جايز الحكاية تبان عادية، شبيهة بحكاية أي حد ممكن يقرأها في قصة؛ أو شافها في فيلم، بَس قبل ما أحكي لازم أأكد على حاجة مهمة، اللي جوَّه الحكاية بيكون شايفها بشكل مختلف، كل تفصيلة فيها حتى لو بسيطة مبتكونش عادية، بتأثر على ضربات قلبه، دَه غير الوقت اللي بيفوت ساعتها ببطء، وبُطء الوقت دايمًا بيكون مُرتبط بالخوف، يعني اللي بيعيش الحكاية دايمًا غير اللي بيسمعها أو بيشوفها، يعني باختصار شديد؛ بينطبق عليه المثل اللي بيقول: "اللي إيده في المَيَّه؛ مُش زي اللي إيده في النار"..
أنا بقى؛ صاحبة الحكاية، أو عشان أوصِف صَح، أنا اللي إيدها كانت في النار، برغم إن اللي يشوفني من بعيد ميجيش في باله إنه أعيش الحكاية دي، أصل أنا برضه من اللي بينطبق عليهم المقولة اللي بتقول: "دَه وَقَع واقف"، ودَه لأن حظّي في الجواز تتمناه أي واحدة، راجل محترم وغني وعايش في الخليج، بَس أنا مكنتش عايشة معاه هناك، أنا كُنت بروح له زيارة مرَّة في السَّنة، والسبب إن شُغله هناك واخد كُل وقته، وبالتالي مش هيكون عنده فرصة ياخد باله منّي ومن ابننا، عشان كِدَه الزيارة السنوية كانت حل مناسب، وفي المقابل؛ كان شايلني على كفوف الراحة، لدرجة إنه صمِّم يجيب لي دَادَة تساعدني في البيت، ولأن لكل حكاية بداية؛ فالبداية كانت من عند الدَّادَة، ودَه لمَّا قُمت قلقانة في ليلة من النوم. مكنتش عارفة سبب القلق ولا صَحَياني من النوم في وقت زي ده، الإحساس الوحيد اللي حسِّيت به إن حلقي ناشف، قُمت من السرير عشان أروح المطبخ وأشرب، بَس لمَّا خرجت من الأوضة؛ اتفاجئت إن الدَّادَة "أمينة" واقفة على باب المطبخ، استغربت وقفِتها لأن الوقت كان بعد نُص الليل، وفي وقت زي ده بتكون رايحة في سابع نومة، وسبب استغرابي الأكبر إني شُفتها واقفة ضَهرها للصالة ووشّها في المطبخ، وقفت في مكاني وانتظرتها تتحرَّك، بَس الوقت فات وهي تمثال خشب، متحرَّكتش خطوة من مكانها، ضربات قلبي زادت من اللي بيحصل، لقيت نفسي ببلع ريقي وباخد نفس عميق وبقول لها:
-أنتِ كويِّسة يا دادة؟
انتظرتها ترُد عليَّا، بَس الوقت فات وهي على نفس الحالة، كسرت خوفي وبدأت أتحرَّك ناحيتها، بعد كام خطوة لقيتها بتلتفِت ناحيتي، وقفت في مكاني وانتظرت أشوف رد فعلها، بصَّت لي وعلى وشّها ابتسامة باهتة مقدِرتش أفسَّرها، وقبل ما أستفسر منها عن تصرُّفها الغريب؛ لقيتها بصَّت ناحية المطبخ من تاني واتحرَّكت ودخلت جوَّاه، في اللحظة دي باب المطبخ اتقفل وراها من نفسه، مُش هنكر إني حسِّيت بالرعب لأول مرة في حياتي، ولأن الفضول اللي جوّايا دفعني أفهم اللي بيحصل؛ كملت في طريقي للمطبخ، فتحت الباب وبصِّيت جوَّاه وأنا واخدة حذري، بَس الصدمة اللي أخدتها اتسبِّبت في خوف أكبر، المطبخ كان فاضي، معرفش إزاي ده حصل رغم إني شايفه الدَّادة بعيني وهي داخلة قدامي، جسمي تلِّج وأعصابي سابت ورجليّا مبقتش شيلاني، وحسِّيت بالخوف أكتر لمَّا سمعت صوت الدَّادَة جاي من ورايا وهي بتقول لي:
-محتاجة حاجة يا مداد "عبير"؟
الخوف اللي حسِّيت به خلاني اتفزعت؛ لدرجة إني نطّيت في الهوا زي ما بيقولوا، وبرغم كل ده بصّيت ورايا، الدَّادَة "أمينة" كانت واقفة على باب أوضتها، وشَّها كله نوم، بَحلقت فيها ومقدرتش أنطق، الصمت سيطر عليّا لحد ما هي اللي اتكلمت وقالت:
-مالك يا مدام "عبير"؛ في حاجة لا سَمَح الله؟
دي المرَّة الأولى اللي أتحَط في الموقف دَه قدامها، ولمَّا أدركت النقطة دي مسكت أعصابي وسيطرت على خوفي وقُلت لها:
-مفيش حاجة يا دَادَة.
