آخر الموثقات

  • راجع يدك!
  • لجنة الإمتحان صارمة
  • ص: بين خطوتين
  • شخصٌ واحد
  • اصمت ايها الناقد
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة محمد شحاتة
  5. كَفر المَنسي
⭐ 0 / 5

كنت دايس بنزين على قَد ما أقدر، صوت موتور العربيَّة النُّص نَقل كان طالع وكأنه صرخات، أما الطريق نفسه؛ فكان عبارة عن ثُقب أسود بالع نور الكشَّافات الكبير، وبرغم كِدَه فضلت مكمِّل، لأن الأستاذ فريد؛ مديري في الشُّغل قال لي: "الطَّرد ده متأخَّر وصاحبه مقدِّم شكوى ولازم يوصل، ولو موصلش النهار ده يا مُحسن؛ اعتبر نَفسك مستقيل من الشغل!".. عشان كِدَه ماكنتش أقدر أأجِّل المشوار دَه لتاني يوم الصُّبح؛ فاستلمت الطَّرد وحطيته في صندوق العربيَّة، بعدها حطيت بوليصة الشحن على الكرسي اللي جنبي، ومسكت تليفوني وفتحت تطبيق "GPS" وكتبت العنوان اللي في البوليصة: كَفر المنسي، وبالمناسبة، دي كانت أوِّل مرَّة أعرف إن في بَلد موجودة على الخريطة بالاسم دَه، ولمَّا ظَهَر لي اللوكيشن بتاعها، اكتشفت إن الطريق طويل وهياخد وقت أطول من اللي كنت عامل حسابي عليه، بَس كلام المدير اللي كان بنبرة تهديد ليَّا خلَّاني أتجاوز كل العقبات دي..

