آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة محمد شحاتة
  5. الخمَّارة
⭐ 0 / 5

 القاهرة. يوليو 1954.

أنفاسي كانت مقطوعة من الجَري، خطواتي مكانتش بتعلِّم في الأرض، الرؤية قدَّامي كانت طَشاش، وده بسبب اللثام اللي خبّيت وشّي وراه، دَه غير إننا كنا الساعة اتنين الفَجر، يعني الشوارع ضلمة والناس نايمة، رِجلي أخدتني من شارع لشارع وأنا بهرب من جوز عساكر انجليز "ولاد كلب"؛ قطروني بعد ما طعنت زميلهم التالت وهربت، والحقيقة اللي حصل مكانش صدفة؛ لأن كل شيء كان مترتِّب، أصل أنا واحد من الفدائيين؛ اللي قرروا يدافعوا عن تراب بلدهم ضد كل غريب الطَّمع خلَّاه يدخل البلد دي عشان يسرق خيرها، وبالمناسبة برضه؛ دي مش أوِّل عملية أعملها من النوع ده، أنا عملتها قبل كده كتير، وفي كل مرة كنت بهرب بنفس الطريقة، لكن المرَّة دي كنت بهرب وأنا مُش عارف هروح فين، كلها شوية والدنيا هتتقلب، كل الأماكن اللي فكَّرت أتدارى فيها وارد جدًا يكون عينهم عليها، وبالتالي هتكون أوّل أماكن يفتّشوها وهمُّا بيدوَّروا عليا، وبرغم إن محدّش منهم قدر يتعرَّف على شخصيتي بسبب اللثام، لكن الأماكن اللي الفدائيين بيتداروا فيها بقت معروفة بنسبة كبيرة، جريت على قد ما أقدر وأنا واخد حذري وببعِد عنهم؛ عشان متقابلش في أي كلب منهم، وده لأنّي عارف الأماكن اللي بيعسكروا فيها بالليل..

غيَّرت خط سيري فجأة ودخلت شارع تاني؛ لمَّا لمحت جوز منهم واقفين في آخر الشارع اللي بجري فيه، ساعتها أدركت إني دخلت شارع خمَّارة الخواجة باولو. قلبي وقع في رجلي، لأن الخمَّارة كانت الوَكر بتاعهم وقت ما كانت شغالة، ومن بعد ما الخواجة مات والخمَّارة اتقفلت، لكنهم لسَّه متعوِّدين يعسكروا قدامها كل ليلة ومحدّش بيقدر يقرَّب منها، بَس مش كل الرياح بتأتي بما لا تشتهي السفن..

الحظ خدمني لمَّا دخلت الشارع، لأول مرَّة ميكونش في حد منهم قدام الخمّارة، وهنا غيَّرت تفكيري زي ما غيَّرت خط سيري، قررت أتدارى جوَّاها لحد ما الدنيا تهدا، دخلت من شباك مكسور على الشارع، وبمجرَّد ما حطيت رجلي جوَّاها قعدت تحت الشباك، لزقت ضهري في الحيطة وأخدت نفسي اللي اتقطع من الجري، مع الوقت ضربات قلبي رجعت لطبيعتها، جِسمي بِرِد، وبدأت أحِس بتكسير في مفاصلي وعضلاتي من المجهود اللي بذلته في الجري، ولأن وجودي تحت الشباك المكسور اللي على الشارع يعرَّضني إني أنكشف؛ زحفت على إيدي ورجلي ودخلت الخمّارة من جوَّه، قعدت في ركن بعيد، الوقت فات وعيني بدأت تتعوِّد على الضلمة، ومع الإضاءة الشاحبة اللي مصدرها لمبة نور صفرا في العمود اللي قدام الخمَّارة الضلمة انكسرت، عيني جابت الخمَّارة من أولها لآخرها، بدأت أشوف الكراسي اللي محطوطة فوق الترابيزات بالمقلوب؛ الركن اللي كان متخصص للفرقة الموسيقية والغوازي؛ بار الخمرة، كل حاجة زي ما هي، وبرغم موت الخواجة باولو اللي مكانش عنده عيال تورثه؛ مفيش حد قدر يقرَّب من الخمّارة، الإنجليز مكانوش هيسمحوا إن حد يحط إيده على المكان، وأظن ده السبب إنها فضلت مقفولة طول السنين دي وعلى حالتها.

