش بتنتمي للعالم بتاعنا، ولا حتى لعالم الجِن والشياطين، لأن الصور اللي بيتم تداولها عن أشكال الشياطين والجِن معروفة، حتى لو كانت الصور دي مش بتوصف حقيقتهم لأننا أصلًا مانعرفش شكلهم عامل إزاي، وبرغم كِدَه مَفيش صورة عبّرت عنهم وكان فيها نَقص، حتى لو كانت ملامحهم مُخيفة وغريبة على عالمنا، يعني مثلًا ممكن تلاقي شكل عيونهم مخيفة، بَس مَفيش فيهم مخلوق مالوش عيون أو مناخير أو بُق، أو مخلوق بنُص إيد أو بفردِة رِجل مش كاملة.
-قصدك إن حتى الرسومات دي مالهاش علاقة بالجِن والشياطين كمان؟
-بالظبط، دي تشبه أنصاف البَشر، مخلوقات بدائية جدًا.
-ولمَّا هيَّ بدائيَّة بالشكل ده، إزاي قِدرت تعمل وثيقة وترسم أو تكتب عليها؟
-كل مخلوق يا آسر مهما كان بدائي، بيحاول بقدر استطاعته يوصل للوسائل اللي تساعده يعيش ويكمّل دورته في الحياة، حتى البكتيريا والفطريات، كل مخلوق بيبتكِر وسيلة تواصل مع غيره عشان تساعده يتكيّف مع البيئة، وبالتالي المخلوقات دي وصلت لمرحلة من القُدرة إنها تعبّر عن نفسها بالرسومات والرموز والكتابة، يعني عندك مثلًا المثلثات المتداخلة، حسب معرفتي إنها بترمز للصراعات المحتملة، والكتابة اللي بتشبه الذبذبات، أكيد دي اللغة اللي بيعبّروا بيها عن اللي جوّاهم، خصوصًا إن في كل اللغات دايمًا في رابط بين النُّطق وبين شَكل الكلام على الورق، والكتابة اللي بتشبه رسم القلب دي، معناها إن الكائنات دي بتتواصل مع بعضها بلهجة تشبه الذبذبات.
سَرحت في الكلام كام ثانية ومقدرتش أفهم عماد بيتكلّم عن إيه، وعشان كِدَه سألته:
-إيه المخلوقات اللي مواصفاتها مُطابقة لكلامك وللمخلوقات اللي في الوثيقة دي؟
-تِسمع عن مخلوقات الحِن والبِن؟
-أنا مُش مُهتم بالقراءة عن مخلوقات العوالم التانية، وبرغم كِدَه سمعت اسمهم في برنامج بالصدفة، بَس ماتوقَّعتش إن سيرتهم تيجي في الكلام دلوقت!
-لو عرفنا قطعة الجِلد دي من أي زمن، دَه هيساعدنا أكتر إننا نفهم مين المخلوقات دي، وهل دي أشكال مخلوقات الحِن والبِن فعلًا ولا لأ؟
-والمعلومة دي هنعرفها إزاي؟
-سيب الموضوع ده عليّا، كل اللي عليك إنَّك تقُص حتَّة في حجم عُقلة الصابع من طرف الوثيقة، وأنا هبعتها لواحد صديقي بيشتغل في معمل جنائي، هيفحصها في السِّر ويقول لنا دَه جِلد إيه بالظبط.
بعد يومين عماد اتصل بيّا، بلَّغني إنه جاي في الطريق، انتظرته لحد ما وصل، وساعتها قال لي:
-قطعة الجِلد متَّاخدَة من حيوان مُنقرض.
بلعت ريقي من الصدمة وعلَّقت بكلمة واحدة وقُلت:
-مُنقرِض!
-بالظبط، وغالبًا لحيوان الماموث، بعد فحص نسبة المادة الوراثية اللي في قطعة الجِلد، اتضح إن في تطابق بينها وبين المادة الوراثية لحيوان الماموث، قطعة الجِلد نفسها من زمن قديم جدًا، مش هبالغ لو قُلت لك إنها من قبل ظهور البشر أساسًا.
-أنت بتقول إيه يا عماد؟
-بقول اللي وصلني بالظبط، وغالبًا اللي خلّى الوثيقة تفضل على حالها طول السنين دي إنها مدبوغة أولًا، وثانيًا إنها اتحفظت في مكان مقفول بعيد عن عوامل التعرية، ده اللي عرفته من صديقي اللي بيشتغل في المعمل الجنائي.