حطِّيت التليفون على الاستاند واتحرَّكت، ماحسِّيتش بنفسي غير لمَّا الساعة بَقِت عَشَرة بالليل، ساعتها الصوت الآلي اللي خَرَج من تطبيق "GPS" قَطَع السكون: "بَعدَ مائةِ مترٍ، انحدِر يمينًا.. طريق غير مُمهَّد".
نزلت من على الطريق عند أوِّل نازلة على اليمين، العربيَّة بدأت تتهَز لأن الأرض فعلًا غير مُمهَّدَة زي ما التطبيق قال، وقتها قُلت في بالي: "يادي المَرار الطَّافِح، الطرد لازم يوصل والسِّكَّة مُش سالكة!".
الطريق كان ضيَّق وأشجار الكافور مرصوصة على الجَنبين، وكنت بدعي ربنا إن مَفيش عربية تكون مقابلاني، دَه في حد ذاته هيعطَّلني أكتر. فضلت مكمِّل وأنا حاطط إيدي على قلبي، لأن الطرد لو موصلش النهار ده هدخل في مشكلة مع مديري أخرتها معروفة، وفجأة حصلت حاجة ماكنتش عامل حسابها، سمعت صوت فرقعة، بعدها العربية اتهزَّت أكتر وهيَّ ماشية، والسبب كنت عارفه من غير ما أنزل أشوف إيه اللي حصل، وكنت على يقين إن فردة من كاوتش العربيَّة فرقعت!
وقفت بالعربيَّة لأن مكانش ينفع أكمِّل وفردة الكاوتش مفرَّقعة، فَتحت الباب ونزلت وأنا بَندِب حظِّي وبقول لنفسي: مُش وقتك خالص!
بعد ما بصِّيت على فردة الكاوتش، مكانش قدَّامي غير إنِّي أغيَّرها، بَس الحكاية مُش هَتخلص في دقايق، دي فردة عربيَّة نُص نقل ومش بعيد أقعد جنبها الليل كلُّه، عشان كِدَه حبِّيت أأمِّن نفسي، رجعت جبت التليفون وبعت رسالة صوتيَّة للمدير، بلَّغته باللي حصل معايا، وعشان أثبت كلامي أخدت صورة للكاوتش وبعتّها مع الرسالة، لكن الخازوق الكبير إن الرسالة فضلت تحمِّل من غير ما تتبعت، واكتشفت إن الشبكة ضعيفة ومَفيش نِت!
قرَّرت أتعامل مع الموقف عشان أكسب وقت، طلَّعت الكوريك عشان أرفع العربيَّة وأفِك الكاوتش، وكنت على أمل إن ألاقي حَد معدِّي في الطريق أطلب منُّه يساعدني، بَس الدنيا كانت هادية من حواليَّا، حتى صوت صُرصار الحقل مكانش موجود..
وقبل ما أبدأ أعمل أي حاجة، سمعت صوت خَرفَشة، الصوت كان جاي من ورا الشَّجر اللي على جَنب الطريق، بلعت ريقي وأنا ببُص ناحية الصوت، كنت خايف يطلع ديب أو كلب مسعور، فضلت مراقب المكان حواليَّا من غير ما ألمح حاجة، وبرغم كِدَه صوت الخَرفَشة كان مُستمر، ومكانش قدَّامي غير إني أقول بصوت عالي: "في حَد هِنا؟".
صوتي فِضِل يتردِّد؛ وكأن الأشجار كانت عبارة عن جبال بتعمل صدى لكلامي، بَس بعد سؤالي بدأت أسمع صوت خطوات بطيئة، ولمَّا بصِّيت ناحيتها؛ شُفت واحد جاي من بعيد، كان لابِس جلَّابيَّة غامقة، وفوق راسه عِمَّة لونها أبيض، ومن شِدِّة بياضها كانت ظاهرة في الضلمة وكأنّها منوَّرة، حسِّيت براحة لمَّا لقيت حد ماشي في الطريق المقطوع دَه، عشان كِدَه مشيت ناحيته وأنا بقول له:
-لو سمحت يا حاج.
ما رَفعش راسه ناحيتي، كل اللي عَمَله إنه شاور لي بإيده، وكأنُّه بيقول لي: تعالى؛ فَمشيت ناحيته ولمَّا وصلت عنده قُلت له:
-مساء الخير يا حاج.
ساعتها بَس رَفع وشُّه ناحيتي، ملامحه كانت هادية بشكل غير طبيعي، وبعد ما بَص لي رَد عليَّا وقال لي:
-مساء النور يا إبني.
نبرة صوته خلَّتني أحِس براحة، ساعتها قُلت له:
-حضرتك من المَنطقة؟
-أيوه، يلزم أيِّ خِدمة؟