-فهيم!

كان صوت بيهمِس باسمي وبينادي عليّا من مكان قريّب، أعصابي سابت وجسمي اتخشِّب في بعضه؛ حلقي نِشف من الخوف؛ لساني اتكلبِش في سَقف بوقي، فضلت على الحال ده وأنا بحاول أقنع نفسي إن اللي سمعته تهيّؤات، لكني سمعت الصوت من تاني، ولحد هنا بدأت أركّز، دَه صوت عادل، واحد زميلي من الفدائيين اللي معانا، الصوت اتكرَّر من تاني وبدأت أتلفِّت حوالين نفسي؛ لحد ما حددت الناحية اللي الصوت جاي منها، وساعتها سألت بصوت واطي:

-أنت هنا يا عادل؟

-حالي من حالك، ضربت واحد منهم على راسه وفقد الوعي، بعدها سحبته في حتة ضلمة وخلَّصت عليه، وقبل ما أهرب شافوني "ولاد الهِرمَة"، مسابونيش غير لمَّا دخلت الخمَّارة.

ابتسمت وأنا بسند راسي على الحيطة اللي ورايا وبحُط السكينة اللي في إيدي جنبي، أصلها كانت لسَّه معايا، مكنتش أقدر أفرَّط فيها؛ لأنها لو وقعت في إيدهم هيقدروا يوصلوا ليَّا بسهولة عن طريق البصمات اللي عليها، لكن لأن الدار بقت أمان حطيتها جنبي، مديت إيدي وفكِّيت اللثام من على وشِّي وأنا بقول لعادل:

-صاحب الحق عينه قوية، وإحنا أصحاب الحق والأرض، وهُمَّا اللصوص والمُحتلّين، وبرغم كِدَه بنستخبى منهم، الأدوار متبدِّلة بطريقة غريبة، لأ والأنكَت من كِدَه إننا مستخبّيين في خمَّارة باولو، أكتر خمَّارة الإنجليز رجليهم كانت واخدة عليها.

-ما دايم إلا وجه الله يا فهيم، أهو الخواجة باولو مات، عقبال "ولاد الكلب" دول ما يغوروا من هنا ويحلّوا عننا بقى، خلّي البلد تنضف من نجاستهم، وبعدين إحنا مش بنستخبى لأننا خايفين، بالعكس؛ كل الحكاية إننا الكفّة الأضعف، يعني لازم نضرب ضربتنا ونتدارى ونحافظ على نفسنا عشان نقدر نكمّل، كلنا بنعمل اللي علينا عشان نطردهم، سواء كنت فرد أو جيش، لحد اليوم اللي هيخرجوا فيه من هنا وقفاهم يقمَّر عيش، ومُش هيخرجوا غير باللي إحنا بنعمله دَه يا صاحبي.

أخدت نفس عميق وأنا مقتنع بكل كلمة قالها، بعدها ردِّيت عليه وقُلت:

-من بوقَّك لباب السما.

نور لمبة العمود اللي قدام الخمَّارة انطفى فجأة، الخمَّارة اتقلبت لقبر مقفول، مدِّيت إيدي ومسكت السكينة اللي حطيتها جنبي، رفعتها قدام وشي في الضلمة وقُلت:

-نفسي أغرز السكينة دي في قلب كل كلب منهم، كل ما أمشي في شارع وألمح حد منهم ببقى عاوز أدبحه، ودايمًا بنتظر أي عملية بفارغ الصبر.