-معنى كِدَه إن تحليلك من البداية كان صَح، الوثيقة تخُص مخلوقات الحِن والبِن.
-مفيش تفسير تاني غير كِدَه، وطبعًا لولا الرحلات الغريبة اللي بتقوم بيها، والأماكن اللي بتدخُلها مكانتش هتقع في إيدنا.
لمَّا خلَّص كلامه سألني:
-ناوي تعمل إيه بالوثيقة دي؟
مافكَّرتش كتير وقلت له:
-ولا حاجة، هحتفظ بيها زيّها زي أي حاجة نادرة لقيتها في الرحلات بتاعتي.
خلَّصنا كلامنا وعماد مِشي، وبصراحة جاوبته الإجابة اللي فاتت دي عشان أحتفظ لنفسي بتجربة مجنونة تانية، أصل فضولي خلَّاني أفكَّر أخبَّط على باب عُمري ما فكَّرت أخبَّط عليه، ودَه لمَّا سألت نفسي: بما إن الجِن مخلوق في إمكان البَشر إنهم يخلّوه يحضر، إيه اللي يمنع إننا نخلّي مخلوق من الحِن أو البِن يحضر؟
جنون مُش كِدَه؟
كُنت عارف إنه جنون فعلًا، وبرغم كِدَه بحثت عن واحد من اللي بيشتغلوا في التحضير، كان اسمه الشيخ يعقوب، تواصلت معاه وطلبت أقابله عشان أمر ضروري، وفوق كِدَه عرضت عليه ياخد اللي عاوزه في مقابل إنه يساعدني في تنفيذ الأمر ده، ولمَّا عَطاني عنوانه وأخدت الوثيقة ورُحت له وقعدت معاه وحكيت له عن الحكاية، بَص لي وقال لي:
-أنت بتطلب حاجة محدّش جرَّب يعملها قبل كِدَه، ومعرفش إن كان ينفع أصلًا نعمل دَه أو لأ، إحنا بنحضَّر وبنصرف جِن، يعني كائنات مخلوقة من طاقة ومالهاش وجود مادي زيّنا وسَهل إنها تنتقل بين العوالم، بَس الحِن والبِن ورغم إنهم كانوا موجودين، وابن كثير ذكرهم في البداية والنهاية، وكُتب كتير اتكلّمت عنهم وعن أوصافهم، منهم اللي بجسم أسد وراس طيور، ومنهم اللي عنده أكتر من وَجه وعدد كبير من الرجلين، ومنهم اللي بيشبه أنصاف البَشر ودول في الغالب الحِن، يعني بنفس مواصفات المخلوقات اللي في الوثيقة، لكن في النهاية دي كائنات ماديّة، وماعنديش معلومة إذا كان ينفع تحضير كيان مادي ولا لأ، ولو ينفع فأنا مُش عارف الطريقة ولا حد اتكلّم في الحكاية دي قبل كده.
لمَّا خلَّص كلامه ردّيت عليه وقُلت له:
-بَس نقدر نحاول، لو نجحنا خير، ولو ماقدرناش ننجح يبقى على الأقل حاولنا.
-وأنت الحكاية دي تهمَّك للدرجادي؟
-أنا شَخص عايش عشان يشبع فضوله يا شيخ، وطالما الوثيقة دي وقعت في إيدي، يبقى لازم أعرف أصلها وفصلها، ولا تحِب أروح لحد تاني يحاول يساعدني وهوَّ أولى بالفلوس؟
بمجرَّد ما حَس إن الفلوس هاتروح منُّه قال لي:
-مُش هانخسر حاجة، بس اعطيني مُهلة يومين وأرُد عليك.
أخدت الوثيقة ومشيت بعد ما قُلت له إني هارجع بعد اليومين على كلامه، وبالفعل، بعد اليومين لقيته بيرِن عليَّا وبيطلب منّي آخد الوثيقة وأروح له، ولمَّا رُحت له وقعدت معاه قال لي:
-طلبك ممكن يتحقَّق.
أخدت نَفس عميق، وفي نفس الوقت مخلوط بريحة الخوف وأنا بقول له:
-كُنت عارف إنَّك هاتقدر، وأنا مستعد أدفع لك اللي أنت عاوزه.
-الحكاية مش حكاية فلوس، زي ما أنت عاوز تشبع رغبتك وتعيش تجربة جديدة، أنا برضه عاوز آخد خِبرة جديدة.
