آخر الموثقات

  • راجع يدك!
  • لجنة الإمتحان صارمة
  • ص: بين خطوتين
  • شخصٌ واحد
  • اصمت ايها الناقد
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة محمد شحاتة
  5. مصحة المجرمين "العنبر صِفر"
⭐ 0 / 5

حطِّيت فنجان القهوة على المكتب قدَّامي، بعد ما شربت آخر نُقطة فيه، وقتها باب المكتب خبَّط، وساعتها قُلت بصوت عالي عشان اللي برَّه يسمعني:

-اتفضل ادخُل.
الباب اتفتح ودخل مُدير المصحَّة، وقفت من مكاني احترامًا لمكانته، وساعتها قال لي:
-صباح الخير يا دكتور آدم.
ابتسمت وأنا برُد عليه وبقول له:
-صباح النور يا دكتور شوقي، حضرتك منوَّر المكتب. اتفضَّل ارتاح.
قعد على الكرسي اللي قدَّام مكتبي، بعدها شاور لي بإيده عشان أقعد، ولمَّا قعدت قُلت له:
-يا ترى إيه الموضوع اللي يخلّي حضرتك تسيب مكتبك وتيجي لحد عندي، بدل ما تطلب منّي آجي عند حضرتك.
ولأنّي عارف الدكتور شوقي، وعارف إنه مُش بيحب المقدِّمات، ولا بيحب يضيَّع وقت قال لي:
-الموضوع باختصار إني انطلب منّي أرشَّح دكتور نَفساني شاطر، عشان يروح انتداب لفترة في مصحّة نفسيّة جنائيّة.
أخدت نَفَس عميق، وبلعت ريقي وأنا بحاول أمنع ابتسامة ذهول كانت هتترسم على وشّي وقلت له:
-إيه علاقتي بالموضوع يا دكتور؟ أنا دراستي في أمريكا كانت عن الإدمان، ومش بشتغل غير الحالات دي في المصحَّة.
-دكتور آدم مُش معنى إنَّك ماسك التخصُّص دَه في المصحَّة، إنك مش بتشتغل باقي التخصُّصات، في الأول والآخر أنت دكتور نفساني، وأنا عارف إمكانيَّاتك، وعارف كمان إن دراستك مكانتش عن الإدمان بَس في أمريكا، عشان كِدَه اخترتك، وبعدين الانتداب اللي أنا اخترتك عشانه عاوز دكتور شاطر زيَّك، وأي حد من زمايلك هنا هيغطِّي شغلك لحد ما ترجع.
من طريقة كلامه ومعرفتي بشخصيِّته، فهمت إن الموضوع خلصان، دَه أصلًا لو مكانش مبلَّغ المصحَّة الجنائية باسم الدكتور اللي هايبعته، واللي يبقى أنا طبعًا، عشان كِدَه اختصرت عليه الطريق وسألته:
-إيه طبيعة المُهمَّة اللي أنا رايح عشانها يا دكتور؟
بَص لي لثواني من غير ما يتكلِّم، ودَه عشان يخليني أشحِن أكبر قدر من تركيزي، وبعدها اتكلِّم وقال:
-المصحَّة الجنائية بتحصل فيها حالات انتحار مالهاش مُبرِّر، تقريبًا كل سنة حالة، ولحد دلوقت مش قادرين يوصلوا لسبب اللي بيحصل.
-تقصد حضرتك إن المرضى النفسيِّين اللي هناك بينتحروا؟
-أنت عارف كويِّس إن اللي هناك مش مرضى نفسيين وبس، دول محكوم عليهم جنائيًا بسبب جرايم قتل، أو شروع في قتل، أو حتى جرايم عادية، وده طبعًا تحت تأثير المرض النفسي، وحكاية انتحارهم ده شيء مش مُستبعد. بَس الغريب إنه مش انتحار عشوائي، ده بين كل حالة والتانية نفس الفارق الزمني.
لحد هنا حسِّيت إن الموضوع كبير، ودَه اللي خلَّاني قلت له:
-بس متآخذنيش حضرتك، عن نفسي مَاسمِعتش أي خبر عن الحكاية دي، برغم إنها بتحصل في مصحَّة نفسيَّة حتى لو جنائية، يعني في نفس المجال اللي بنشتغل فيه.
-في حظر نَشر مَفروض على الموضوع، أنت عارف طبعًا إن المصحَّات الجنائيَّة في الأول وفي الآخر سِجن، لكن بيفرق عن السِّجن العادي إن إدارته بتكون شراكة بين وزارة الصحَّة ومصلحة السجون، وطبعًا في تحقيقات شغَّالة بَس غير مُعلنة؛ لحد ما يتعرف السبب المنطقي ورا اللي بيحصل، الموضوع حسَّاس يا دكتور آدم، عشان كِدَه اخترتَك لأنّي واثق فيك.
خلَّص كلامه وقام من غير ما ينتظر ردّي، ولأني عارف شخصيّته، فهمت إنه بيعطيني مساحة عشان أوافق مُش عشان أفكَّر، وبما إن الموضوع شِبه مُنتهي؛ لقيت نفسي بَرجع لفترة دراستي في أمريكا، افتكرت إني عامل رسالتين دكتوراة، منهم رسالة في أسباب الإدمان، ورسالة تانية في الأمراض النفسيّة اللي بتدفع الإنسان إنه يعادي المُجتمع ويقتل من غير ما يحِس بالذنب، ونسيت إن المعلومة دي كانت في السيرة الذاتية بتاعتي، عشان كِدَه الدكتور شوقي طلع عارفها، ساعتها أنا اللي حسِّيت بالذنب؛ لكن في حق نفسي، ودَه لمَّا أخدت بالي إني دَفَنت نفسي في تَخصص واحد، أي نعم علاج الإدمان مُهم لأنه خطر على المجتمع؛ لكن دَه خلَّاني أهمِل جزء كبير من دراستي أخد منّي وقت طويل وتَعب، ولقيتها فُرصة إني أبدأ مشوار جديد كان متأجِّل من فترة طويلة، ساعتها رفعت سمَّاعة التليفون وطلبت رقم المكتب عند الدكتور شوقي؛ ولمَّا رد عليَّا قُلت له:
-أنا جاهز يا دكتور، أقدر أروح إمتى؟
-من بُكره يا دكتور آدم، لازم الحكاية تِخلص في أسرع وقت ونوصل لسبب اللي بيحصل.
تاني يوم مع شروق الشمس، كنت بركن عربيتي في ساحة فاضية قدَّام السِّجن، بالتحديد قدَّام بوابة المصحَّة الجنائية، وبعد ما نزلت وقفت أبُص للبوابة والأسوار من برَّه، وفضولي أخدني أعرف إيه اللي بيحصل وراهم، وفي لحظة رجلي مشيت ورا فضولي، لحد ما لقيت نفسي واقف قدام الحواجز الأمنية اللي على البوابة، وجودي لَفَت نظر ظابط الأمن اللي موجود، ساعتها بَص لي وقال لي:
-ممنوع الوقوف هنا يا حضرة.
حطيت إيدي في جيبي وطلَّعت التصريح وورقة الانتداب اللي دكتور شوقي جهّزهم، ناولتهم للظابط وقلت له:
-دكتور آدم، الدكتور النفساني اللي المصحَّة منتدباه.
بَص لي من فوق لتحت من غير ما يتكلِّم، بعدها أخد الأوراق منّي وقرأهم، وساعتها قال لي:
-ممكن البطاقة يا دكتور.
بعد ما أخد البطاقة واتأكِّد من هويتي، بَص ناحية العساكر اللي معاه وقال لهم:
-افتح الباب يابني.