انتظرته يرُد على كلامي لكني مسمعتش صوته، أول حاجة خطرت في بالي إنه غيَّر مكانه لمَّا العتمة اشتدَّت وبعدها راح في النوم، ندهت عليه بصوت واطي؛ ودَه عشان لو حد من اللي ما يتسمّوش موجود برَّه الخمَّارة ميسمعنيش، لكنه برضه مَردِّش عليا، زحفت على الأرض ناحية الركن اللي كان بيكلِّمني منُّه، ولمَّا وصلت للركن ملقتوش، بدأت أحسِّس بإيدي في كل مكان لكني مكنتش بلمس غير الحيطان والأرض، ومع استمرار محاولاتي إني ألاقيه لساني مَبَطَّلش ينده عليه؛ لحد ما "غُلب حماري" زي ما بيقولوا. قعدت وسندت ضهري من تاني على الحيطة، غمضت عيني وأنا مقرَّر أنتظر لحد ما النهار يطلع، ساعتها نور ربنا هيخلّي العتمة تروح وهقدر ألاقي عادل، دَه لو محصلش يعني ولقيته بيكلّمني قبل ما النهار يطلع.

محسِّيتش بنفسي غير وضوء الشمس بيخبط في وشّي، فتحت عيني بصعوبة، اتأكدت إني في مكان آمن بعيد عن أي منفذ للخمَّارة على الشارع، بعدها بصِّيت في كل مكان عيني طالته عشان ألاقي عادل، لكن مكانش له أثر، بَس لقيت نفسي بوقَّف تفكير في عادل، وده لأني لمحت جوز عساكر وقفوا قدام شبَّاك من شبابيك الخمَّارة، مسكت السكينة اللي كانت على الأرض جنبي بكل غِل وأنا بَكِز على أسناني، لو بإيدي كنت قُمت وخلَّصت عليهم، لكن الظروف اللي بنعيشها علمتنا إن كل خطوة لازم تكون مدروسة، فضلت في مكاني وكاتم غيظي، لكن قررت إني هخرج من الخمَّارة مع أول فرصة، الحظ خدمني للمرَّة التانية؛ لأن اليوم فات والليل دخل، لمبة العمود كانت مطفية والعتمة في الخمَّارة أشد من ليلة امبارح، حطيت السكينة في حزام بنطلوني ومشيت بحذر ناحية الشباك المكسور اللي دخلت منُّه، بصّيت في الشارع اللي كان فاضي ومفيهوش حد من اللي ما يتسمّوش، لفيت اللثام حوالين وشّي وخرجت، فضلت من شارع لشارع وأنا بتدارى منهم لحد ما وصلت للبيت اللي بنتجمَّع في البدروم بتاعه، نزلت السلالم لحد تَحت وخبَّطت على الباب، ولأننا متفقين على طريقة تخبيط معيَّنة الباب اتفتح بسرعة، دخلت وقفلت الباب ورايا ولقيت مُراد قدَّامي، شيلت اللثام من على وشّي وساعتها قال لي:

-حمد الله على السلامة يا بطل.

-الله يسلِّمك يا مُراد، إيه الأخبار؟

-الدنيا مقلوبة عشان عسكري الانجليز اللي أنت خلَّصت عليه، بَس قبل كل ده قول لي: كنت متداري فين؟

-خمَّارة الخواجة باولو.

مُراد بَص لي بذهول، وبعد ثواني من الصمت قال لي:

-قلبك ميِّت يا فهيم، دول عاملين زي النَّمل هناك، وكأن الخمَّارة هي حتة السُّكر اللي بيحوموا حواليها، وأنت رايح تستخبّى فيها!

-أهو اللي حصل، كنت بهرب منهم والشارع اللي بجري فيه كان في آخره جوز عساكر، غيّرت اتجاهي ولقيت نفسي عند الخمّارة، ولمَّا ملقتش حد منهم هناك قُلت أتدارى فيها.