ولأن اللي بيدور جوَّايا كان أقوى منّي لقيت نفسي بسألها غصب عنّي:
-أنتِ وراكي شُغل دلوقت؟
عينها راحت ناحية ساعة الحائط وبعدها ردَّت عليا:
-شُغل إيه يا مدام، الساعة دلوقت 2 بعد نُص الليل.
لساني تقِل لمَّا سمعتها، وفي لحظة تفكيري أخدني لسؤال: إزاي دخلت المطبخ قدامي في نفس الوقت اللي كانت نايمة فيه في أوضتها؟
محسّيتش إن الوقت سرقني غير لمّا سمعتها بتقول لي:
-سرحانة في إيه يا مدام "عبير"؟
-ها.. مفيش حاجة يا دادة، هدخل أطَّمن على "سليم" قبل ما أنام.
دخلت أوضة "سليم" ابني اطَّمِّنت عليه، معرفش ليه حسِّيت بالقلق ناحيته، بَس لمَّا دخلت ولقيته كويِّس اطَّمِّنت ودخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا. اتفاجئت إن النوم طار من عيني، ودَه مُش بيحصل معايا غير لما أكون خايفة، عشان كِدَه قعدت على السرير وشدّيت تليفوني من فوق الكومودينو، فَتحته وطلَّعت رقم "هيثم" جوزي ورنّيت عليه، ورنَّة ورا التانية لحد ما رد عليا بصوت كله نوم:
-إزيك يا "عبير"، أنتوا كويسين؟
حاولت أداري التوتّر والخوف اللي جوايا وقُلت له:
-إحنا بخير.
-الحمد لله دي أهم حاجة، بَس دي أول مرَّة ترنّي عليا في وقت زي ده!
-أنا سفة لو قلقتك من النوم، عارفة إن وراك شُغل الصبح، بَس...
-بَس إيه! إيه الحكاية؟
-عايزة أحكي لَك عن حاجة غريبة حصلت من شوية.
انتظر ثواني حسيت فيهم إنه بيحاول يفوق من النوم عشان يسمعني وبعدها قال:
-إيه الحاجة الغريبة اللي حصلت؟
بدأت أحكي اللي شُفته من وقت ما قُمت قلقانة من النوم؛ لحد ما الدَّادة دخلت المطبخ والباب اتقفل وراها، وبعدها اتفاجئت إنها خارجة من أوضتها وبتكلمني، ولمَّا خلصت كلامي لقيته ساكت مبينطقش، فهمت إنه مش مصدَّقني، وده ظَهر في كلامي لمَّا اتكلم وقال لي:
-مُش جايز عينك كانت مزغللة عشان لسَّه قايمة من النوم، أو يمكن بيتهيّأ لك مثلًا!
-عاوز تفهّني إني كنت بحلم وأنا صاحية!
-أصل مش معقول الدَّادَة "أمينة" قايمة بدورين.
-مفيش حد بيقوم بدورين، بَس دَه اللي حصل.
-طيِّب هدّي نفسك، ممكن أعصابِك متوتَّرة عشان بقالنا كتير بعيد عن بعض.
-وهي دي أوّل مرَّة نبعِد فيها عن بعض! ولا عاوز تقول إني اتجننت!
-يا ستّي مش قصدي، جايز محتاجة تغيَّري جو، إيه رأيك لو تروحي يومين عند "نيفين" أختك وتعطي الدَّادَة أجازة.
المكالمة انتهت لحد هنا، حاولت أنام لكن التفكير اللي داير في دماغي طيَّر النوم من عيني، استغليت الفرصة وقُمت أطَّمن على "سليم"، أخدت بعضي ورُحت أوضته ولقيته رايح في سابع نومه، رجعت سريري وأنا مقرَّرة إن بمجرَّد ما النهار يطلع هاخد بعضي وأروح عند "نيفين" يومين، وهبلَّغ الدَّادة تاخدهم أجازة.