دخلت من باب صغيَّر في جسم بوابة المصحَّة الضخمة، بعدها مشيت في ممر ضيَّق ومعايا عسكري الظابط كلِّفه إنه يوصَّلني، مع كل خطوتين تلاتة كُنَّا بنفوت ما بين حواجز أمنية؛ لحد ما وصلنا عند الباب الداخلي، وبعد ما دخلنا المبنى مشينا في طُرقة، الأرضية والحيطان والسَّقف كلهم كانوا بالسيراميك الأبيض، لكنه قديم ولونه باهت، حتى الإضاءة كانت ضعيفة، وبسبب دَه حسّيت إن الوقت متأخَّر، قلبي اتقبض، خصوصًا إن بيبان الأوَض اللي على الجنبين كانت مقفولة، نهاية الطرقة نفسها كانت مقفولة ببوَّابة لونها أسود متغلِّفة بِشَبَك حديد، حجم الترابيس والأقفال اللي عليها بتوصف الحياة وراها شكلها عامل إزاي، لكن قبل ما نوصل عندها، العسكري وقف قدَّام باب أوضة مكتوب عليه: غرفة الأطباء، وساعتها قال لي:
-اتفضل يا دكتور، هتلاقي الدكتور أمجد موجود جوَّه.
بعد ما شكرته سابني ورجع تاني، وقفت قدام باب الأوضة، مدّيت إيدي وخبَّطت بهدوء، ساعتها سمعت صوت جاي من جوَّه:
-ادخل.
مسكت الأوكرة وفتحت الباب، شُفت شاب في نفس سنّي قاعد ورا مكتب وقدَّامه مجموعة ملفات قديمة، لمَّا رفع عينه ناحيتي قلت له:
-صباح الخير يا دكتور أمجد، أنا دكتور آدم، الدكتور المُنتدب.
لمَّا عرَّفته بنفسي قام من مكانه واتحرَّك ناحيتي، رحَّب بيَّا وقال لي:
-أهلًا وسهلًا يا دكتور، نوَّرت المصحَّة.
رديت عليه وقلت له:
-منوَّرة بحضرتك يا دكتور.
-اتفضل ارتاح يا دكتور آدم، قهوتك إيه؟
-سادة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال لي:
-يظهر إنَّك إنسان واقعي وبتحب البساطة، وكمان صبور وهادي.
-بسرعة كِدَه حلِّلت شخصيتي من نوعية القهوة اللي بشربها؟
-ما تنساش إننا دكاترة نفسيين، ودي أكتر مهنة بتبهت على شخصية أي حد بيشتغلها، والطبع غلَّاب بقى يا دكتور.
طلب لي القهوة وقعدنا ندردش لحد ما القهوة توصل، وبعد ما وصلت وشربتها قلت له:
-دكتور شوقتي اتكلِّم معايا باختصار عن الوضع هنا، بس كنت عاوزك تشرح لي أكتر إيه الحكاية بالظبط.
النَّفس العميق اللي أخده كان كفيل يعرَّفني إن الحكاية معقَّدة، لكن فضِلت ساكت عشان أعطيه وقته ويقدر يختار النقطة اللي هيبدأ منها كلامه، وبعد دقيقة تقريبًا اتكلِّم وقال لي:
-من بعد ما اتعيِّنت هِنا بكام يوم، اتفاجئت بحالة انتحار نزيل في المصحَّة، اللي حصل مكانش مفاجئ بالنسبة ليَّا، مُش لأني كنت عارف أو متوقَّع إن دَه يحصل لأ، لكن عشان المكان هِنا بيضُم مجموعة مختلفة عن نسيج المجتمع اللي برَّه، كلهم قتلوا أو خطَّطوا للقتل أو أجرموا عمومًا، وأثناء التحقيق معاهم اكتشفوا عدم سلامة قواهم العقلية، وإنهم بيعانوا أمراض نفسيه دفعتهم يرتكبوا الجرايم دي، وبالتالي اتحكم عليهم يفضلوا هِنا مدى الحياة، ده بالنسبة للي قتل، أما اللي خطَّط للقتل، فاتحكم عليه يفضل هنا عدد محدَّد من السنين، لكن للأسف برضه مش بيخرج غير لو كان تعافى من المرض اللي عنده، لأنه لو خرج وهوَّ بيعاني من نفس المرض هيرتكب الجريمة من تاني، ومين عارف، جايز المرَّة الجاية الظروف تخدمه وينفّذ تخطيطه للقتل، والحكاية تتحوّل من مجرد شروع لقتل فعلي.
بصراحة، محبِّتش إحساس إنه بيشرح لي أبجديَّات المصحَّة النفسيَّة الجنائية، عشان كِدَه صادرت على كلامه وقُلت له:
-كل ده أنا فاهمه كويّس يا دكتور أمجد، أنا أقصد بسؤالي ليه حالات الانتحار بتحصل؟
-لحد دلوقت محدِّش يعرف السبب، وزي ما قلت لك؛ في البداية افتكرتها حالة وهتعدّي، لكن عرفت إن الحكاية دي حصلت مرتين قبل ما أتعيّن، والفارق الزمني بينهم كان سنة، و برغم إن النُزلاء كلهم متأمِّنين، لكن برضه بينتحروا بطرق غريبة ومش مفهومة، وبرضه بيفصل بينهم نفس الفارق الزمني!
لمَّا خلَّص كلامه سألته:
-من خبرتك في المكان، تفتكر إيه ممكن يدفعهم للانتحار في التوقيت ده بالتحديد؟
-علمي علمك يا دكتور، أي حد بينتحر سِرُّه بيموت معاه، وبالتالي معرفناش إيه سبب انتحارهم، بَس اللي أعرفه إننا قدَّام لُغز، ولو ماقدرناش نوصل لحل في أسرع وقت العواقب مش هتكون كويِّسة أبدًا.
-تقصد إن الحكاية هتكرَّر تاني؟
-أنا شايف إن الحكاية أشبه بالورم السرطاني، لو سكتنا عليه هينتشر، واللي بنعمله دلوقت إننا بنحاصره عشان نقضي عليه.
ردُّه عليَّا كان مليان يأس، والإحباط اللي عنده بدأ يتنقل ليّا، لكني قاومت الشعور ده وقلت له:
-جايز يكون كل ده صدفة ومفيش لغز ولا حاجة، متنساش إنك في مكان مليان ناس موتورة ومحدش يعرف بتفكَّر في إيه، ولا حد يقدر يتوقع ردود أفعالهم، وعمومًا خلينا نبدأ، أنا شايف إني محتاج أراجع ملفات النزلاء اللي انتحروا، جايز لما نعرف سجلَّاتهم المرضيَّة نوصل لسبب انتحارهم. وبعدين ما تآخذنيش يا دكتور، أنا ملاحظ إن الشغف اللي كان عندك في بداية مقابلتنا اتحوِّل لإحباط، عن نفسي مش عارف إيه السبب، جايز بعد ما أقعد شويّة هنا أحِس بنفس الإحساس، بس خلّيني أبُص لنُص الكوباية المليان، الطب النهار ده مبقاش عاجز عن حاجة، خلينا نبدأ وأكيد هنوصل.
وقبل ما يكمِّل في اسطوانة الإحباط اللي بدأها كمِّلت وقلت له...
-مُش هتعرَّفني على الفريق الطبّي اللي هنا؟
سؤالي فوَّقَه من الحالة اللي دخل فيها، قام من مكانه وقال لي:
-أكيد، تعالَ معايا.
خرجت ومشيت معاه في الطُرقة، وقفنا قدَّام باب أوضة مقفول، وبعد ما خبَّط خبطتين عليه مسك الأوكرة وفتحها، ساعتها شُفت كام مُمرّض، عرَّفهم عليَّا وسلِّمت عليهم، بعدها قال لي:
-تعالَ بقى ندخُل عند العنابر.
لمَّا خلَّص كلامه اتحرَّك ناحية البوابة السودة اللي في نهاية المَمَر، مشيت وراه وأنا حاسس بقوَّة خفيَّة بترجَّعني ورا، مكانش مُجرَّد إحساس بالخوف جوَّايا، دي كانت قوَّة خفيَّة بجد، أصوات مش معروف أصحابها وبسمعها لأوِّل مرَّة، كلها كانت بتهمس في نفس الوقت جوَّه عقلي، بتحذَّرني من إني أدخل من البوَّابة، بَس دُست على كل الهواجس والأصوات اللي رنَّت في دماغي وكمِّلت..