-المهم إننا نخرج من التجربة دي مبسوطين، وكل واحد فينا محقَّق رغبته.
-حيث كِدَه بقى هَطلب طلب، إذا قدرت تنفّذه هانقدر نستحضر كيان مخلوق من الحِن.
-ويا ترى إيه الطلب ده؟
-عاوز بقايا من أجسامهم، في الغالب هَتكون حتة عضمة.
بصِّيت له باستغراب وقُلت له:
-أنت بتطلب المستحيل؟ إزاي أجيب بقايا من أجسام كائنات ماتت واتحلّلت من آلاف السنين، ومين عالم، جايز من ملايين السنين كمان!
ساعتها الشيخ يعقوب ابتسم وقال لي:
-يعني اللي بتطلبه مُش مستحيل؟ عن نفسي قدرت أوصل لطريقة تحقق غَرضك، الدور والباقي عليك.
-طيِّب ساعدني، عرَّفني إزاي أوصل للبقايا دي.
-لازم تعرف أولًا إن المخلوقات دي وخصوصًا الحِن كانت بدائية وضعيفة، عشان كِدَه كان مأواهم الكهوف والأماكن البعيدة عن باقي المخلوقات، يعني عشان توصل لرَميم كائن منهم، لازم تدوَّر في الأماكن دي، وعشان أختصر عليك الطريق أكتر، دوَّر في نفس الكهف اللي لقيت فيه الوثيقة، لأن وجودها في المكان دَه دليل على وجودهم هناك.
الموضوع كان مُرهق، بَس إشباع الشغف اللي عندي من ناحية الحكاية دي كان يستاهل، عشان كِدَه قرَّرت أعيد الرحلة من تاني، بَس المرَّة دي لحد الكهف اللي لقيت فيه الوثيقة، وساعتها أعمل المحاولة اللي الشيخ يعقوب طلبها منّي وأرجع تاني..
تاني يوم الصُّبح، بدأت الرحلة من جديد، ولمَّا وصلت الكهف ودخلت، بدأت أدوَّر على أي شيء مُختلف عن الرَّمل والصخور، أقصد يعني بقايا أو رُفات من أجسامهم، وبرغم إن اللي بعمله يكاد يكون مُستحيل عند بعض الناس، بَس كمِّلت لأني مُش مقتنع إن في شيء اسمه مستحيل أصلًا، فضلت أنبُش في الأرض لحد ما عيني وقعت على جسم مختلف في حجم عقب السيجارة، لمَّا مسكته في إيدي وبحلقت فيه لقيته شَبه تكوين العِظام بتاعنا، وماكنتش محتاج حاجة تانية بعد كِدَه..
أخدت بعضي وخرجت من الكهف، مشيت الطريق من تاني لحد ما وصلت الشقة، ساعتها كلِّمت الشيخ يعقوب وبلَّغته إني رايح لُه تاني يوم، ده طبعًا بعد ما أرتاح من إرهاق الكام يوم اللي قضّيتهم ماشي على رجلي..
تاني يوم رُحت له البيت وعطيته العَضمة، وبعد ما بَص فيها قال لي:
-عضمة عجب الذنب، العضمة الوحيدة اللي مش بتتحلّل في أجسام الكائنات الحيّة.
-تقصد بكلامك إنها تخصّهم؟
-طالما لقيتها في نفس المكان اللي فيه الوثيقة، يبقى أكيد تخصّهم، ده غير إن شكلها مختلف عن شكلها في أجسام البشر والحيوانات، وأي نعم الحِن والبِن كانوا كائنات بدائية، لكنهم كائنات مادية من دَم ولحم وعَضم.
-يعني كِدَه التجربة هاتنجح؟
-أنا هَقوم بدوري، خلينا نشوف اللي ينفع من الناحية النظرية هاينجح في التطبيق ولا لأ.
أخد العَضمة وحطَّها فوق الترابيزة اللي قدامه جَنب راكية البخور، بعدها مَد إيده في علبة وطلَّع منها بخور جَاف ريحته نفَّاذة، حَط البخور فوق العضمة وبدأ يتكلّم بصوت واطي، رِتم كلامه كان سريع، وبرغم إني ماكنتش سامع ولا فاهم بيقول إيه، لكن حسِّيت بقبضة في قلبي، الجُمل كلُّها كانت ماشية على وتيرة واحدة وبتنتهي بالسَّجع، وفضِل على الحال دَه وقت طويل، ومن وقت للتاني حسِّيت إنه بيتكلّم بعُنف وكأنه بيزجُر حد قدامه مش قادر أشوفه، وبعد ما خلَّص اللي بيعمله قال لي:
-ناولني إيدك، بَس غمَّض عينيك.