-أنا مندوب توصيل في شركة شَحن، ومعايا طَرد لازم يوصل ضروري، مشيت على الـ "GPS" ودخلت الطريق دَه، بَس للأسف فَردة الكاوتش نامِت منّي ومش قادر أكمِّل، وهتاخد وقت لحد ما أغيَّرها، ماتعرَفش أي حد بتاع كاوتش يِسعفني عشان ألحَق أوصَّل الطَّرد؟
-أنت رايح فين بالظبط يا إبني؟
-رايح كفر المَنسي.
-في طريقي يعني.
-أنت من هناك يا حاج؟
-أيوه أنا من الكَفر، والمسافة مش بعيدة، يادوب عند نهاية الشَّجر، بَس أنت ما قُلتش، رايح عند مين هناك؟
-صاحب الطَّرد اللي في بوليصة الشحن اسمه عِتمان.
-الشيخ عتمان!
-أنت تعرفه يا حاج؟
-إلا أعرفه، دَه صاحبي وحبيبي، وبيته عند مَصرَف الكَفر، اعتبر نفسك وصلت، هات الطَّرد وهناخدها مَشي طالما مستعجل، وبعد ما توصَّل طردَك تبقى تشوف حكاية فردة الكاوتش اللي نامت دي.
كلامه بالنسبالي كان أنسب حَل، أصل قُلت أخلص من الأمانة اللي في رقبتي وبعدها أشوف العربية، حتّى لو هبات جنبها للصُّبح، عشان كِدَه رجعت أخدت الطَّرد، بعدها قفلت العربية واتأكِّدت إني قفلتها كويِّس؛ لأني سايبها في طريق مقطوع، والله أعلم إيه اللي ممكن يحصل فيها..
لمَّا مشيت بالطرد ناحيته، كُنت ببُص ورايا ناحية العربيَّة، ولمَّا لقاني خايف عليها قال لي:
-كَفر المَنسي أمان يا إبني، ما تقلقش على العربية.
الطَّرد كان تقيل؛ ومعرفش دَه حصل إزاي، لأني وقت ما استلمته كان وزنه عادي، بَس قلت جايز ما أخدتش بالي بسبب تفكيري في كلام المدير، عشان كِدَه رفعته على كتفي ومشيت جَنبه، وبعد ما بدأنا طريقنا بكام خطوة سألته:
-لا مؤاخذة يا حاج ما اتعرَّفناش.
-أنا الحاج مُختار، من كَفر المنسي.
-تشرَّفنا يا حاج، وأنا مُحسن، بَس ما تآخذنيش يعني، أنت إزاي راجع من الطريق دَه في وقت متأخَّر كِدَه؟
ابتسم على كلامي وقال لي:
-أومَّال عاوزني أرجع منين، الكَفر مالوش طريق تاني.. يلَّا لو كنت عاوز تلحق ميعادك وتوصَّل الطَّرد.
كلمة ميعادي فكَّرتني بكلام المدير معايا؛ فاضطرِّيت أمشي وأنا ساكِت، الوقت فات والطريق مكانش بيخلص، حسِّيت إني نازل في بير، مع كل خطوة الطريق كان بيبقى ضلمة أكتر، وحِمل الطَّرد كان بيتقَل فوق كِتفي، وكأن وزنه بيتضاعف مع كل خطوة بمشيها، ولمَّا حسِّيت إني جبت أخري قُلت له:
-قرَّبنا نوصل كَفر المَنسي يا حاج مختار؟
رَد عليَّا بنبرة هادية ومن غير ما يبُص ناحيتي:
-هانت، كلها كام خطوة والشَّجر يخلص ونوصل.
بصراحة، ماكنتش قادر أتخيَّل إننا هنوصل بعد الكام خطوة اللي بيقول عليهم، لأن الطريق قدّامي كان عبارة عن كتلة سودة، ومَفيش أي دليل على إننا قرَّبنا نوصل، يعني لا لمبة عَمود ولا شبّاك بيت منوَّر من بعيد، ومش هكدِب على نفسي وعليكم، كُنت مضطَر أمشي وراه، ومع الوقت، بدأت أشِم ريحة غريبة، الريحة كانت أقرب لريحة التُراب المَبلول، وبرغم إن الريحة دي كانت جاية من ناحية الحاج مختار، لكن قلت جايز تكون الأرض تَحت رجلينا مبلولة والضلمة مش مخلِّيَّاني شايف حاجة، بَس الريحة بدأت تتبدِّل، وحسِّيت بأنفاسي بتضيق، ودَه بسبب إني بدأت أتنفِّس ريحة مِكَمكِمَة، كل نَفَس منها كان بيخنقني، لحد ما وصلت للحظة قُلت له فيها:
-لسَّه قد إيه ونوصَل يا حاج؟