مكدِّبتش خبر، بمجرَّد ما النهار طلع والناس بدأت تروح وتيجي في الشوارع طلبت من الدَّادَة تصحّي "سليم" وتلبّسه هدومه، بعدها بلَّغتها بالأجازة، ولمَّا أخدت شنطتها ومشيت كلِّمت "نيفين" وبلَّغتها إني هروح لها.
طلبت أوبر ولمَّا وصلت نزلنا، عطيت السواق العنوان بمجرّد ما ركبت، ومفيش نُص ساعة وكُنّا واصلين، وهناك لقيت "نيفين" منتظرانا على باب الشقة كالعادة، بالمناسبة؛ دي شقة العيلة، و "نيفين" أختي الوحيدة وعايشة فيها لوحدها بعد أمي وأبويا الله يرحمهم؛ لأنها متجوِّزتش لحد دلوقت، أول ما شافتني أخدتني بالحضن، بعدها سلِّمت على "سليم" وشالته على دراعها، دخلنا الشقة وقعدنا، لاحظت إن عنيها منزلتش من عليا، انتظرتها تقول حاجة لكنّها فضلت تبُص لي وخلاص، بَس بَعد شوية لقيتها بتقول:
-ده بيتك ومطرحك وكل حاجة، لكن دي أوّل مرَّة تيجي بدري كده، وكمان وشّك مخطوف، إيه الحكاية طمّنيني عليكي؟
-مَنمتِش طول الليل وحاسّة إن الصداع هيفرتِك دماغي.
-بتقولي فيها، أنا كمان الصداع هيقسم دماعي نصّين، استني أقوم أعمل فنجانين قهوة عدالة يظبطوا الدماغ، نشربهم وإحنا بنتكلم.
سابتني ودخلت المطبخ و "سليم" دخل وراها، كنت سمعاهم بيضحكوا مع بعض، بَس أنا دماغي كانت شاردة بعيد، مفوقتش من شرودي غير على صوت "نيفين" وهي بتحط فناجين القهوة على الترابيزة وبتقول لي:
-شفطة واحدة هتخلّي الصداع يروح.
مسكت الفنجان وأخدت منُّه شفطة، ريحة القهوة قبل طعمها خلّاني أفوق شوية، بعدها حطيت الفنجان على الترابيزة وقُلت لها:
-تسلم إيدك يا "نيفين"، ما بصدّق آجي هنا كام يوم عشان أشرب القهوة بتاعتك.
-ياختي بلا وِحدة بلا نيلة، ما تيجي تقعدي معايا طالما المحروس جوزك مسافر واعطي الدَّادة أجازة ووفّري مرتّبها.
-يعني هوَّ بمزاجي، "هيثم" جوزي قناعته إن الست في بيت جوزها سواء موجود أو مسافر، وبيقول إن ده الشَّرع والأصول، وبعدين كلامه صح، السِّت ملهاش غير بيتها، دَه غير إن الدَّادة شايلة عنّي كتير.
كُنّا بنتكلم وصورة الدَّادَة وهي واقفة عند باب المطبخ قدام عيني؛ سَرحت من تاني في اللي حصل، وده اللي خلّى "نيفين" تقول:
-مُش هتقولي بقى إيه الحكاية؟
-الدَّادَة يا "نيفين".
-مالها؟
حكيت لَها عن اللي حصل ليلة امبارح، واتفاجئت إن رَد فعلها كان نفس رد فعل "هيثم" جوزي، كلام من نوعية إني بيتهيّأ لي، وإني جايز كنت بحلم واللي شُفته من تأثير الحلم لأني صحيت فجأة، مكُنتش بالعة الكلام، وفي نفس الوقت مكانش عندي إثبات على اللي بقوله يخلّيني أجادلها، دَه اللي خلَّاني مسكت فنجان القهوة ورفعته على بوقّي وشربت اللي باقي فيه مرَّة واحدة، بعدها حطّيت الفنجان مكانه، وساعتها "نيفين" قالت لي:
-بالهنا، سيبي "سليم" معايا بقى وادخلي أوضتك نامي شويّة؛ عينك حمرا زي الطمطماية من قِلّة النوم.