عملت اللي قال عليه، ولمّا مسك إيدي حسِّيت بحرقان في صابعي، ساعتها طلب منّي أفتح عيني، ولقيت في إيده مَشرط وصابعي بينقَّط دَم، حاولت أسحب إيدي لكنُّه قرَّبها من العَضمة وساب نُقط الدَّم تنزل عليها، وبعدها رجع يكمّل الكلام الغريب اللي كان بيقوله وهوَّ ماسك إيدي، ولمَّا خلَّص اللي بيعمله قال لي:
-العَضمة دي هتاخدها معاك وأنت مروَّح، ولازم تخلّيها في المكان اللي هَتبات فيه 3 ليالي، وفي الليلة التالتة هايحضر مخلوق من كائنات الحِن، هايحكي لَك حكاية الوثيقة اللي لقيتها، وبكده هايكون نجحنا في تحضيره، وعن نفسي مش هاخد حاجة غير لو التجربة نجحت.
نفِّذت كل طلباته، وفي الليلة التالتة فضلت سهران لحد ما دماغي تقلت، غمَّضت غصب عنّي، وبعد شويّة ودني بدأت تلقت ذبذبات غريبة، كل ما تدخل ودني جسمي يقشعر، ساعتها فَتحت عيني، ولقيت قدَّامي مَسخ مُخيف، كان لحم ودَم زينا لكن جِسمه مُش كامل، عنده رِجل واحدة وإيد واحدة، وكانُّه نُص بني آدم..
اتفزعت من اللي شايفه قدّامي، وساعتها الشيء دَه قرَّب منّي وبدأ يتكلّم بنفس صوت الذبذبات، حاولت أقاوم رجفة لساني وقلت له:
-أنا مش فاهم حاجة، أنت مين؟
في اللحظة لهجته اتغيَّرت وكلامه بقى بَشري، وساعتها قال لي:
-مخلوق من بني الحِن، اللي عجب الذنب اللي دمَّك لمسها من جسمي، واستحضرتوني عن طريقها، أنا حضرت في مهمّة محدَّدة، وهي شرح الوثيقة اللي أنت لقيتها مكتوبة على جِلد حيوان انقرض ومعادش موجود على الأرض، أنا اللي كتبتها أيَّام ما كنا موجودين، وتوقَّعت فيها ظهور كائنات أقوى من بني جنسنا، وده هيأذن بهلاكنا، والكائنات دي هيَّ الجِن، وحاولت في الوثيقة أظهِر المخلوقات من بني جنسنا مغروسة في الأرض، كنوع من التشبُّث بالحياة، أما المثلثات المتداخلة، فالأشكال دي بترمز للصراعات من قديم الأزل، أي كائن قدِر يلاقي طريقة تواصل مع الطبيعة كان بيعبّر بيها عن الصراعات، والذبذبات اللي في الوثيقة هيَّ الطريقة اللي بنتكلم ونكتب بيها، واللي غيَّرتها عشان تفهمني بمجرَّد ما قلت إنك مش فاهم كلامي، أما بالنسبة للكهف، فكان عبارة عن القبر اللي اندفنت فيه، وبني الحِن دفنوا معايا الوثيقة اللي كتبتها.
بمجرَّد ما قال الكلام ده اختفى من قدّامي، بعدها لقيت نفسي بفتح عيني، واتضح لي إني شُفت كل ده وأنا نايم، ومفيش لحظات وفهمت إنه مكانش حِلم، لأن العضمة مكانتش موجودة في مكانها، ولا حتى الوثيقة نفسها كانت موجودة، وبرغم إن الوقت كان متأخَّر، لكن أخدت بعضي وطلعت على بيت الشيخ يعقوب، صحِّيته من النوم ودخلت أتكلم معاه، حكيت له عن اللي حصل معايا، وساعتها قال لي:
-قبل ما يسيبك أخد العضمة والوثيقة معاه، مهما كان دي حاجات تخُصَّه ورجعت مكانها، لأن المكان ده المثوى الأخير لكائن الحِن اللي أنت لقيت رُفاته.