وقفنا قدَّام البوابة، وساعتها الدكتور أمجد خبَّط على البوابة وبعدها قال:
-افتح يا عم شلبي.
اللي اتفتح كان طاقة صغيَّرة في جسم البوابة، لمحت منها وِش تفاصيله خلَّت جسمي يتهَز، ملامح قاسية وشَنب ضَخم، وبعد ما بَص علينا قفل الطَّاقة وفتح درفة البوابة، وساعتها الدكتور أمجد قال له:
-مش هتبطَّل بقى الحركات بتاعتك دي يا عم شَلبي؟ مين يعني اللي هيدخل لحد هِنا ويخبَّط على البوابة!
-الحِرص واجب برضه يا دكتور، الله أعلم إيه اللي ورا البوابات المقفولة، وبعدين متنساش إن الجَو ملبِّش بسبب اللي بيحصل هِنا.
كلام عم شلبي دَه خلَّاني أبلع ريقي من الخوف، ولاحظت إن الدكتور أمجد بيغلوِش على كلامه لمَّا قال له:
-مُش هترحَّب بالدكتور آدم ياعم شلبي ولا إيه؟!
اندهشت من قدرته على إنه يخبّي الخوف اللي كان ظاهر في نبرته من لحظات؛ لأنه ابتسم وقال لي بنبرة هادية:
-منوَّر يا دكتور، أنت كِدَه عرفت اسمي، عمَّك شلبي أمين شرطة قديم، يعني شويّة وقت وطالع معاش.
-ربنا يعطيك الصحَّة يا عم شلبي.
مشيت لمَّا الدكتور أمجد سحبني من إيدي، الأبواب اللي في الطُرقة هِنا كانت كلها بيبان حديد على الجنبين، كل باب كان مكتوب عليه كلمة "عنبر"، وتحت الكلمة رقم، والأرقام كانت بتاخد العَد التنازلي كل ما اتعمَّقنا في الطُرقة أكتر، والبيبان مكانش عليها أرقام بَس، ده كان في عسكري حراسة على كل باب، وفضلنا ماشيين لحد ما وصلنا عند الباب رقم واحد، وبعده لمحت باب مفيش عليه رقم، ولا حتى حراسة، لكنّي كبَّرت دماغي من الباب ده، وبدأت أركّز مع الدكتور أمجد اللي قال لي:
-اللي قدَّامك دي بقى عنابر النزلاء.
دماغي سَرَحت في حالات الانتحار اللي حصلت، عشان كِدَه قلت له للمرة التانية:
-تتوقع ممكن تحصل حالات انتحار تاني؟
-بكل صراحة أقدر أقول لَك هتحصل، لأن عن نفسي حضرت خَمَس حالات انتحار بين النزلاء على مدار خمس سنين شغل هنا، وقبل ما أشتغل كان في حالتين. يعني الموضوع بدأ وأعتقد هيكمِّل بنفي الرِّتم.
لحد هنا محبِّتش أضيَّع وقت، عشان كِدَه قلت له:
-من فضلك يا دكتور، أنا عاوز ملفّات النزلاء اللي انتحروا، لازم أقرأها عشان أعرف هنبدأ منين بالظبط.
رجعنا المكتب، وساعتها الدكتور أمجد طلب لي ملفات النُزلاء اللي انتحروا من الأرشيف، ولمَّا الملفات وصلت قال لي:
_هسيبك بقى تعيش حياتك مع الملفات، أنا نبطشي من امبارح بالليل ومطبَّق وبطاريتي فضيت.
هزِّيت راسي بنِفس راضية وقلت له:
_ما تحملش هَم حاجة أنا موجود وسدَّاد.
بعد ما بقيت لوحدي قعدت على كرسي المكتب، فضلت مبحلق في الملفات اللي قدامي، كُنت محتار أبدأ منين، ولأني ماكنتش لاقي نقطة معيَّنة أبدأ منها، قررت أبدأ بالملف اللي إيدي تيجي عليه..
مدٍّيت إيدي وسيبتها تنزل بشكل عشوائي، بعدها سحبت الملف اللي إيدي نزلت عليه، فتحته على أول صفحة، كان فيها المعلومات الشخصية عن النزيل، قرأت اسمه وسنُّه، وشغلانته السابقة قبل ما يبقى نزيل في مصحة جنائية نفسية..
مَعرفش فات وقت قد إيه على ما خلَّصت قراءة الملفات كلها، بس غالبًا أخدت وقت طويل، لأنّي لمَّا بصّيت من الشِّباك لقيت الشمس غابت، بَس بعد المجهود ده، عرفت الطُرُق اللي انتحر بيها النُزلاء، تقريبًا كِدَه كل واحد فيهم كان بيتفنِّن في الطريقة اللي انتحر بيها، اللي شَنَق نفسه بالهدوم اللي لابسها، واللي قطع وريده بأسنانه، واللي حَط رقبته بين عِمدان شبَّاك السرير واتحرَّك بطريقة عنيفة خلَّت رقبته تتكسر، ودي كانت أكتر طريقة بتتكرر، وبرغم إني دكتور نفساني، وعارف قد إيه ممكن المرض النفسي يدفع المريض إنه يأذي نفسه زي ما بيأذي غيره؛ لكنّي ما قابلتش حاجة من دي قبل كِدَه.
دماغي فصلت تفكير لمَّا سمعت صوت خبطة هادية على الباب، حسِّيت بقَبضة في قلبي، جايز لأنّي ماشوفتش حد رايح أو جاي في الطُرقة برَّه، يعني ماكنتش متوقَّع إن حد يخبَّط عليَّا، فضلت قاعد في مكاني بدون ما أنطق، عيني كانت على أوكرة الباب اللي بدأت تتحرَّك ببطء، بعدها الباب اتفتح بالتدريج، كتمت أنفاسي لحد ما الباب اتفتح وظَهَر السَّاعي اللي جاب لنا القهوة أوِّل ما وصلت، نَفَخت أنفاسي اللي كتمتها في صدري، ومع أوِّل خطوة دخلها للمكتب قال لي:
-لقيتك قافل على نفسك يا دكتور آدم، قُلت أجيب لَك فنجان قهوة يخلّيك تصحصح.
ابتسمت على كلامه وقُلت له:
-تسلم إيدك يا عم...
قطعت كلامي لمَّا لقيتني مش عارف اسمه، عشان كده سألته...
-اسمك إيه بالحق؟
-عمَّك عبده، بشتغل ساعي في المصحَّة هنا من سنين طويلة.
كلمة سنين طويلة دي لفتت انتباهي، استغلّيتها وسألته:
-تعرف إيه عن اللي بيحصل هِنا يا عم عبده؟
سؤالي خلَّاه يرتبك، رد بنبرة مهزوزة وقال لي:
-يا دكتور أنا راجل على باب الله، مُش عاوز أدخل في حاجة ماليش فيها.
-كلامك بيقول إنَّك تعرف حاجة.
-كل نزيل عنده ملف، هتلاقي فيه كل المعلومات اللي محتاجها عنُّه.
لمَّا لقيته بيراوغني اتأكِّدت إنه يعرف سِر على الأقل عن المكان هِنا، عشان كِدَه بدأت أتكلم معاه بطريقة تخلّيه يتخلَّص من قيد الخوف اللي حوالين رقبته، وساعتها قلت له:
-مُش دايمًا الملفات بتكون فيها كل حاجة، الملفات فيها تشاخيص طبية وتفسيرات علمية، وفي أحيان كتير الناحية دي مش بتفسَّر كل حاجة بتحصل.
معرفش ليه كان مستغرب كلامي، جايز بيصادف لأول مرَّة دكتور نفساني بيتكلّم بالمنطق ده، وعشان أختصر عليه طريق التَّوهان كمِّلت كلامي وقلت له...