دخلت نِمت زي ما طلبت منّي، مُش لأني محتاجة أنام؛ كل الحكاية إني كنت عاوزة أرتاح من التفكير اللي في دماغي، لأن شيطاني ما بيصدَّق، أخدني بالتفكير لاحتمالات كتير، عقلي بدأ يحُط سيناريوهات ويفترض افتراضات قد تكون مالهاش وجود غير في خيالي، شويَّة أقول: الشقة اتسكنت، وشويّة أنفي الفكرة وأقول: اتسكنت إزاي وإحنا عايشين فيها ومُش قافلينها، أفكار رايحة جاية، شويّة أصدَّقها وشويّة أكدِّبها، خصوصًا إني مش بصدّق في الكلام ده، حرفيًا شيطاني بدأ يلاعبني دوَّخيني يا لمونة، واللي زاد وغطّى إني أكون فعلًا شُفت تهيؤات، وده كان أًصعب من تفكيري في إن الشقة اتسكنت، لأني بالطريقة هدخل في حيطة مسدودة، طب نفسي وعلاجات بتلعب على الأعصاب، ده غير نظرة المجتمع لأي حد بيتعالج نفسيًا، مُش محتاجة أقول لكم إن المجتمع بيتعامل معاه باعتباره مجنون، وإن مكانه الطبيعي الثرايا الصفرا، والمشكلة الأكبر هتكون مع "هيثم" جوزي، أكيد هيبقى قلقان عليّا، وقلقُه الأكبر هيكون على "سليم" وهيخاف عليه يكون معايا وأنا في الظروف دي، كل ده كان بيدور في دماغي ومفيش حد حاسس بُه غيري، عشان كِدَه كنت محتاجة أنام وأفصِل.
مع الوقت عيني غمَّضت ومحسِّيتش بالدنيا حواليا، مقومتش من النوم غير على رنة تليفوني، كان "هيثم" جوزي، ردّيت عليه بصوت كله نوم وقُلت له:
-صباح الخير يا "هيثم".
-صباح إيه بَس يا "عبير"، العِشا قرَّبت تأذّن عندكم.
لحد هنا أدركت إني قضيت اليوم نوم بدون ما أحِس، ردّيت عليه وقُلت:
-معلِش؛ كنت مًرهقة جدًا، نمت محسِّتش بنفسي.
-ولا يهمك، المهم إنك بخير، أومال "سليم" فين؟
-سيباه مع خالته برَّه، زمانه بيلعب ومبسوط،، دلوقت هقوم أطّمن عليه.
-على راحتك، هسيبك بقى عشان هنام لأني مقتول من الشغل، خلوا بالكم من نفسكم.
قفلت المكالمة وقُمت من السرير، خرجت لقيت "سليم" قاعد ومعاه تليفون "نيفين" أختي، لأنه متعوِّد يتسلّى بالألعاب اللي هي منزّلاها مخصوص عشانه، وفي نفس الوقت ملقتهاش، ساعتها سألت "سليم":
-خالتو فين يا حبيبي؟
وبدون ما يرفع عينيه من التليفون قال لي:
-خالتو في الحمّام يا ماما.
قعدت جنبه، حاولت آخد منَّه التليفون عشان عينيه لكنه رفض، ولأني مكنتش مستعدّة للزّن والعياط اللي هيصدّعني بيهم لو أخدت منه التليفون بالقوة؛ سيبته قاعد مشغول في اللعب، الوقت فات و "نيفين" مخرجتش من الحمام، ولسَّه بفكّر أقوم من على الكنبة سمعت باب الحمام بيتفتح، ومفيش لحظات ولقيتها خارجة، أوّل ما شافتني ابتسمت وقالت لي:
-صحَّة النوم.
-تسلمي يارب، متعرفيش قد إيه كنت محتاجة أنام.
-ما أنا قُلت لِك، ما تقعدي معايا لحد ما جوزك ييجي، وأديكي شايفة نِمتي وارتاحتي بدون أي مشاكل.
-ياريت كان ينفع، كلها يوم والتاني وهلاقي "هيثم" بيسألني هرجع إمتى، دَه غير الدَّادَة اللي هترجع بعد يومين، وجايز فعلًا اللي شُفته كان تهيؤات أو شيء عارض وراح لحاله.
-عمومًا براحتك، كِدَه أو كِدَه أنتي منوَّرة بيتك.