انتظرته يرُد عليَّا بَس دَه ماحصَلش، سكوته خلَّى الفار يلعب في عِبّي، وساعتها بصِّيت ناحيته، عشان أتفاجأ إني ماشي لوحدي، الحاج مختار مكانش موجود، مَعرفش إن كان اختفى ولا اتبخَّر ولا راح فين، وفي اللحظة دي بدأت أسمع من تاني صوت الخَرفَشة، كان جاي من ناحية الشَّجر زي المرَّة اللي فاتت، حسِّيت بطعم الصبَّار في حَلقي لمَّا بلعت ريقي من الخوف، ولقيت رجليَّا أضعف من إنها تشيلني وتكمِّل بيَّا لنهاية الطريق، والإحساس دَه خلَّاني أتمَسمَر في مكاني وأنا مركِّز مع صوت الخَرفَشة، وزي ما يكون الشريط بيتعاد من بدايته، لمحت الحاج مختار جاي ناحيتي من تاني، بَس المرَّة دي كان جاي من مسافة أقصَر، أوِّل ما شُفته قدَّامي أخدت نَفس عميق وقُلت له:
-أنت رُحت فين يا حاج؟
ابتسم لي ابتسامة هادية وقال لي:
-ما تآخذنيش يا إبني، كُنت بلبِّي نداء الطبيعة، أنت عارف بقى حُكم السِّن الكبير والجَو بَرد.
وأنا بسمعه، افتكرت إني بصِّيت حوالين منّي كويِّس ومالقتش لُه وجود، ساعتها فضولي خلَّاني أقول له:
-بَس أنا دوَّرت عليك وماكنتش موجود يا حاج!
-يعني اللي هيعمل كِدَه هَيُقف في وسط الشارع! أكيد هيتدارى ورا شَجرة.
قصَّرت معاه في الكلام وردِّيت عليه وقُلت له:
-شُفيتُم يا حاج، أظن بقى نكمِّل عشان أخلص من الطَّرد ده وأرجع بقى.
كمِّل في طريقه من غير ما يرُد عليَّا، وبعد شويَّة حسِّيت إني مشيت عدد لا نهائي من الخطوات، الشَّجر مكانش بيخلص ولا الطريق، وكأنه بيتمَط تحتنا، أو كأن إحنا اللي كُنّا بنمارس رياضة المَشي في المكان، حسِّيت إن الزمن وقف وعقارب الساعات اللي في العالم أضربِت عن الحركة، حتى حِمل الطَّرد اللي فوق كِتفي كان لسَّه بيزيد، وبصراحة؛ ماكنتش عارف إيه علاقة دَه باللي بيحصل معايا، ولأن لكل بني آدم طاقة؛ فأنا طاقتي خِلِصت ووصلت لآخري وقُلت له:
-بُص يا حاج، كتَّر خيرك وكل حاجة إنك بتساعدني، وعاوز توصَّلني لحد بيت عتمان صاحب الطرد، بَس ما تآخذنيش، في حاجة غريب بتحصل، الطريق مش بيخلص ولا حتى ملامح كفر المَنسي بتظهر من بعيد، من الآخر، أنا حاسس إننا واقفين في نفس المكان مش بنتحرَّك.
-أنا ماكنتش عاوز أحبطك من البداية، ولا حبِّيت أقول لَك إن الطريق طويل، وإن الكَفر ورا المصرف، وعشان ندخله لازم الشَّجَر دَه يخلص ونعدِّي من فوق كوبري يدخَّلنا الكفر.
-والشَّجر دَه هيخلص إمتى طيب؟
-مش هكدب عليك، السِّكَّة لسَّه طويلة، بَس في حَل تاني لو مستعجل.
-لمَّا في حل تاني ساكت ليه يا حاج، قول ربنا يكرمك.
-المصرف في ضَهر الشَّجر اللي على جَنب الطريق، وفي معدِّيَّة خشب صغيَّرة، الناس بتختصر الطريق وتدخل الكَفر من عليها، لو تقدر تعدِّيها معَنديش مانع آخدك ونروح منها.
ما صدَّقت إنه عرض عليَّا باب خروج من المتاهة اللي حسِّيت إني دخلتها، عشان كِدَه قلت له:
-وساكت ليه يا حاج من ساعتها، دَه الفَجر قرَّب وكنت فاقد الأمل إننا نوصل.
-إحنا فيها، والمعدِّيَّة بعد كام خطوة.
بعد كام خطوة فعلًا، بدأ يروح على جنب الطريق ناحية الشَّجر، ومن غير تفكير مشيت وراه، وقبل ما يفوت من بين شجرتين وقَف وبَص لي وبعدها قال لي:
-هات الطرد اللي معاك أشيله عنَّك، أنت أوِّل مرَّة تفوت من هِنا، خايف توازنك يختَل وأنت شايل الطَّرد وتُقع في المصرف.
صادرت على كلامه وقلت له:
-عيب يا حاج مايصحِّش اللي بتقوله، دَه أنا أشيل عنَّك لو أنت اللي شايل حاجة.
كنت برُد على كلامه وعيني بتبُص من بين الشَّجرتين على البَر التاني من المصرف، ساعتها شُفت بيوت كتير، أغلب شبابيكها منوَّرة، معرفش إزاي ماقدِرتش ألمحها طول الوقت اللي فات، ولَّا عشان كنت مركِّز في نهاية الطريق قدَّامي ماكنتش شايف غير ضلمة، وما أخدتش بالي إن في بيوت ورا صَف الشَّجر اللي على جَنب الطريق!
مكانش عندي تفسير ده حصل إزاي، وماكنتش عايز أعرف، كل اللي كان شاغل تفكيري وقتها إني أوصَّل الطرد وأتفَك من المشوار الهِباب دَه، بَس من ساعة ما رفضت إنه يشيل الطَّرد وأنا ملاحظ حاجة غريبة، كان بيبُص لي بَصة مش مفهومة، دَه غير ملامحه اللي بدأت تتغيَّر، جِلد وشُّه بدأ يِغلي ويسيح زي الشَّمع، حتى عينيه خرجت من مكانها، كل عين دَلدِلِت وفضلت متعلَّقة من وريد بينزل منُّه سائل أسود لون المَيَّه اللي بتكون راكدة في المصارف، وساعتها نَطَق وقال لي:
-هات الطَّرد يا مُحسن، هات الطَّرد عشان تلحق تروَّح!
جسمي اتهَز من صوته، لأنُّه كان بيكلِّمني بنفس صوت مُديري، وفي عِز ما كانت أعصابي سايبة، لقيت نفسي بنزِّل الطرد من على كتفي وبقرَّبه ناحيته بدون إرادتي، في اللحظة دي سمعت صرخة خارجة من جوَّه الطرد، صوتها كأنُّه صوت مُنبِّه قديم، وبمجرَّد ما الصوت ظهر، لقيت الحاج مختار صَرخ بعِلو صوته ونَط في المَصرف اللي كان وراه!
بمجرَّد ما كُل دَه حصل قدَّامي؛ لقيتني بسأل نفسي: إزاي الحاج مُختار اتحوِّل بالطريقة دي؟ ده لو كان فعلًا بني آدم يعني، أصل مَفيش بني آدم بيتحوِّل ويتكلِّم بصوت واحد تاني، وكمان ينُط في المصرف ويفضل تَحت المَيَّه كل الوقت ده! ويا ترى ليه كان مُصمِّم ياخد الطَّرد؟
على ما سألت نفسي الكام سؤال دول؛ أدركت إني وقعت في فَخ، دَه غير تفكيري اللي راح ناحية الطَّرد، ولولا إن ممنوع أفتح طرود، كُنت فتحته وعرفت سِر الصرخة اللي خرجت منُّه والحاج مختار أو الشيء دَه خاف منها.
بعد ما بقيت لوحدي فكَّرت أتصرَّف وأعدِّي الطريق، عشان أوصَّل الطرد وأخلص منُّه، ولمَّا بصِّيت حواليَّا عشان أعرف أنا فين، اكتشفت إني لسَّه واقف جنب العربيَّة النُّص نَقل، وإن كل المَشي اللي مشيته دَه ماكانش غير وَهم، بَس في اللحظة دي، لمحت نور عربيَّة جاي من بعيد، فضلت متجمِّد في مكاني وأنا بحاول أسيطر على أعصابي لحد ما وصلت عندي ووقفت قدَّامي، ولمَّا شباكها اتفتح؛ لمحت شاب قاعد في كُرسي السوَّاق، وساعتها بَص للعربية بتاعتي اللي كانت قافلة الطريق تقريبًا وبعدها قال لي:
-عطلان ولا إيه؟
ردِّيت عليه وقُلت له:
-فردة الكاوتش ضاربة، ومعايا طرد لازم يوصل كَفر المَنسي ضروري.
شاور لي بإيده ناحية الكرسي اللي جنبه وقال لي:
-طيِّب تعالى اركب، هاخدك في طريقي.
ركبت جنبه وقفلت الباب، ساعتها فات من جنب عربيتي بالعافية، وبعد ما مشينا شويَّة في الطريق سألني:
-رايح عند مين في كَفر المَنسي؟
-بيت واحد اسمه عتمان، أصل جاي لُه طَرد ولازم يوصل والمدير عامل معايا مشكلة بسببه.
بَص لي باستغراب وقال لي:
-تقصد إنك جايب طرد للشيخ عتمان؟
-أيوه، إيه الغريب في كِدَه؟
-يا باشا الشيخ عتمان ميِّت من عشرين سنة! بَس الطرد لازم يوصل.