-على فكرة أنا دارس في أمريكا، الاختلاف بين هِنا وهناك، إنهم عارفين إن مش كل الأمراض النفسية بتكون بسبب مرض عضوي، بعض الحالات بتكون نتيجة تأثير شيء غامض؛ طاقة سلبية؛ قوَّة خارجية بتسيطر على الشَّخص.. من الآخر لمَّا الحالة بتكون خارجة عن السيطرة، ومش بتستجيب لأي علاج كيميائي أو فيزيائي، دايمًا تفكيرهم بيروح للعوالم الموازية، الثقافة دي موجودة هناك، ودايمًا بيتسلَّط عليها الضوء في أفلامهم ورواياتهم، وفي بداية حياتي هناك ماكنتش مقتنع بالكلام ده، لحد ما شُفت بعيني أكتر من حالة اتعالجت عن طريق رجال الدين والمعالجين الروحانيين وطاردي الأرواح الشريرة، وبعدها الحالة بتتعافى تمامًا، من وقتها وبقيت على يقين إن الطِّب مش بيعالج كل حالات المرض النفسي، واللي شُفته في ملفات النزلاء اللي انتحروا إنهم قتلوا نفسهم بطريقة غبيَّة، المرض النفسي ممكن يخلّي المريض ينتحر أو حالته توصل إنه يكون قاتل؛ وقاتل متسلسل أحيانًا، لكن إنه يقتل نفسه بالطُرُق اللي عرفتها دي معناها إن في شيء غامض ورا الحكاية.
حسِّيت إنه عاوز يقول حاجة لكنه خايف، قرَّرت أشجَّعه على الكلام فقلت له:
-لو عاوز تقول حاجة اعتبر إنك بتتكلم مع نفسك، أوعدك إن مفيش مخلوق هيعرف إنك نطقت حرف واحد، وزي ما فتحت لك قلبي واتكلّمت عن حاجات مينفعش أقولها، أنت كمان لازم تتكلّم، وصدَّقني، كلامك هيساعدني أحِل اللغز اللي انتدبوني عشانه، ده غير إنه هيوقِف سلسلة من الانتحار المُمنهج وهينقذ أرواح نُزلاء كتير، وكمان هينقذ أرواح ناس غيرهم، خصوصًا إن الحكاية بقت زي النار اللي بدأت تمسك في كل حاجة تقبل إنها تتحرق، والله أعلم الدور جاي على مين.
قرَّب من المكتب بخطوات بطيئة، فنجان القهوة وكوبّاية المَيَّه اللي شايلهم فوق الصينية كانوا بيتهزُّوا، وده نتيجة جسمه اللي ارتعش وإيده اللي ارتجفت، لكنه قدر يوصل للمكتب ويحط فنجان القهوة والمَيَّه، بعدها أخد الصينية وعطاني ضهره وراح ناحية الباب، استغربت لأنه معلَّقش على كلامي، بَس قبل ما يخرج من الباب قال لي:
-ركِّز مع العنبر صِفر يا دكتور آدم!
ما نطقش بأكتر من كِدَه وسابني وخرج وقفل الباب وراه، وقفت متخشِّب في مكاني، ولقيتني بفتكر الأرقام المكتوبة على بيبان العنابِر، كنت متأكِّد إن مَفيش باب مكتوب عليه الرَّقم صِفر، فكَّرت لثواني إنه ممكن يكون في عنابر تانية غير دي، بَس لقيت شريط الذاكرة بيرجع بيَّا عند الباب اللي مفيش عليه رقم، لمبِة الشَّك نوَّرت جوَّايا، ولأنّي عارف كويس إن الصِّفر والعَدَم واحد، قُلت: أكيد دَه باب العنبر اللي عم عبده بيقول عليه، خصوصًا وإن مَفيش عليه أي أرقام.
خرجت من المكتب ومشيت ناحية البوابة الحديد، خبَّطت بشويش عليها وقُلت:
-افتح يا عم شلبي.
رفعت وشّي ناحية الطاقة اللي اتفتحت، بَص منها عشان يشوف مين اللي بيتكلّم معاه، ولمَّا شافني فتح البوابة وقال لي:
-تحت أمرك يا دكتور.
-الأمر لله يا عم شلبي، كنت عاوز بَس أمُر على العنابر، عايز أتعرَّف أكتر على الوضع الطبّي للنزلاء.
-طبعًا يا دكتور اتفضل.
دخلت وقفل البوابة ورايا ورجع قعد مكانه على الكرسي، كنت قاصِد إني ماروحش على الباب إيَّاه مرَّة واحدة، وده عشان ما ألفِتش الانتباه لحاجة، خصوصًا إن عم عبده كان بيتكلّم بحذر شديد وهوَّ بيبلغني، حتى مسابش فرصة أستفسر منُّه عن حاجة تانية.
قدَّام كل عنبر، كنت بطلب من العسكري اللي واقف يفتح لي الطاقة اللي في كل باب، بصِّيت منها على كل النُزلاء، كل واحد فيهم كان في سريره، مافيش حد منهم بيتحرَّك أو حتى واقف في مكانه، كلهم يا قاعدين يا نايمين، وفضلت على الحال دَه؛ لحد ما وصلت عند الباب اللي عاوزه، ولأن مكانش في عسكري قدَّام الباب، مدِّيت إيدي ناحية الطاقة عشان أفتحها بنفسي، وساعتها لقيت إيد بتتحط على كتفي، وسمعت صوت عم شلبي بيقول لي:
-هتعمل إيه يا دكتور؟
كل الشك اللي جوَّايا اتحوِّل ليقين، الباب دَه وراه سِر، أو على الأقل شيء مخيف الكل بيخاف منُّه، بصِّيت بهدوء ناحية عم شلبي اللي كان لسَّه ماسكني من كتفي وقُلت له:
-بتسأل ليه؟
-عشان العنبر دَه زي الحَبس الانفرادي، وفي تعليمات محدِّش يقرَّب منُّه غير للضرورة القصوى.
كان بيكلِّمني بنفس النبرة اللي اتكلِّم بيها عم عبده، نبرة الخوف بينهش كل حرف فيها، وعشان أختصر عليه كلام كتير قلت له:
-كل ده مش هيفرق معايا، النُزلاء كلهم واحد، سواء في عنبر جماعي أو في حَبس انفرادي، أنا دكتور ودول مَرضى، حتى لو مرضهم خلاهم يرتكبوا جرايم جابتهم لحد هِنا، في الأول والآخر دوري أعالجهم بغض النظر عن أي حاجة تانية.
قبضة إيده ارتخت من على كتفي، بَص لي من غير ما ينطق، بس من ملامحه عرفت إنه اقتنع بكلامي، في اللحظة دي بدأت أوّل خطوة ناحية باب العنبر صِفر، وقفت قدامه وأنا مبحلق في الباب، حسِّيت برهبة غريبة، وفكَّرت مليون مرَّة: إيه الشيء المختلف في العنبر دَه؟ برغم إن البيبان كلها واحدة، الفرق الوحيد إن الباب مفيش عليه رقم..
مدِّيت إيدي ناحية الطاقة، سحبتها بشويش وأنا مثبِّت عيني على الفراغ اللي بدأ يظهر في جسم الباب، واستغربت إن الفراغ عبارة عن بُقعة ضلمة بتزيد كا ما الطاقة اتفتحت أكتر، ساعتها اكتشفت إن النور مَطفي والعنبر ضلمة، ولمَّا الطاقة اتفتحت على الآخر، لمحت بُقعتين باللون الأحمر، زي ما يكونوا لَمبتين حُمر صغيَّرين، كانوا ظاهرين على مسافة بعيدة من الباب، أوِّل ما عيني جَت عليهم حسِّيت إن حجمهم زاد شوية، بعدها بدأوا يتحرَّكوا لفوق ويطلعوا لمسافة أعلى عن الأرض..
ريقي كان زي الحَطب وأنا بدوَّر عليه عشان أبلعه، ولمَّا حسيت بقبضة إيد فوق كتفي من تاني جسمي اتهَز، وسمعت صوت عم شلبي بيقول لي:
-لا مؤآخذة يا دكتور، العنبر دَه النور بتاعه بيتفتح من برَّه.