-مَخوفتش تتمِسك.

-اللي زيِّنا نسيوا حاجة اسمها خوف، أصلًا لو خُفنا مش هنشيل أرواحنا على كفوفنا ونعمل اللي بنعمله.

-براوه عليك يا فهيم، البلد دي مش هتتحرَّر غير باللي زيَّك، بَس أنت عارف إنك لازم تختفي كام يوم، مش هينفع تشارك في أي حاجة الفترة الجاية.

كان بيكلِّمني وأنا بمد إيدي وبسحب السكينة من حزام البنطلون، ساعتها بَص لي وقال:

-والسكينة دي كمان لازم تختفي، سيبها وأنا هتصرف فيها، وأنت هتاخد بعضك وتطلع على اسكندرية، أنت عارف هتروح فين بالظبط، هتتدارى هناك شوية لحد ما الحكاية تنام.

***

الأسكندرية. يوليو 1954.

خلال أربعة وعشرين ساعة كنت سايب القاهرة وطالع على اسكندرية وأنا متخفِّي، أصل في هناك راجل طيِّب اسمه المعلم مختار؛ تاجر قماش كبير، الناس كلها بتحبه وبتعمل له ألف حساب، ورغم تجارته وفلوسه وهيبته؛ لكنه زي أي واحد مصري اتزرع وكِبر في تراب البلد دي، بيكره الانجليز كُره العمى، حتى ولو كان بيتعامل معاهم من وقت للتاني وبيضحك في وشُّهم، وقبل ما حد يتّهمه بأي حاجة لا سمح الله، أحب أقول إن ابتسامته في وشُّهم مجرد قناع؛ لأنه كان بيموّل الفدائيين باللي يقدر عليه، وكان بيتاوي ناس منهم بعد العمليات اللي بيعملوها، زي ما هيعمل معايا دلوقت، لأني لمَّا نزلت اسكندرية طلعت على بيته اللي في منطقة قريِّبة من سوق الساعة..

انتظرت في مكان بعيد عن البيت لحد ما السوق يشطَّب والمعلّم مختار يرجع، كنت عارف إني هنتظر وقت طويل؛ لكن مكانش قدامي حاجة غير كِدَه، الدنيا بقت ليل والشوارع بدأت تفضى بالتدريج، فضلت في مكاني لحد ما لمحت المعلم مختار جاي من بعيد، في اللحظة دي بدأت أتحرَّك من مكاني، مشيت ناحية بيته وظبطت مشيتي عشان أقابله عند البوابة بالظبط، ولمَّا بقيت جنبه قُلت له:

-مُراد بيسلّم عليك يا معلم مختار.

بدون ما يرد عليَّا فتح البوابة وسابني أدخل، أصل دي الشفرة اللي كانت بينه وبين مجموعتنا، وبمجرد ما دخلت البيت؛ بَص في الشارع عشان يتأكّد إن مفيش حد شافني، ولمَّا لقى الدنيا أمان قال لي:

-اسمك إيه؟

-فهيم.

بَص لي وكأنه بيفحص هيئتي وبعدها قال لي:

-حمد الله على سلامتك.

أخدني ونزلنا البدروم، المكان تَحت كان جاهز للإقامة، كام كنبة على كام سرير ودولاب، وفي ركن من البدروم لمحت باب حمّام، وبالمناسبة، دي أوّل مرَّة أتدارى هنا بعد العمليات اللي عملتها، بَس معرفش ليه حست جوّايا بطمأنينة غريبة. قعدت وحكيت كل حاجة للمعلم مختار، كان مُعجب باللي عملته، أكتر حاجة عجبته إني هربت منهم في خمّارة الخواجة باولو، لدرجة إنه بعد ما سمع الحكاية قام من مكانه وهو بيقول لي:

-على كِدَه أنت ميتخافش عليك.

-تقصد عشان اتداريت منهم جوَّه الخمَّارة؟

-أنت عامل زي الديب اللي دخل المصيدة بكامل إرادته، لكنه عارف إنه قادر يخرج منها.

-مُش أنا لوحدي اللي كنت في الخمَّارة، لمَّا دخلت اتفاجئت بواحد زميلي جوَّه، كان لسَّه قايم بعملية واتدارى هناك قبلي، لكنه خرج من غير ما يعرَّفني.

-كل واحد عارف خط سيره كويّس، ربنا يحفظه ويحفظكم كلكم. على العموم هتقعد هنا كام يوم، مفيش مخلوق هيعرف إنك موجود، أكلك وشربك وكافّة ما يلزم هيوصلك. هسيبك ترتاح وأطلع أنا كمان أرتاح.

سابني وطلع شقته؛ ومفيش دقايق ولقيت باب البدروم بيخبَّط، الخبطة كانت ضعيفة، قُمت من مكاني واتحرَّكت ناحية الباب، فَتحته بحذر وعيني بتسبق راسي وبتبُص برَّه، ساعتها شُفت ولد صغيَّر شايل صينية عليها قماشة لونها أبيض، ابتسم لي وناولني الصينية وقال لي:

-بابا باعت لَك العشا يا عمو.

ابتسمت له وأخدت منه الصينية وقُلت له:

-اسمك إيه؟

-اسمي ياسين.

-عاشت الأسامي يا ياسين، قول لبابا إني مُتشكّر جدًا.

لمَّا أخدت منُّه الصينية طار على السلم وطلع فوق، وأنا دخلت وقفلت الباب ورايا، حطيت الصينية على ترابيزة موجودة في البدروم، رفعت القماشة البيضا وبدأت آكل، ماكنتش أعرف إني واقع من الجوع بالشكل ده، وبعد ثواني قطعت الأكل وبدأت أبُص حوالين منّي؛ لأني سمعت صوت حد ماشي في البدروم!

قُمت من مكاني وبدأت أدور حوالين نفسي، ولأني مقدرتش أوصل لمصدر الصوت، بدأت أتحرَّك يمين وشمال جايز ألاقي حاجة، حسيت إني بدوَّر على إبرة في كومة قَش، مكانش في أي مصدر لصوت الخطوات؛ لدرجة حسيت إن كل اللي فات تهيؤات، وإن الصوت اللي سامعه دلوقت صوت خطواتي أنا، لكن لمَّا ركّزت أكتر؛ لقيت إن في صوت خطوات موازية لخطواتي..

مُش من عادتي إني أخاف، ولو بخاف ماكنتش شيلت روحي على كفّي وعملت اللي بعمله دَه، لكن فكرة إني أبقى في مكان وتحصل فيه حاجة مجهولة دَه اللي مكانش سَهل عليّا، ولا حتى ينفع أتجاهله، ومع الوقت؛ لفّيت في كل حتة من البدروم؛ لحد ما عيني لمحت شباك صغيَّر، سحبت الكرسي اللي كنت قاعد عليه وجرّيته ناحيته؛ لأن الشباك كان في نهاية الحيطة من فوق، حطيت الكرسي وطلعت فوقه وفتحت درفة الشبّاك حاجة بسيطة، ساعتها أخدت بالي إن الشباك في مستوى أرضية الشارع، قُلت: جايز يكون حد كان ماشي برًّه؛ ولأن البدروم أوطى من الشارع فالصوت سمَّع تَحت، ولحد هنا لقيت قلبي مطَّمن، لكن الاطمئنان مَستمرِّش كتير لأني سمعت الخطوات من تاني، وقتها كنت لسَّه واقف فوق الكرسي، عيني جابت الشارع من بدايته لنهايته، مكانش في مخلوق ماشي برَّه، يعني مفيش أي مصدر لصوت الخطوات، وده معناه حاجة واحدة بَس، إن الصوت فعلًا في البدروم.