الكلام اتقفل على كده، بعدها دخلت تحضَّر لُقمة ناكلها، وفي الفترة دي قعدت قدام التسريحة اللي في أوضتي، سرَّحت شعري وظبَّطت نفسي، واتأكدت من المراية إن الإرهاق راح من وشّي لمَّا نِمت، بعدها قعدنا وأكلنا، واليومين فاتوا بدون ما تحصل معايا أي حاجة غريبة، لكن بعدها حصل اللي كُنت متوقعاه، استلمت رسالة من "هيثم" بلَّغني فيها أرجع بيتي وكفاية قعدة عند أختي، دَه غير إن الدَّادَة كلِّمتني وبلَّغتني إنها منتظرة تليفوني عشان ترجع، وده كان سبب إني جهزت نفسي وأخدت "سليم" ورجعنا.
الحياة بدأت تاخد الروتين الطبيعي، كل حاجة كانت ماشية بالقلم والمسطرة، وبرغم كده كنت مركّزة وعيني مفنجلة عشان لو حاجة حصلت، بس الدنيا فضلت طبيعية، لحد الليلة اللي فتحت فيها عيني من النوم على صوت صرخات، في البداية النوم كان مسيطر عليا ومكنتش مستوعبة، قُلت: أكيد أضغاث أحلام زي اللي حصل قبل كِدَه، حطيت راسي على المخدة من تاني عشان أكمّل نوم، لكن الصرخات خلَّتني أفتح عيني غصب عنّي، وفي المرَّة دي قدرت أستوعب إن الدَّادة "أمينة" هيَّ اللي بتصرُخ.
اتفزعت وقُمت من السرير، قلبي وقع في رجلي ليكون "سليم" جرى لُه حاجة، كُنت هنكفي على وشّي وأنا بجري، خرجت من أوضتي وخطواتي أخدتني لأوضة "سليم"، وهناك لقيته رايح في سابع نومه، ساعتها قلبي اطَّمن، بَس الاطمئنان اللي حسّيت بُه راح فجأة، ودَه لمَّا سمعت صرخات الدَّادة مرَّة تانية، ولأن اللي حصل خلَّاني أفوق وأنسى النوم؛ فكنت مركِّزة المرَّة دي وقدرت أعرف إن الدَّادة بتصرخ في أوضتها، أخدت بعضي ورُحت على هناك، ولمَّا دخلت عليها؛ لقيتها واقفة ضهرها للحيطة.
وقفت متخشِّبة، عيني جابتها من فوق لِتحت، كانت واقفة على مِشط رجليها وضَهرها لازق في الحيطة، ودراعاتها مفرودة جنبها ولامسة الحيطة كأنها مصلوبة، واللي زاد من خوفي إن شَعرها كان نازل على وشّها ومداري ملامحها، كان جوّايا ردود أفعال كتير مقدرتش أعبَّر عنها، بَس اللي كنت واثقة منُّه إن كلها بتعبّر عن الرعب اللي سيطر عليا..
مع الوقت بدأت تزوم، مع أول صوت خرج منها لقيت عندي رغبة إني أخرج من أوضتها، لكن اللي حصل كان عكس رغبتي، لقيت نفسي بقرَّب منها وبقول لها بصوت مهزوز:
-دَادَة؛ أنتي كويسة؟
بمجرَّد ما سألتها سمعت صرخة "سليم"، في اللحظة دي جريت على أوضته، وبمجرَّد ما دخلت عنده حسيت إن رجليا لزقت في الأرض من الصدمة، وقفت في مكاني مقدرتش أتحرَّك، حتى لساني مقدرش ينطق، ودَه لأني شُفت "سليم" على إيد الدَّادَة، كانت واقفة وشيلاه وبيصرخ على دراعها، كُنت شايفة المنظر ده قدامي وفي نفس الوقت منظر الدَّادَة في أوضتها كان قدام عيني، حسّيت إني على حافَة الانهيار، عقلي كان متشتِّت ما بين المشهدين، لكن في الوقت ده فكَّرت في "سليم"، جريت ناحيته وأخدته من على دراعها وأنا بقول لها:
-سيبي الواد، أنتي إيه حكايتك اتجنِّنتي ولا إيه؟
أخدته منها بدون ما تقاومني، لكنها فضلت تبُص لي وهي بتبتسم، ولأن "سليم" كان لسَّه بيبكي حضنته وحطيت راسه على كتفي وطبطبت عليه، بعدها بصِّيت ناحيتها عشان أشوف إيه حكايتها، بَس اتفاجئت إني لوحدي في الأوضة، لفيت حوالين نفسي وأنا شايلة "سليم" على دراعي، الدَّادَة فعلًا مش في الأوضة، ومستحيل تكون لحقت تخرج لأن عيني مراحتش من عليها غير ثانية أو ثانيتين، يعني أنسب تشبيه للي حصل إنها اتبخَّرت.