بمجرَّد ما خلَّص كلامه؛ مَد إيده ناحية باب العنبر، بالتحديد ناحية النُّص اليمين في الباب، ولمَّا ركزت معاه؛ لقيته بيضغط على مفتاح نور، واللي خلَّاني ما أنتبهش لوجوده إن المفتاح نفسه مدهون بنفس لون الباب.. الشَّك زاد جوَّايا أكتر من الأول: ليه مفتاح النور من برَّه ومدهون بنفس لون الباب عشان ما يكونش لافت للانتباه؟!
تجاهلت إجابة السؤال مؤقتًا لمَّا لمبة العنبر نوَّرت، رجعت بصّيت تاني من الطاقة، عيني وقعت على شَبح، بَس مُش شبح بالصورة اللي الناس تعرفها؛ لأ. دَه كان كَهل عجوز؛ قامته طويلة؛ جِسمه نَحيل؛ عَضم كِتافه بارز؛ عينيه كأنهم ثُقبين ضيَّقين؛ شَعره أبيض ودقنه طويلة، والهدوم اللي عليه كانت أوسع من كُتلة جِسمه بمراحل..
مَعرفش فات وقت قد إيه وأنا مبحلق فيه، وهوَّ كمان مبحلق فيَّا، لكن في الوقت ده؛ لاحظت إن عينيه في نفس الارتفاع اللي البُقعتين الحُمر وصلوا عنده في الضلمة، دَه غير إني لمحت وراه سرير، تخيَّلته وهوَّ قاعد، وبعمليّة حسابية سريعة قدرت أوصل لمستوى عينيه لو قعد فوق السرير، ولقيتني بوصل لنفس النقطة اللي برضه البُقعتين الحُمر ظهروا عندها أوِّل ما فَتحت الطَّاقة، وده مكانش له غير تفسير واحد: وهوَّ إن اللون الأحمر كان خارج من عينيه في الضلمة، لأن حَسَب السيناريو اللي اترسم في خيالي؛ إن حركة النور الأحمر متطابقة تمامًا مع حركة عينيه، وفي اللحظة دي الرؤية بدأت تشوّش قدَّامي، وساعتها بدأت أشوف نَفسي وأنا بنتحر في سرير من سرير العنابر، وبنفس الطريقة اللي أغلب النزلاء انتحروا بيها.
غمَّضت عيني وفتحتها من تاني، بصِّيت ناحية عم شلبي اللي كان لسَّه واقف جنبي وقلت له:
-مين دَه؟
بنبرة مهزوزة جاوبني بعد تردُّد:
-دَه سِباخ.
الاسم خلَّاني أتهَز، ولأنّي حبِّيت أعرف أكتر قلت له:
-اسمه ما يفرقش معايا في حاجة، أنا عاوز أعرف ليه محبوس في العنبر الضلمة ده!
قبل ما يرُد على كلامي، مَد إيده قفل الطَّاقة اللي في الباب؛ بعدها قفل نور العنبر وقال لي:
-سِباخ ده تُرَبي، بَس كان شغَّال شِمال، بيبيع عَضم الميِّتين ويدفن أعمال في جوفهم، دَه غير إنه كان بينبش القبور وبيسرق الجثث، وفضِل على الحال ده لحد ما اتقبض عليه، ولمَّا حاكموه اكتشفوا إنه مجنون وعقله سارح، عشان كِدَه جابوه في المصحَّة هِنا.
-كلامك معناه إنه مريض نفسي، المرض اللي عنده خلَّاه يرتكب جرايم، يعني مَفيش فرق بينه وبين أي نزيل تاني، ليه بقى محطوط في العنبر ده؟
-أنتوا بتعاملوه على اعتبار إنه مريض بَس الحقيقة عكس كِدَه، دَه ملبوس يا دكتور!
كلام عم شلبي ودَّى الحكاية في ناحية تانية خالص، خرجنا من دايرة الطب لعالم القبور والأموات والضلمة، وبدل ما كنت هتعامل مع مريض نَفسي؛ لقيتني هتعامل مع شَخص ملبوس، عشان كِدَه قفلت باب الكلام عن الشَّخص ده مؤقتًا ورجعت على المكتب..
دماغي لفَّت بيَّا كتير وأنا بحاول أفهم الحكاية، وبعد وقت طويل؛ لقيت باب المكتب بيتفتح، ولقيت أمجد داخل، أوِّل ما شافني قال لي:
-ماقدرتش أطوِّل أكتر من كده، مخلَّصنيش أسيبك لوحدك في أوّل يوم ليك في المصحَّة.
-كلَّك ذوق والله.
-شكلك مُرهق، تحِب تروَّح؟
-بالعكس، أنا حاسس إني عاوز أحِل لُغز اللي بيحصل هنا في أسرع وقت.
لمَّا قلت كِدَه ضحك على كلامي وقال لي:
-أنت ناوي تسكن في المصحَّة ولا إيه؟
-في كُل الأحوال أنا جاي هنا عشان أساعدك ونحِل اللغز سوا.
قلت كِدَه وبعدها وقفت كلامي لثواني وقلت...
-بصراحة، أنا حاسس إن اللي بيحصل وراه حاجة غير منطقية، أو خليني أتكلّم معاك بصراحة، في حاجة بتحصل برَّه دايرة المنطق، نظريات الطب مش عارفة تتعامل معاها أو تفسَّرها.
بَص لي باستغراب وقال لي:
-قصدك إيه؟
اتكلِّمت من غير ما أجيب سيرة عم عبده وعم شلبي وقلت له:
-أنا خرجت أشوف العنابر، ولفت نظري العنبر اللي بابه مفيش عليه رقم، ولمَّا فَتحت الطَّاقة اللي في الباب لقيته ضلمة، ساعتها لمحت جوز عيون حُمر، ولمَّا عرفت مكان مفتاح النور وفتحته؛ لقيت شَخص عجوز منظره بائس، وده معناه إن النور الأحمر كان خارج من عينيه.
ابتسامته كانت ستارة بيداري وراها سخريته من كلامي، وبعد ثواني من الصمت قال لي:
-إيه اللي بتقوله دَه يا دكتور آدم، أنت وجودك لوحدك هِنا أثَّر عليك ولا إيه؟
الكلام اللي سمعته من عم شلبي وعم عبده خلَّاني أتأكِّد إني على حق، عشان كِدَه جاوبته بقلب جامد وقلت له:
-أنا في كامل وعيي يا أمجد، واسمح لي نشيل الألقاب بما إننا بقينا زمايل، وبعدين أنا شُفت بعيني تجارب لمَّا كنت بدرس في أمريكا، حالات نفسية كتير كان وراها كيانات غامضة من عوالم تانية، ولمَّا اتعالجت بطُرق تانية غير اللي موجودة في بروتوكولات الطب المرض النفسي اللي عندها اختفى، ورجعت أحسن من الأول.
-تقصد إيه بالطُرق التانية؟
-الطقوس يا دكتور أمجد، كل كيان له طقوس معيَّنة بتخلّيه يحضر، وطقوس بتخلّيه ينصرف، وبين طقوس التحضير والصرف؛ طقوس تانية بتخلّيك تتحكّم فيه، ولو ماكنتش متمكِّن من الطقوس دي الكيان ده هيتلاعب بيك بكل سهولة، يقدر يخلّيك تأذي نفسك، أو تنتحر، أو حتى تقتل غيرك، يعني يقدر يحوِّلك من مجرَّد قاتل عادي؛ لقاتل بينتعش لمَّا يشِم ريحة الموت ويشوف الدَّم قدَّامه، ويخلّيك قاتل متسلسل بكل سهولة.
ابتسامة السخرية اللي على وشُّه فضلت مكمِّلة بعد ما خلَّصت كلامي، وحتى لما نطق وقال لي:
-مع احترامي لِك يا آدم، كل ده كلام مش مقنع، يعني لا نقدر نقوله ولا نكتبه في تقارير، لأن ساعتها بدل ما نبقى قاعدين في المكتب ده؛ هنكون قاعدين معاهم في العنابر.
-أنا فاهم وجهة نظرك يا أمجد، وصدَّقني مقدَّر تمامًا موقفك، بَس أنا شُفت بعيني لمَّا فَتحت طاقة الباب، دَه غير إني شُفت نفسي بنتحر في سرير من سراير العنابر!
-الحالة دي اتعاملت معاها كتير قبل كِدَه، ومعلش يعني، ما لاحظتش أي حاجة من اللي بتقول عليها.
-جرَّبت تبُص جوَّه العنبر في الضلمة؟
-بصراحة مجرَّبتش، دايمًا بفتح نور العنبر قبل ما الطَّاقة أو الباب نفسه يتفتحوا.
-طيِّب مسألتش نفسك ليه العنبر ضلمة ومفتاح النور من برَّه دونًا عن كل العنابر؟ دَه غير إن الباب مفيش عليه رقم أصلًا!
-جايز في مشكلة في الكهربا بتاعة العنبر واضطرَّوا يعملوا المفتاح من برَّه، وجايز يكون العنبر نفسه اتجهّز بعد باقي العنابر عشان كِدَه مفيش عليه رقم.
حسِّيت إن الوقت بيضيع في الجِدال، وقبل ما أدخل في جِدال معاه سمعنا صرخة جاية من ناحية العنابر، بمجرَّد ما سمعناها أمجد خرج يجري، ومن غير ما أحِس بنفسي خرجت أجري وراه، وبمجرَّد ما خرجنا في الطُرقة لقيت عم شلبي بيفتح بوابة العنابر وجاي بيجري ناحيتنا، وساعتها بَص لأمجد وقال له:
-الحق يا دكتور، حد من النُزلاء صرخ في عنبر خمسة!
طلعنا نجري على العنبر، ولمَّا وصلنا انتظرنا لحد ما عم شلبي فتح الباب، بعدها وقفنا مذهولين، لأننا لقينا نَزيل حاطط رقبته بين عِمدان شباك السرير الخلفي وقالب جسمه برَّه السرير على الأرض، والحركة دي كانت كفيلة إنها تكسر رقبته وتنهي حياته.
بحلقت في وِش باقي النُزلاء، كانوا بيبصّوا على الجثة والخوف طالع من عينيهم، مشيت ناحية أقرب نزيل فيهم وقلت له بصوت واطي:
-ليه سيبتوه يموِّت نفسه؟
جاوبني من غير ما يرفع عينه من على الجثة وقال لي:
-محدِّش يقدر يعمل له حاجة، من كام ليلة وهوَّ بيدخل هنا، بيقول لنا القمر قرَّب يكتمل، وعشان يرجع يكتمل من تاني لازم واحد يموت، والليلة دي القَمر فيها كامل.
بصِّيت من الشباك ناحية السما، القمر كان مكتمل فعلًا، ساعتها بصِّيت للنزيل من تاني وسألته:
-بتتكلِّم عن مين؟
بَص لي بخوف شويَّة وقال لي:
-سِباخ!
مشي ناحية سريره ومانطقش بكلمة تانية، وساعتها خرجت من ذهولي على صوت أمجد اللي كان بيتكلِّم في التليفون، وبيبلَّغ عن حالة انتحار جديدة، وبعد ما الشرطة دخلت العنابر والإسعاف وصل وشال الجثة والتحقيق اتقفل على إنها حالة انتحار، قعدت في المكتب وأنا حاسس إن مُخّي بيلِف في مدار أوسع من قدرته على التفكير، واتفاجئت بأمجد اللي ماكنتش حاسس بوجوده في المكتب بيقول لي:
-كنت بتتكلّم مع النزيل في إيه يا آدم؟
حكيت له عن اللي حصل، وساعتها رد عليّا وقال لي:
-هتصدَّق كلام مريض نفسي برضه؟
ومن غير تردُّد ردّيت على كلامه وقلت له:
-لو كلامه غلط كان زمان اللي اسمه سِباخ ده موجود ما بينهم مش في عنبر غامض لوحده!
توقَّعت إنه يهاجمني، لكن لقيته فجأة بيكلّمني بنبرة استسلام وبيقول لي:
-من وقت ما جيت هِنا والعنبر ده بالنسبالي مجرَّد نقطة ضلمة، كل معلوماتي عنُّه إن المريض اللي فيه اسمه رياض، وأعرف كمان إنه حالة خطرة، عشان كِدَه معزول لوحده.
لمَّا لقيت اختلاف في الأسماء سألته:
-فين الملف بتاعه؟
-الملف موجود لو تحِب تشوفه.
بعد ما أمجد بَعت جاب الملف، قعدت على المكتب وبدأت أقرأه، النزيل فعلًا اسمه رياض، المهنة: تُربي، اسم الشهرة: سِباخ، والجرايم اللي عملها كانت مطابقة مع اللي قاله عم شلبي.
لقيت نفسي برجع لتاريخ دخوله المصحَّة، وبعد ما اتأكِّدت منُّه، رجعت لملفات النزلاء اللي انتحروا، ولاحظت إن حالات الانتحار كلها بدأت من بعد ما دَخَل، دَه غير إن التواريخ كانت مكتوبة بالشهور الميلادية والعربية، عشان كِدَه قدرت ألاحظ إن حالات الانتحار بتحصل كل ليلة اكتمال القَمر في الشهر العربي، وكمان الفرق بين كل حالة والتانية سنة كاملة، حتى حالة الانتحار الأخيرة كانت في نفس التوقيت، وغالبًا قرار انتدابي كان بسبب إن التوقيت قرَّب، أكيد كانوا عاملين حساب إن ده هيحصل، برغم إنهم ميعرفوش السبب اللي بيخلّيه يتكرَّر.
رجعت بالذاكرة لكلام المريض، ولقيته مطابق مع الاستنتاج اللي قدرت أوصل له من الملفات، ساعتها رفعت عيني ناحية أمجد وشرحت له الاستنتاج اللي وصلت له، وبعد ما وضَّحت له الصورة قلت له:
-إزاي مفيش حد لاحظ كل ده؟
خرج من حالة الذهول اللي كان فيها وقال لي:
-جايز لأن مفيش حد بَص للموضوع من وجهة النظر دي، أنا واللي قبلي كنا بنتعامل حسب نظريات الطب والبروتوكولات.
كلامه حدِّد لي بداية الطريق اللي هنمشي فيه، عشان كِدَه كمِّلت عليه وقلت له:
-أنت صَح، لازم نرجع للدكتور اللي كان قبلك هِنا ونعرف منُّه حكاية رياض، أو سِباخ زي ما اسم الشهرة بتاعه بيقول.
رجع بالذاكرة لكام سنة ورا وبعدها قال لي:
-الدكتور اللي قبلي اسمه سعيد منصور، وبعد ما ساب المصحَّة فتح عيادة خاصة بيشتغل فيها، ومن أيام ما كنت بشتغل معاه لمَّا سلِّمني الشغل ساب لي العنوان.
خلَّص كلامه وطلَّع من درج المكتب أجندة، كان كاتب فيها يوميات وعناوين أصدقاء قديمة وأرقام تليفوناتهم، وفي صفحة فاضية؛ كان مكتوب اسم الدكتور سعيد ورقم تليفونه وعنوان العيادة، ولأن أمجد كان لسَّه واصل ومايقدرش يخرج، خرجت أنا وطلعت على العنوان، ولمَّا وصلت قابلته وعرَّفته بنفسي، ولمَّا فتحت معاه الموضوع، عرفت منُّه إنُّ سِباخ غير كل المرضى النفسيين، لأنه من التعامل معاه حَس إنه بيتعامل مع كيان غير بشري، وعرفت كمان إنه لمَّا كان بيدخل عليه في الضلمة كان بيشوف عينيه منوَّرة أحمر، ده غير إنه كان بيشوف نفسه بينتحر كل ما يبُص في عينيه، ودايمًا كانت بتحصل له حالة هياج كل ما النور يتفتح عليه فترة طويلة، عشان كِدَه عمل توصية إنه يتعزل في عنبر فردي، وإن مفتاح نوره يكون من برَّه، وسمّاه العنبر صِفر عشان الباب بتاعه مكانش عليه رقم، وبعد ما حصل أول حالتين انتحار، لاحظ إنهم حصلوا في ليلة اكتمال القمر بفرق سنة بالظبط، ولأنه بعيدًا عن الطِب، قارئ وفاهم إن الكيانات دي أقصى أوقات نشاطها ليلة اكتمال القَمر، فكان عنده شَك من ناحية سِباخ، وإن في كيان مسيطر عليه، وواخد سِباخ مجرَّد وعاء، وعن طريقه بيدفع النُزلاء للانتحار وبيتغذّى على موتهم، خصوصًا وإن سِباخ كان تُربي اتعوّد يعتدي على حرمة الموت، ومش بعيد يكون اتعرَّض للعنة بسبب اللي بيعمله، وكانت سبب في إنه يبقى نزيل في مصحَّة نفسية جنائية، بالتحديد في العنبر صِفر، لكنه مقدرش يكتب ده في تقارير طبّية، عشان كِدَه ساب المصحَّة وفتح عيادة خاصّة، ومن وقتها وسِباخ موجود في العنبر، والكل بيتعامل معاه بحذر، ومحدّش يعرف سرُّه لأن الدكتور سعيد مكانش ينفع يتكلّم عن حاجة زي دي، وطبعًا كل ده كان بيأكِّد عليه اللي حصل من عم عبده وعم شلبي.
رجعت المصحَّة، وهناك حكيت لأمجد على اللي حصل، وساعتها سألني:
-شايف إيه الحل من وجهة نظرك؟
-شايف إنك تختار السلاح اللي يناسب عدوَّك، لازم حد يساعدنا نخلص من الكيان اللي مسيطر على سِباخ.
-تفتكر مين اللي يقدر يعمل ده؟
مالحقتش أفكَّر في إجابة سؤاله، لأن عم عبده دخل علينا المكتب فجأة وقفل الباب وراه وقال:
-أنا أعرف واحد يخلَّصكم من الشيطان اللي على سِباخ.
بصِّينا له من غير ما نتكلم وعرفنا إنه كان بيسمعنا، وساعتها استغل سكوتنا وقال:
-أنا وعم شلبي كنّا حاسِّين إن الحالة دي وراها شيطان، بَس مكانش ينفع نتكلم لأنها مسئولية، لكن طالما وصلتم للحقيقة يبقى هقول مين يقدر يساعدكم: الشيخ رزق، ياما طرد شياطين من بيوت، وياما عالج حالات مَس وسِحر.
ردِّيت على كلامه وقلت له:
-مكانه فين الشيخ رزق ده؟
كتب لي عنوانه في ورقة، وتاني يوم الصبح لمَّا خرجت من المصحَّة طلعت على العنوان، وهناك اتكلِّمت مع الشيخ وحكيت على كل حاجة بالتفصيل، بعدها فتحت تليفوني على صورة سِباخ اللي كنت مصوَّرها من الملف بتاعه، وبعد ما كشف على صورته قال لي:
-الصورة دي خارج من صاحبها ريحة الموت، ملامحه من ملامح القبور القديمة، ومسيطر عليه شيطان اسمه سَمُوم، بيدخل جسم البني آدم ويتغلغل فيه، وبعدها بيستولى عليه وبيستخدمه في الأذى، وأذاه من النوع الشديد؛ لأنه بيستخدم البني آدم اللي مسيطر عليه في القتل.
-معلش اعذرني يا شيخ لو هتقّل عليك في الأسئلة، إيه اللي يخلّي شيطان زي دَه يستولى على بني آدم؟
-الإنسان بيأذي نفسه بنفسه، وبمجرَّد ما بصّيت للشخص ده؛ شُفته بيفتح قبور وبينتهك حرمة الأموات، ودي لوحدها سبب كفاية إنها تكون سبب في لعنته، لكنّي شايفه دلوقت قاعد بين أربع حيطان، وعن نفسي مستعد أعالجه.
-فعلًا كلامك صح، الشَّخص ده محبوس في عنبر انفرادي جوَّه مصحَّة نفسية جنائية، مسجون يعني، عشان كِدَه للأسف مش هتقدر توصل عنده وتعالجه.
بَص لي بصَّة طويلة كأنه بيفكر، وبعدها قال لي:
-أنت تقدر تعمل الطقوس اللي عن طريقها هتخرَّج سَمُوم من جسمه، طبعًا بعد ما هخليك تحفظها كويّس.
كلامه رعبني، ردّيت عليه بسرعة وقلت له:
-أنا شُفت الكلام ده لمَّا كنت بدرس في أمريكا ومقتنع بيه، إنما أعمله بنفسي دي حاجة صعبة، اعذرني معلش.
بعد ما سِمع كلامي قال لي:
-مفكَّرتش ليه ربنا اختارك عشان تروح انتداب في المصحَّة وتشوف ده بعينك وتيجي لحد عندي؟ طيِّب مفكَّرتش في الناس اللي سَمُوم قتلها بدون ذنب، حتى لو كانوا أجرموا بس ده غصب عنهم، لأن مرضهم وصَّلهم لكده. سيبك من سِباخ لأنه لَعَن نفسه بنفسه ويستاهل، مفكَّرتش في اللي هيموتوا بعد كده؟ ليه تتأخَّر عن حاجة زي دي لمَّا ممكن تبقى سبب في إنك تنهي مأساة، أو توقَّف سلسلة من القتل الممنهج بيرتكبها كيان شيطاني، أنتوا شايفين إنهم بينتحروا، لكن الحقيقة إنهم بيتقتلوا.
فكَّرت في كلامه شويَّة، ولقيت عندي رغبة أقوم بدور المُخلِّص اللي هيخلَّص النزلاء من الشر اللي موجود بينهم من غير ما يحسّوا بيه، عشان كِدَه قلت له:
-عاوزني أعمل إيه؟
-عاوزك تشيل السلاح وتحارب الشيطان، طالما لقيت نفسك في الطريق ده، يبقى لازم تعرف إن دي مهمّتك.
-ويا ترى السلاح ده عبارة عن إيه؟
-أوّل سلاح عرفته البشرية كان الكلمة، وبما إن سِباخ نَبش تُراب القبور وتعدَّى على حرمة الموت واتلعن، يبق لازم تواجهه بتُراب طاهِر وبِكر، ماندفنش فيه جَسد قبل كِدَه، وهيكون مَقري عليه كلام، عشان كِدَه قلت لك أول سلاح هوَّ الكلمة. دَه غير إنك لازم تخلّيه يشوف حقيقة نفسه في مراية لونها أسود، المِراية دي مَقري عليها تعويذة هتخلّيه يكره ملامح سِباخ وجسمه اللي متجسِّد فيهم، وساعتها هايخرج.
-طيّب وأنا هعرف إزاي إنه خرج من جسم سِباخ؟
-سِباخ هايقع من طوله بمجرد ما الشيطان يخرج، ولمّا يحصل ده؛ لازم ترُش على جسمه من التُراب اللي معاك.
-معلش يعني، أنا هعمل كل ده بشكل عشوائي ولا في ترتيب معيَّن؟
-أوِّل حاجة هتعمل دايرة بالتراب حوالين سِباخ، عشان تقدر تسيطر عليه، وبعدها هتقف برَّه الدايرة وتسلَّط المراية ناحية وشُّه، ومش عاوزك ترضخ لأي كلام تسمعه، لأن سَموم هوَّ اللي هاينطق على لسانه، وأوِّل ما تحِس إنه هيبدأ يغضب، لازم تقرأ الورقة اللي هتاخدها منّي، وساعتها كل شيء هايخلص.
-إيه اللي هيكون مكتوب في الورقة دي؟
-تعويذة هاتجبر سَموم يخرج من جِسم سباخ ويروح لحال سبيله، وبعدها سلسلة القتل اللي بتحصل دي تنتهي.
-أقدر آخد الحاجة اللي بتقول عليها دي إمتى؟
-بُكره زي دلوقت كل شيء هيكون جاهز.
خرجت من عنده ورجعت المصحَّة، وهناك حكيت لأمجد على كل حاجة، والغريبة إنه ماعترضش على كلمة من اللي سمعها، وتاني يوم في الميعاد اللي الشيخ قال عليه، وصلت عنده وأخدت كيس أسود جوَّاه التراب اللي قال عليه، ومعاه مِراية في حجم كَف الإيد لونها أسود، ومع كل ده، عَطاني ورقة صغيَّرة مقفولة، وطلب منّي ما أفتحهاش غير في الوقت المناسب، لأن اللي فيها ماينفعش يتقرأ غير لمرَّة واحدة بَس، وقبل ما أوصل المصحَّة، حطّيت الكيس في شنطتي الشخصية عشان مفيش حد من الأمن يتكلّم، ولمَّا دخلت المكتب أمجد قال لي:
-أنت واثق في الشيخ اللي عم عبده قال عليه ده؟
بصيت ناحيته وجاوبت على سؤاله بسؤال وقلت له:
-عندك حل تاني؟
لمَّا معلَّقش على كلامي أخدت الكيس وخرجت، مشيت ناحية بوابة العنابر، ولمَّا خبَّطت وعم شلبي فتح لي وشاف الكيس الأسود غَمزت له، وساعتها عمل نفسه مش شايف حاجة، ده حتى مشي ورايا لحد ما وصلنا عند العنبر صِفر، فتح نور العنبر وفَتح لي الباب ودخلت، بعد قفلت الباب ورايا، بصّيت ناحية سِباخ اللي وقف أوّل ما شافني ومشي لحد نُص العنبر وبَحلق في الكيس اللي معايا، وساعتها ابتسم وقال لي:
-فاكر إن الحكاية هاتخلص بالسهولة دي يا آدم؟
حاولت أسيطر على خوفي، تجاهلت إني أبُص في عينيه، فَتحت الكيس ومسكت كَبشة تُراب وبدأت أرسم بالتراب دايرة على الأرض؛ لحد ما بقى محبوس جوَّاها، في اللحظة دي حسّيت إن صوته اتحوّل لزمجرة وطلع من عينيه نور أحمر، وساعتها نطق وقال:
-الشيخ ضِحك عليك، سَموم مستحيل ينهزم، ولو خرجت من جسم سِباخ هاخد روحه وأنا ماشي.
افتكرت كلام الشيخ لمَّا طلب منّي ماسمعش كلامه، عشان كِدَه طلَّعت المِراية وحطيتها قدَّام وشُّه، في اللحظة دي صَرخ ونور العنبر بدأ يقيد وينطفي، ومن وسط الصرخات سمعته بيقول لي:
-أنا أقدر أخليك تنتحر يا آدم، زي ما عملتها من كتير قبلك، وأكيد شُفت نفسك وأنت بتعمل دَه.
افتكرت لمَّا رؤيتي شوِّشت وشُفت نفسي بنتحر، لكن معرفش جبت الجرأة دي منين لمَّا ردّيت عليه وقلت له:
-أنت بتعمل دَه مرَّة في السنة، وخصوصًا ليلة اكتمال القَمر، ومش دي الليلة المناسبة اللي بتمارس فيها رغبتك في القتل. أنت شيطان ملعون يا سَموم، وآن الأوان ترجع للضلمة اللي أنت جاي منها.
بمجرَّد ما خلَّصت كلامي فتحت الورقة وبدأت أقرأ اللي فيها لأوّل مرَّة: "يا ساكن الظُلَم؛ يا نبَّاش الرميم؛ يا من خرقت العهد وسكنت الجسد بغير حق، انظر في المرآة وشاهِد قُبحَك المكتوم، وانعكاس روحك المسموم، اخرج من ضيق المسام إلى سِعة العدم، اخرج وعُد إلى طينة القبور التي منها أتيت".
بمجرَّد ما قرأت اللي في الورقة؛ حسّيت إن في وِش أسود بيحاول يخرج من وِش سِباخ، وفي نفس الوقت المراية اللي في إيدي بدأت تتهز لدرجة إنها وقعت في الأرض، بس الغريبة إنها ما انكسرتش، كل الحكاية إنها اتشقَّقت، والوِش الأسود اللي بيحاول يخرج من وِش سِباخ بدأ يتحوّل لسرسوب دخان، اتحرَّك ناحية المراية ودخل في الشقوق بتاعتها، ولمّا المراية بلعته بالكامل الشقوق اختفت، وكأنها حبسته جوَّاها، وساعتها سِباخ وقع في الأرض فاقد الوعي، وبدون ما أفكَّر كتير، تجاوزت الدايرة وأخدت كبشة تانية من كيس التُراب وبدأت أرُش على جسمه كلُّه، ولمَّا التُراب لمس جسمه اتنفض زي الفرخة المدبوحة، بعدها جسمه بقى زي الحبل الدايب، ومكانش فيه غير نفس داخل ونفس خارج.
لمَّا اطَّمنت إنه عايش قُمت من جنبه، بصّيت ناحية المراية لقيتها مكسورة، قُلت جايز دُست عليها وأنا بحاول أنقذ سِباخ من غير ما آخد بالي، عشان كِدَه لمّيتها مع التراب في الكيس وخرجت.
رجعت المكتب وحكيت لأمجد على كل حاجة، وساعتها طلب من الممرضين يحطوا سِباخ على سريره، واتفقنا إننا نبدأ نتابع حالته بعد اللي حصل، والغريبة إن بعدها بكام يوم سِباخ رجع لطبيعته، وبعد التقرير اللي انكتب عن حالته الصحية، إدارة المصحَّة قرَّرت إنه يخرج بعد ما الأحكام اللي عليه تخلص، إلا لو المرض النفسي رِجع له تاني، بَس اللي حصل كان غير كِدَه، لأن سِباخ مات بالسكتة القلبية بعدها بشهرين تقريبًا..
فضلت مكمِّل في المصحَّة فترة الانتداب بتاعتي، ولمَّا قرَّبت تنتهي، طلبت من دكتور شوقي يعمل لي تمديد للانتداب، كان كل هدفي إني أحضر ليلة اكتمال القَمر في السنة اللي بعدها وأنا جوَّه المصحَّة، عشان أتأكِّد إن الحكاية انتهت، وفعلًا، ليلة اكتمال القَمر فاتت ومفيش حاجة حصلت، ساعتها طلبت إنهاء فترة انتدابي، وكتبت تقرير أكِّدت فيه على استقرار حالة النزلاء وأنا مطَّمن إن مفيش حاجة تانية هتحصل، وطبعًا ماذكرتش فيه أي حاجة من اللي حصلت؛ لأن مكانش ينفع حاجة زي دي تتكتب أو تتقال شفهيًّا حتى..
وفي اليوم اللي مشيت فيه؛ ودَّعت الناس اللي قضّيت معاهم فترة طويلة، دكتور أمجد وعم عبده وعم شلبي وفريق التمريض، بعدها خرجت وركبت عربيتي واتحرَّكت، كُنت ببُص على صورة بوابة المصحَّة اللي معكوسة في مراية العربية، وهي بتبعد كل ما العربية اتحرَّكت لقدام، وفي الوقت ده، كنت بستعيد أحداث أغرب تجربة عيشتها في حياتي، وبالتفصيل المُمِل!
تمت...