بَحلقت فيه من الذهول لمَّا سمعت كلامه، لكنّي مالحقتش أستفسر منُّه عن الحكاية، لأن صوت الخَرفَشة بدأ يظهر من ورا الشَّجر، ولمَّا بدأت أشوف إيه الحكاية؛ لمحت خيال بيتحرَّك فوق مَيِّة المصرف بنفس سرعة العربيَّة، وكان واضح جدًّا إنه خيال الحاج مختار، وفي اللحظة دي الشخص اللي أنا راكب معاه قال لي:
-بلاش تبُص ناحيته.
حسِّيت من كلامه إنه عارف حكايته، عشان كِدَه لقيتها فرصة إني أعرف منُّه تفسير كل اللي حصل معايا، واستغليت دَه وسألته:
-مين دَه؟
-ده يبقى ندَّاه كَفر المَنسي، من سنين طويلة وهوَّ بيصطاد أي غريب يدخل من الطريق دَه، لأنه بيكون جاي على عَمَاه ومايعرفش حكايته، بيخدعه وبيعمل نفسه من أهل الكفر ودليل عشان يوصَّله، لكنُّه مش بيحس بنفسه غير وهوَّ في نُص المَصرف وبيغرق، وأنت غريب عن هنا، وبرغم كِدَه أنت الناجي الوحيد من الندَّاه عشان معاك الطرد.
ماحبِّيتش أعلَّق على الطرد، لكن بلعت ريقي من الصدمة وقلت له:
-أنا طول عمري أسمع عن الندَّاهة، لكن أول مرَّة أسمع عن الندَّاه.
-أنت ماسمعتش بَس، أنت سمعت وشُفت وجرَّبت، وفي الحالتين سواء ندَّاهة أو ندَّاه بيكون عبارة عن شيطان، والشيطان دَه ساكن هنا من سنين طويلة بعد ما سخَّره دجَّال كان عايش زمان في كَفر المَنسي، ومن بعد ما مات والشيطان ده طليق زي ما أنت شايف كِدَه، وبيظهر كل ليلة على الطريق ده ينصب الفَخ بتاعه، يعطَّل عربية أي غريب، يشوِّش على تليفونه عشان مايقدرش يستنجد بأي حد، لحد ما يلاقي قَدَره.
بالظبط كان بيوصف اللي حصل معايا، ولأنه كان عارف التفاصيل دي، محاولتش أضيَّع وقت وأعيدها عليه، خصوصًا إنه رفع تليفونه واتصل بِشخص، وبلَّغه إنه قرَّب يوصل الكَفر، وإن معاه مندوب شركة الشَّحن والطرد، ولمَّا حاولت أعرف منُّه بيكلِّم مين، خصوصًا إنه جاب سيرتي في الكلام، قال لي إنه بيكلِّم العُمدة، وإنه في انتظارنا على مدخل الكَفر!
ما حبِّيتش أسبق الأحداث، انتظرت لحد ما أوصل عشان أعرف الحِكاية بالمِفتِشِر كِدَه، أصل واضح إن في حاجة مش مفهومة بتحصل وأنا جزء منها من غير ما آخد بالي..
دخلنا الكفر من نفس الكوبري اللي قال عليه النَّدَّاه، واتفاجئت بمجموعة أشخاص واقفين، وكان في واحد سابقهم بخطوة، وكان باين من هيئته إنه العمدة، ولمَّا نزلنا من العربيَّة بَص لي وقال:
-حمد الله على سلامتك يا ولدي.
ردِّيت عليه والفضول قاتلني وقلت له:
-الله يسلِّم حضرتك، بَس أنا من وقت ما دخلت الطريق الضلمة ده وأنا زي الأطرش في الزفَّة، وعاوز أفهم إيه الحكاية.
-الحكاية وما فيها إن الطَّرد اللي معاك فيه حاجة تخُص كفر المَنسي، وعشان مَطوِّلش عليك لأن واضح إنك تعبان من الطريق، فالموضوع كالتالي: من سنين طويل كان عايش في الكَفر ساحِر ملعون، ولمَّا مات الشيطان اللي بيتعامل معاه بقى حُر طليق، وبقى يأذي النَّاس ويستدرجهم للمصرف ويخلَّص عليهم عن طريق الغَرق، يعني بيعمل نفس اللي بتعمله الندَّاهة، وبقينا نقول عليه: ندَّاه. ولمَّا النَّاس بدأت تفهم اللي فيها، محدِّش بقى بيمشي في الطريق ده في وقت متأخَّر، ولو حد اضطَر يرجع متأخَّر، مكانش بيتكلِّم مع أي شخص غريب يظهر له على الطريق، وده عشان يعدِّي بسلام، وفي نفس الوقت كان عايش في الكَفر واحد اسمه الشيخ عتمان، كان راجل تقي وربّنا وَهَبُه كرامات، لكنُّه مكانش بيستخدمها غير في الخير، وقتها كان عنده قناع فيه منبّه قديم بالزَّمبلك، كان عبارة عن أنتيكة حاططها في بيته، ولمَّا الناس بدأت تشتكي من الندَّاه، الشيخ عتمان ربط رنّة المنبَّه بتميمة من اللي كان بيقرأهم عشان يفك بيهم السِّحر ويحِل بيهم المربوط، وكل ما الليل يدخل، كان يلِف زمبلِك المنبّه على الآخر، ويسيبه يرِن طول الليل لحد الفجر ما يقرَّب، وفي الفترة دي محدّش كان بيشوف الندَّاه، لحد ما الشيخ عتمان مات وابنه الوحيد اللي كان مسافر رجع عشان يحضر جنازته وسافر تاني، وبعدها المنبه اختفى، قلبنا عليه الدنيا ومكانش له أثر، والندَّاه رجع يمارس ألاعيبه من تاني، بَس من كام يوم قدرنا نتواصل مع ابن الشيخ عتمان بعد السنين دي كلها، وعرفنا منُّه إنه أخد القناع والمنبِّه من ضمن حاجات أبوه اللي أخدها معاه، ولمَّا حكينا له الحكاية، قرَّر يبعت القناع طرد في البريد المستعجل، وعن نفسي قلت له يبعت على الشركة بتاعتكم، خصوصًا وإن الأستاذ فريد مديرها من مواليد كفر المَنسي وعارف اللي فيها.
ماكنتش مستوعب اللي أنا بسمعه، لكنّي سلِّمت لهم الطرد، خصوصًا لمَّا سمعت صوت رسالة على تليفوني، وعرفت إنه لَقَط شبكة، ولمَّا بصّيت فيها لقيت رسالتي واصلة، ولقيت رسالة من المدير بيطلب فيها إني أسلِّم الطرد للعمدة، لأن الشيخ عتمان اللي اسمه في البوليصة ميِّت من عشرين سنة!
سلِّمت الطرد زي ما انطلب منّي، بعدها الشخص اللي وصَّلني كفر المَنسي أخدني في العربية ورجع من تاني عند العربية النُّص نقل، ولمَّا وصلت هناك؛ لقيت فردة الكاوتش سليمة، ساعتها عرفت إن اللي حصل ده كان خدعة من الندَّاه عشان الطَّرد مايوصلش لأنه كان عارف اللي فيه، وخصوصًا وإنه حاول ياخده منّي، قبل ما صوت المنبّه يظهر فجأة بسبب التميمة اللي قال عليها العمدة ويطرد الندَّاه..
ركبت عربيتي ورجعت بضهري لحد ما رجعت على الطريق الرئيسي، بعدها مشيت على الـ "GPS" لحد ما رجعت الشركة، وقتها كان النهار طلع، ساعتها قابلت المدير اللي ابتسم ليَّا وقال لي:
-حمد الله على السلامة يا مُحسن.
كتمت نرفزتي جوَّايا وقُلت له بصوت هادي:
-كُنت رسِّيني على اللي فيها يا أستاذ فريد، على الأقل أعرف إيه اللي في الطرد، مش أروح على عمايا كِدَه، كان مُمكن ما أرجعش.
-لو كنت عرفت اللي فيها ماكنتش هترجع فعلًا، بَس أنا عارف إنك هتروح وترجع وأنت بخير، عشان أنت فيك شيء لله، ده غير إن الندَّاه كان بيتعامل معاك بحذر عشان كنت شايل السلاح اللي يهزمه.
قفِّلت الكلام معاه ومشيت، خصوصًا وإنه عطاني يوم راحة بعد المشوار ده، ولأن الكلام مُش هيفيد بحاجة، خلاص اللي حصل حصل، بَس مشيت وأنا بفكَّر في حاجة بسمعها من صُغري: "فيك شيء لله". ناس كتير دايما تقول لي الجملة دي، القريب قبل الغريب، بَس عن نفسي ما كنتش مصدَّق كلامهم، ولو دي حقيقة موجودة فيَّا وأنا مش واخد بالي منها، فَمُش لدرجة يعني أني ألاقي نفسي رايح كَفر المَنسي في مهمة غريبة، لأ وكمان أقابل الندَّاه اللي هناك، دَه أنا حتى معرفش إن كنت نَفدت بجلدي لأن فيَّا شيء لله فعلًا، ولا لأن كان معايا الطَّرد اللي فيه السَّلاح اللي بيخاف منُّه الندَّاه!
تمت...