أخدت "سليم" ورُحت على أوضتها، وقدام الباب وقفت مصدومة، الباب كان مقفول ومن تَحته الدنيا كانت ضلمة، وطبعًا سبب الصدمة إني خرجت على صوت "سليم" والباب كان مفتوح ونور الأوضة والع، ده سبب إني اتردِّدت وأخدت وقت لحد ما مديت إيدي وفتحت الباب، مكانش عندي الجرأة إني أدخل، وقفت أبُص في الضلمة اللي مالية الأوضة، الهدوء كان مسيطر على المكان، ومع الوقت نور الصالة بدأ يكسر عتمة الأوضة، ساعتها قدرت أشوف الدَّادَة نايمة على سريرها، لكن صوت "سليم" اللي كان بيبكي من وقت للتاني على دراعي خلَّاها تقلق من النوم، رفعت دماغها من على المخدة وبصَّت ناحيتي وقالت بنبرة كلها نوم:
-خير يا مدام "عبير"، الواد تعبان ولا إيه؟
كُنت واصلة لمرحلة مش قادرة أحدد إن كانت المشكلة فيها ولا فيّا ولا في الشَّقة نفسها، ليه بشوف منها نسختين؟ وليه النسخة التانية منها بتختفي؟ وليه بعد اللي بيحصل بلاقيها بتتعامل بشكل طبيعي وكأن مفيش حاجة غريبة، أصل ده مالوش غير معنى واحد، المشكلة فيّا أنا، وأنا اللي بقيت أشوف حاجات مالهاش وجود غير في خيالي، وده تفسيره إني ماشية في الطريق المسدود اللي هينتهي بإني أكون مريضة نفسيًا!
التفكير أخدني لحد ما لقيت الدَّادَة واقفة قدامي، ضربات قلبي زادت ولقيت نفسي برجع لورا، وساعتها الدَّادة قالت لي:
-أحوالك مش عجباني اليومين دول يا مدام "عبير" وقلبي واكلني عليكي.
مكانش على لساني غير سؤال واحد، ولقيت نفسي بسأله بدون ما أحِس:
-أنتي قُمتي من السرير إمتى يا دَادَة؟
-مش بقول لِك أحوالِك مش عجباني، نور الصالة قَلقني من النوم، لقيت الباب مفتوح ولقيتك واقفة تبُصّي عليّا والواد على دراعك، ولمَّا سألتك إذا كان الواد تعبان مردَّتيش عليا، نزلت من السرير ومشيت لحد عندك ووقفت قدامك وأنتي سرحانة في دنيا تانية، إيه الحكاية متخلّيش قلبي ياكلني عليكي أكتر من كده!
كلامها رماني في دوامة ضلمة، إزاي نزلت من السرير وجَت لحد عندي ووقفت قدامي بدون ما أشوف كل ده، زي ما يكون نزل على عيني حجاب مَنعني أشوف اللي بيحصل قدامي.
محسِّيتش بنفسي غير وهيَّ بتاخد "سليم" من على دراعي، ولمَّا رفضت إنها تاخده لأني بقيت خايفة منها ومش فاهماها قالت لي:
-شكلك دايخة والواد هيقع مع على دراعك، ادخلي ارتاحي وأنا هقعد معاه.
لقيت نفسي بسيب لها الواد، وده لأني بقيت مقتنعة إن المشكلة فيَّا، دخلت أوضتي وقفلت الباب عليّا، قعدت في سريري ومكُنتش بفكَّر في النوم، أنا كنت عايزة أتكلم مع "هيثم"، مسكت التليفون وطلبت رقمه، ورنَّة ورا التانية لحد ما رد عليا، الغريبة إن صوته بيقول إنه مكانش نايم، ولمَّا لاحظت ده سألته:
-لمَّا أنت صاحي ليه اتأخَّرت في الرَّد عليا؟
لاحظت إنه بيتأفِّف وكأن كلامي تقيل على قلبه، وبعد ثواني سألني ببرود:
-عاوزة إيه يا "عبير"؟
طريقته كانت باردة، عشان كده قُلت له:
-دَه اللي ربّنا قدَّرك عليه؟ بتسألني ببرود عاوزة إيه؟ مفكَّرتش إني لمَّا أكلِّمك في وقت زي ده إن ممكن يكون في كارثة حصلت؟
-ماشي يا ستّي، إيه الكارثة اللي حصلت؟
-أنت ليه بقيت مُستفِز؟ إيه البرود اللي نزل عليك فجأة ده!