قفلت الشباك ونزلت من فوق الكرسي، رجعت أعيد الكرَّة من تاني، بدأت ألِف في البدروم وأنا بدوَّر تحت كل حاجة، وبسأل نفسي: إيه الحكاية بالظبط؟ البُرج اللي فاضل في نافوخي طار بعد آخر عملية ولا إيه اللي حصل! ولا أنا قدرت أخلص من "كلاب الانجليز" ودخلت هنا عشان أواجه هواجسي.

بعد ما دوَّرت في كل مكان بدون فايدة قعدت على كنبة وسندت ضهري للحيطة، مكانش قدامي غير إني أتحمّل لحد ما أخرج من هنا، مفيش حل تاني، وأنا مستحيل أقول للمعلم مختار إني بسمع صوت حد ماشي في البدروم، الراجل هيقول عليَّا إيه؟ بهلوس ولا بخرَّف، وصعب يصدَّق إن بدروم بيته مسكون، أنا نفسي مش متأكّد من دَه وبحاول أقنع نفسي إن كل اللي بيحصل مجرَّد تنفيس عن ضغوط بسبب المرحلة اللي أنا فيها.

وبعدهالك يا فهيم؟

كنت بسأل نفسي وأنا باخد شهيق طويل وساند راسي على الحيطة اللي ورايا، ومفيش ثواني ولقيت راسي بتنزل ناحية كتفي غصب عني، اتفزعت وفتحت عيني واتضح لي إني رُحت فجأة في النوم، ولحد هنا قرَّرت أنام تاني، منُّه أريَّح جسمي، ومنُّه أخلص بقى من الصوت اللي بسمعه ده، جايز لمَّا أنام وأقوم فايق الدنيا ترجع لطبيعتها من تاني.

قُمت قفلت النور ورجعت اترميت على سرير من اللي موجودين، رُحت في النوم وكأني في انتظار اللحظة اللي هنام فيها، ومع الوقت بدأت أسمع همس حوالين منّي، فَتحت عيني في الضلمة وبحلقت في السقف، انتظرت لحد ما أتأكد إن اللي سمعته حقيقة ولا حلم، لكن يظهر ولله العلم إن المرحلة اللي بعيشها مفيهاش لا أحلام ولا كوابيس، كل اللي بيحصل فيها حقيقة، ودَه لأن الهمس اتكرَّر، وسمعت واحد بيقول:

-أنت بطل، بُكره أولادك وأحفادك هيفتخروا باللي بتعمله، ويقولوا أبونا بطل وكان بيصطاد في الانجليز زي الفيران.

قُمت من النوم وقعدت فوق السرير، الضلمة اللي بالعة البدروم مَنعتني أشوف أي حاجة، لكن نطقت أخيرًا وقُلت للي بيتكلم:

-مين اللي هنا؟

الإجابة كانت صمت، الصوت اختفى لمَّا اتكلِّمت، وفي الوقت نفسه كان جوَّايا يقين إني مش لوحدي، البدروم فيه حاجة غريبة، انتظرت في مكاني؛ لعل وعسى تحصل أي حاجة أفهم منها إيه اللي بيدور هنا، لكن الوقت فات بدون ما ألاحظ أي شيء غريب، وبعد دقايق؛ سمعت صوت كرسي الترابيزة بيتحرَّك، زي ما يكون حد ماسكه وبيسحبه فوق الأرض، أسناني خبَّطت في بعضها من الخوف؛ لأن الضلمة كانت زي القماشة اللي اتلفَّت حوالين عيني، مَنعتني أشوف اللي بيدور حوالين منّي، دَه اللي خلَّى الخوف يتضاعف جوَّايا، لأن فوق الأحداث اللي مَلهاش تفسير؛ واللي بدأت تحصل من وقت ما دخلت هنا، الضلمة زوِّدت الغموض أكتر، وأنا أعرف كويس إن كل ما كان الشيء غامض؛ كل ما كانت درجة الخوف من ناحيته أكبر.