آخر الموثقات
راجع يدك!

لجنة الإمتحان صارمة

ص: بين خطوتين

شخصٌ واحد

اصمت ايها الناقد

الطلقه التالته - ج1

أذرع النيل السبعة ( مذكرات كاهن) - الجزء الأول

لا لن أتذكرك ...!!

الشيخ (عبد الحليم) كما لم نعرفه من قبل

لماذا كرههم شاكر؟
الأكثر قراءة
الأحدث تأليفا
أحمد الخطيب و"كلم ربنا"

الهروب من الحياة إلى الحياة...

أَنْتَ الجَلّادُ الَّذِي أَحْبَبْتُهُ

حين يصبح القلب عدوًّا ناعماً

النقد شغف

على هامش الرحيل

‏هل مرَّ الحلمُ حقًَّا

حين نُفرِط في البحث عن الكمال… نخسر المعنى

النار مريعة

موعد خلف الغلاف
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1140
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب715
4الكاتبمدونة ياسر سلمي683
5الكاتبمدونة اشرف الكرم644
6الكاتبمدونة مريم توركان575
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني443
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين436
10الكاتبمدونة حاتم سلامة431

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب393833
2الكاتبمدونة نهلة حمودة258005
3الكاتبمدونة ياسر سلمي223630
4الكاتبمدونة زينب حمدي185219
5الكاتبمدونة اشرف الكرم164311
6الكاتبمدونة سمير حماد 131240
7الكاتبمدونة مني امين124405
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين123650
9الكاتبمدونة طلبة رضوان119865
10الكاتبمدونة فيروز القطلبي119066

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02