-يعني متصلة بيّا عشان تقولي الكلام البايخ ده؟
-ده أبسط رَد على طريقتك المستفزة.
-طيِّب قصَّري في ليلتك وقولي عايزة إيه؟
-مُش عايزة حاجة، وأنا غلطانة إني رنّيت عليك.
-أيوا، نَكَد الحريم بدأ أهو.
-هي وصلت للدرجادي؟
-قصَّري في ليلتك يا "عبير" واقصِري الشَّر، أقول لِك حاجة، سيبك منّي أنا وأنتي، "سليم" كويّس؟
-لسَّه رايح تسأل عنه؟ وبعدين أنتي صاحي في وقت زي ده واتأخرت في الرد عليا ليه؟
-اللهم طوِّلك يا روح، اقفلي يا "عبير"، شكلك سهرانة ورايقة وعاوزة تتخانقي وخلاص.
خلَّص كلامه وقفل المكالمة في وشّي، مقدرتش أنزّل التليفون من على وداني من الذهول، أول مرَّة "هيثم" يكلمني بالطريقة دي، عُمري ما قال عن كلامي بايخ، ولا أنا قُلت له طريقتك مستفزة، ولا عُمري فكَّرت أنكِّد عليه زي السّتات ما بتنكّد عشان يقول لي الكلام ده، وبسبب اللي حصل وبروده اللي اتفاجئت به؛ لقيت تفكيري أخدني لناحية عُمر ما فكَّرت فيها، أكيد "هيثم" عارف واحدة عليّا واتأخَّر في الرَّد لأنه كان بيتكلم معاها، وطريقته في كلامه معايا بتأكّد على كده، لأني العزول اللي قطع عليه كلامه مع اللي دخلت حياته جديد، وقال على رأي اللي قال: "لو البيّاع اتأخَّر في الرد اعرف إنك مش الزبون الوحيد".
لحد هنا نزلت التليفون من على ودني، بَس قبل ما أحطه على الكومودينو؛ بعت رسالة لـ "هيثم" وطلبت فيها الطلاق، وده أنسب رد على طريقته معايا، واللي أكّد شكوكي إنه شافها ومردّش عليها ولا حتى كلِّف نفسه يكلمني ويحاول يحل الموقف!
خرجت من أوضتي عشان أطمِّن على "سليم"، لقيته في الصالة بيلعب والدَّادَة قاعدة معاه، قعدت معاهم ودماغي مشغولة بالدربكة اللي حصلت فجأة في حياتي، الوقت فات، وفي الشوية اللي قعدتهم فضلت أقلِّب في تليفوني، وده لأني قررت آخد آخر خطوة ممكن أمشيها في حياتي؛ الدكتور النفساني، مٌش لإيماني بإني بقيت مريضة نفسيًا، لكن إحساسي بإني على بداية الطريق خلّاني آخد القرار ده، لأني على قناعة إن كل مشكلة في بدايتها بتكون بسيطة، كل مرض في بدايته علاجه سَهل؛ فقرَّرت أروح وألحق نفسي وأنا لسَّه في أوّل الطريق قبل ما أوصل لنهاية مسدودة.
الصدفة خدمتني ولقيت دكتور نفساني في منطقة قريِّبة، أخدت اسمه وعنوانه اسكرين شوت، وتاني يوم؛ سيبت "سليم" مع الدَّادة بعد ما طلبت أوبر وأخدت بعضي ورُحت عيادة الدكتور النفساني.
قعدت في الريسيبشن بعد ما سجّلت اسمي وحجزت كشف، مكانش في حد غيري، ورغم كده من وقت للتاني كنت ببُص للسكرتيرة وعلى لساني أسألها عن سبب انتظاري، بَس لمَّا جِبت أخري سألتها وقُلت لها:
-أنا هنتظر كتير؟
عينيها راحت ناحية باب أوضة الكشف وبعدها قالت لي:
-حضرتك اللمبة الحمرا منوَّرة، وده معناه إن الدكتور معاه مريض، جايز مرضى الدكاترة النفسيين مبيكونوش كتير؛ لكن بياخدوا وقت، لمَّا حضرتك هتدخلي هتشوفي بنفسك.