آخر الموثقات
راجع يدك!

لجنة الإمتحان صارمة

ص: بين خطوتين

شخصٌ واحد

اصمت ايها الناقد

الطلقه التالته - ج1

أذرع النيل السبعة ( مذكرات كاهن) - الجزء الأول

لا لن أتذكرك ...!!

الشيخ (عبد الحليم) كما لم نعرفه من قبل

لماذا كرههم شاكر؟
الأكثر قراءة
الأحدث تأليفا
أحمد الخطيب و"كلم ربنا"

الهروب من الحياة إلى الحياة...

أَنْتَ الجَلّادُ الَّذِي أَحْبَبْتُهُ

حين يصبح القلب عدوًّا ناعماً

النقد شغف

على هامش الرحيل

‏هل مرَّ الحلمُ حقًَّا

حين نُفرِط في البحث عن الكمال… نخسر المعنى

النار مريعة

موعد خلف الغلاف
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1140
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب715
4الكاتبمدونة ياسر سلمي683
5الكاتبمدونة اشرف الكرم644
6الكاتبمدونة مريم توركان575
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني443
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين436
10الكاتبمدونة حاتم سلامة431

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب393833
2الكاتبمدونة نهلة حمودة258005
3الكاتبمدونة ياسر سلمي223630
4الكاتبمدونة زينب حمدي185219
5الكاتبمدونة اشرف الكرم164311
6الكاتبمدونة سمير حماد 131240
7الكاتبمدونة مني امين124405
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين123650
9الكاتبمدونة طلبة رضوان119865
10الكاتبمدونة فيروز القطلبي119066

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02