صوت سحب الكرسي انتهى في مكان قريِّب من الترابيزة، أو عشان أكون دقيق في كلامي؛ ده المكان اللي حدِّدت إن الكرسي وقف عنده، لأني ماكنتش شايف في الضلمة، بعدها سمعت تزييق خارج من الكرسي نفسه، ولأن حاسة البصر عندي مكانتش قادرة تقوم بمهمّتها في الضلمة؛ لكن إحساس جوّايا فسَّر الصوت باعتبار إن في حد بيقعد فوق الكرسي، وهنا قُلت في نفسي: ياريتني ما فسَّرت ولا حاولت أفهم سبب الصوت، أصل المَشرحة مش ناقصة أموات زي ما بنقول في الأمثال.

مكانش عندي رغبة أقوم من مكاني، ولا حتّى كلِّفت نفسي أروح ناحية مفاتيح الكهربا وأفتح نور البدروم. وبصراحة؛ مقدرتش أفسَّر سبب رغبتي، جايز يقين بإن اللي بيحصل هلوسة بسبب ضغط نفسي، وجايز كان جوايا رغبة في إن اللي بيحصل يكمل لحد النهاية، أصل إحنا بشر والممنوع مرغوب، خصوصًا وإني بعيش التجربة دي لأول مرَّة، بَس اتفاجئت إن الحكاية بدأت تكبر؛ لأني سمعت نفس الصوت جاي من ناحية الترابيزة بيقول:

-عايز أخرج من هنا، من زمان والواحد مَشافش شمس ربنا ولا شاف الناس، إحنا هنفضل عايشين كِدَه لحد إمتى؟

قلبي انقبض، بدأت أتكلم مع نفسي بدون صوت وقُلت: في حاجة غلط، كل دي تهيّؤات، اللي بسمعه مُش حقيقة، كُنت بحاول أطمّن نفسي لأن الشيطان شاطر وخلَّى الفار يلعب في عبّي، فِكرة إن المكان هنا يكون غير مرغوب فيه وإن في حد عاوز يهرب منُّه حاجة مُش سهلة؛ لدرجة حسيت إني عاوز أخرج من هنا، ظنِّيت _وبعض الظن إثم_ إن المعلم مختار بقى معاهم، وإنه بيستدرج الفدائيين ويداريهم عنده عشان يسلّمهم؛ أو على الأقل يرشد عنهم بعد ما يخرجوا من هنا.

إيه اللي بتقوله دَه يا فهيم! معقول! الشيطان يلعب بدماغك ويخلّيك تسيء الظن في الراجل اللي مخبّيك منهم؛ وياما خبَّى ناس قبل منَّك لحد ما الدنيا تهدا عنهم!

حاولت أطمّن نفسي للمرة التانية، كنت عامل زي اللي ماشي في طريق ضبابي، ومع كل خطوة بيزيد جوّاه هاجس إنه هيصطدم بشيء قدَّامه، يعني كل شيء من حواليه مُقلِق، وبعدين تفرق في إيه الضلمة عن الضباب، الاتنين بيعموا عين الواحد عن أي حاجة متربِّصة بيه.

أخيرًا قرَّرت أقوم من السرير وأفتح النور، كُنت عاوز أحُط نهاية اللي بيحصل بنفسي، وبدل ما أسيب نفسي فريسة للضلمة والهواجس؛ أكون أنا الإيد اللي هتشِد فيشة كل ده وتنهيه..