دماغي دارت بيّا وحسِّيت إني تايه، عشان كِدَه قلت له:
-أنت بجد استحضرت كائن من الحِن وخلِّتني أشوفه وأتواصل معاه؟
-زي ما قلت لك قبل كِدَه، الكيانات اللي مخلوقة من طاقة بَس هيَّ اللي قابلة للاستحضار، الجِن والعفاريت والشياطين يعني، لكن الكيانات الماديَّة ليها طريق تاني وبتحتاج لوسيط، بالظبط زي التجارب اللي عن طريقها بتستحضر روح شخص مات، الجسد المادي بيَفنى، لكن ممكن تتواصل مع الروح عن طريق وسيط، خادم من الجِن بمعنى أصَح، يعني كائن الحِن اللي حضر وأنت شُفته بعينك واتكلِّم معاك، كان في نفس شكله وهيئته الحقيقيَّة، ونفس صوته، لكن اللي خلَّاك تشوف ده هوَّ خادم الجِن، الوسيط اللي عن طريقه ربطت بينك وبين كائن الحِن لمَّا خلّيت دَمَّك يلمس عجب الذنب اللي من جسمه، من الآخر كِدَه، نفس التجربة اللي عن طريقها بنستحضر روح شَخص مات، هيَّ نفسها اللي عن طريقها استحضرنا كائن الحِن اللي كتب الوثيقة، في النهاية الاتنين كائنات ماديَّة، وبيمشي عليهم نفس الطريقة، ودَه اللي فهمته من خادم الجِن اللي معايا لمَّا لجأت له، وقال إن التجربة ممكن تنجح، وعشان ماتشغلش بالك كتير، أنا طلبت من الخادم يقفل الكهف من تاني على الوثيقة وعجب الذنب بتاع كائن الحِن.
دفعت للشيخ يعقوب اللي قال عليه ومشيت، وتاني يوم بدأت الرحلة من تاني لحد الكهف، ولمَّا وصلت عنده، لقيته مقفول بنفس الطريقة اللي شُفته عليها أوِّل مرَّة، وساعتها عرفت إن الشيخ يعقوب كان صادق معايا في كل كلمة.
بعد ما رجعت شقتي، قرَّرت أبعِد فترة عن المغامرات عشان أرتاح من الرحلة الطويلة دي، وبعدها بكام يوم عماد كلِّمني يطَّمن عليّا، خصوصًا لمَّا لقاني مُش ظاهر، وفي وسط الكلام سألني عن الوثيقة، قُلت له إن تحليله مظبوط، المخلوقات اللي في الوثيقة كانت مخلوقات من بني الحِن، وعرَّفته إني بحثت في الموضوع وسألت مُختصّين وأكِّدوا كلامه، واكتفيت بكلمة مُختصّين من غير ما أجيب سيرة الشيخ يعقوب وتجربة استحضار الحِن اللي عملناها، وعرَّفته إني محتفظ بالوثيقة في مكان محدّش يقدر يوصل له، ومش هاتظهر عشان ماتعملش شَوشَرة وقلق، كل ده عشان مايحاولش يطلب منّي الوثيقة مستقبلًا تحت أي سبب، وطبعًا ماقُلتش إن المكان ده يبقى الكَهف.
-وأنت فاكر الناس هاتصدَّق الحكاية اللي في التجربة دي؟ دَه لحد دلوقت بعض الناس بتعترض على تحضير الجِن والمَس والكلام ده، أقوم أقول لهم إنَّك حضَّرت كائن من مخلوقات الحِن، حتى لو كان ده حصل عن طريق وسيط؟!
-هاتخسر إيه يا أستاذ محمد؟ أنا تواصلت معاك وحكيت لك تجربتي عشان تكتبها، الدنيا واسعة وفيها كتير، يعني لو كنت قُلت لك إني حضَّرت جِن كنت هتسألني السؤال ده؟
-على الأقل حكايات الجِن متداولة والنّاس بتتعايش معاها، إنما الحِن دي جديدة، بَس على رأيك، أنا كل مهمّتي آخد حكايتك وأبني عليها قصة، والعُهدة على الراوي، أنا مُجرَّد كاتب بيحوّل تجارب بعض الأشخاص لقصص الناس بتقرأها، ويا إمّا يقتنعوا بالحكاية أو مايقتنعوش، دي حاجة ترجع لهم.
تمت...








