نزلت من السرير بحذر، مشيت بخطوات تقيلة ناحية باب البدروم، كُنت فاكر كويّس إن مفاتيح النور هناك، وخلال الثواني اللي أخدتهم لحد ما وصلت؛ طمِّنت نفسي للمرة التالتة وقُلت: لمَّا البدروم ينوَّر كل ده هيخلص، بَس لمَّا فتحت النور الخوف اللي جوَّايا زاد، ودَه لأن الكرسي اللي نِمت وأنا سايبه تَحت شباك البدروم لمَّا بصّيت منُّه على الشارع كان متحرَّك من مكانه، بالتحديد لقيته جنب الترابيزة في المكان اللي خمِّنت إنه وصل عنده والدنيا ضلمة، ولحد قبل اللحظة دي كنت فاكر إن اللي بيحصل هلاوس، بَس مفيش هلاوس بتحرَّك كُرسي من مكانه.

وقفت مبحلق؛ عيني كانت رايحة ما بين المكان اللي فيه الكرسي حاليًا؛ والمكان اللي سيبته فيه، والمرَّة دي مش هحاول أطمِّن نفسي، يعني مش هقول إني غيَّرت مكانه قبل ما أنام ونسيت، لأ؛ أنا واثق تمامًا إني سايبه تَحت الشباك، زي ما أنا واثق برضه إني لسَّه مخلَّص على واحد من "كلاب الانجليز" بإيديَّا دول، وجيت لحد هنا عشان أستخبَّى.

الهروب مُش من طبع الجَبان، أحيانًا بنهرب عشان نقدر نكمّل، زي ما أنا هربان دلوقت بعد العملية، وبنفس المبدأ، قرَّرت أهرب من البدروم، طفيت النور وفتحت الباب، ولسَّه باخد أوّل خطوة عشان أروح ناحية بوابة البيت، سمعت حركة في الشارع، ومع الحركة سمعت ناس بتتكلم، والأصوات دي وطريقة كلامها مُش غريبة عليَّا، دول كام واحد من "ولاد الكلب" فايتين قدّام البيت، بيضحكوا وبيهزَّروا وهُمَّا سكرانين؛ وكأنها بلد اللي خلَّفوهم.

رجعت البدروم وقفلت الباب بهدوء وطفيت النور؛ عشان مفيش حد منهم ياخد باله، لمَّا شُفتهم دمّي فار في عروقي، نسيت اللي حصل معايا ومشيت في الضلمة ناحية الكرسي، مسكته وسحبته ناحية شباك البدروم، طلعت فوقه وفتحت الشباك بشويش، بصيت في الشارع يمين وشمال بدون ما ألفت نظر حد، وفعلًا؛ لقيت منهم خمس عساكر واقفين، الواحد منهم مش قادر يصلُب طوله بسبب الإزازة اللي في إيده؛ واللي من وقت للتاني كان بيرفعها على بوقّه ويقربع منها، معرفش ليه افتكرت خمارة الخواجة باولو بمجرَّد ما شُفتهم، جايز لأني كنت بشوف منظرهم المقزز دَه قدامها دايمًا، أو جايز لأنها المكان اللي استخبِّيت فيه قبل البدروم دَه.

قفلت الشباك ونزلت من وراه، قعدت على الكرسي وأنا مقرَّر إني مش هخرج من هنا، أكيد مش هروح لهم برجليّا، ولو كان البدروم نار، فأكيد ناره أهون مليون مرَّة من نارهم.

بعد ما أخدت قرار إني أفضل في البدروم فضلت قاعد مكاني على الكرسي، وقرَّرت كمان أسيب النور مفتوح، أي نعم كان مفتوح في بداية ما دخلت هنا، ودَه مَمنعش إني أسمع صوت الخطوات؛ لكن أهو، جايز المرّة دي يكون بفايدة.

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب386465
2الكاتبمدونة نهلة حمودة249272
3الكاتبمدونة ياسر سلمي217652
4الكاتبمدونة زينب حمدي183558
5الكاتبمدونة اشرف الكرم160065
6الكاتبمدونة سمير حماد 127672
7الكاتبمدونة مني امين123514
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين120315
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي116630
10الكاتبمدونة طلبة رضوان115872

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02