مكانش قدامي غير إني أقعد، من وقت للتاني عيني كانت بتروح على اللمبة الحمرا، لحد ما لقيتها انطفت بعد ساعة كاملة من كلامي مع السكرتيرة، وبعد ثواني باب أوضة الكشف اتفتح وخرج منُّه واحدة مُنقَّبة، بَس كان في شعور جوّايا بيقول: إنها مُش مُنتقبة، وإنها لابسة النقاب مؤقتًا عشان محدّش يعرفها وهي جاية عند الدكتور، أصل حسب معرفتي، إن أغلب اللي بيزوروا الدكاترة النفسيين بيحاولوا يداروا نفسهم عن الناس عشان الكلام اللي كلنا عارفينه، كل ده دار في بالي بمجرَّد ما شُفتها خارجة من الباب، بَس اللي كان خارج توقُّعي، إن بمجرَّد ما عينها جَت عليا بصَّت ناحيتي واتجمّدت مكانها، ساعتها حسّيت إني في نُص هدومي، لكني قُلت في بالي: زيي زيها ومفيش حد أحسن من حَد، وزي ما أنا جاية أتعالج عند دكتور نفساني، هي نفسها لسَّه خارجة من أوضة الكشف بتاعته.
كبّرت دماغي منها وبصّيت للسكرتيرة؛ اللي شاورت ناحية باب الأوضة وقالت لي:
-دورك يا مدام، تقدري تدخلي.
دخلت أوضة الكشف وقعدت على الكرسي اللي قدام مكتب الدكتور، كان بيتكلم في التليفون الأرضي وبيكتب في ورقة قدامه، ولمَّا بصيت في اللي بيكتبه ولمحت اسمي، عرفت إنه بيكلّم السكرتيرة وبياخد منها بياناتي، وبعد ما حط سماعة التليفون وقرأ اسمي مرَّة تانية؛ لقيته فتح أوراق كانت في جنب على مكتبه وبَص فيها، ورجع بَص في الورقة اللي فيها اسمي من تاني، وبعدها ابتسم وقال لي:
-طمنيني عليكي يا "مدام" عبير.
بلعت ريقي، مكنتش قادرة أقول له إني بخير، ببساطة لأني لو بخير مكانش زماني قاعدة قدامه دلوقت، عشان كِدَه اكتفيت إني قُلت له:
-الحمد لله.
-خير، إيه المشكلة اللي عندك؟
بدأت أحكي لُه عن اللي بيحصل معايا، لاحظت إنه بيكتب ورايا كل كلمة بقولها، ولمّا خلَّصت كلامي قال لي:
-أنتي عايشة لوحدك؛ مظبوط؟
-أيون؛ قُلت لحضرتك إن جوزي مسافر.
-سَفر جوزك مأثَّر على نفسيِّتك؟ يعني بتحسّي إنك مخنوقة أو مكتئبة أو عندك ملل.
-مُش قادرة أحدد بالظبط، لكن آخر مرَّة كلِّمت جوزي حسِّيت بتغيُّر مفاجئ، أسلوبه كان غريب وكأن واحد غيره هو اللي بيتكلم، حصل بينا شَد لدرجة إني بعد المكالمة بعت لُه رسالة طلبت الطلاق.
-بغض النظر عن حكاية اللي بعتّيه في الرسالة، أي سِت بتشِد مع جوزها في الكلام بتقول له: طلَّقني، خلينا نخرج من الدايرة دي ونقول كلام علمي عشان نقدر نشخَّص المشكلة ونحلّها.
انتظرته يكمل كلامه، قعدت أسمعه وهو بيقول:
-اللي واضح قدامي إنك بتعاني من اكتئاب، وغالبًا ناتج عن ضغوط مرّيتي بيها، وقبل ما تقولي إن جوزك مسافر ومستواكي المادي كويّس؛ ومعاكي دَادَة بتساعدك في البيت ومفيش عندك مشاكل تخليكي تعيشي في ضغوط؛ أحب أقول لِك إن الضغوط ممكن تبقى تراكمية، وقبل ما تسأليني أقصد إيه؛ خليني أشرح لِك: ممكن موقف عابر زعلتي بسببه وأخد وقته وراح لحاله، لكنه بيسيب أثر نفسي بسيط حتى لو مكنتيش واخدة بالك، وموقف ورا موقف وأثر ورا أثر بيتراكموا فوق بعضهم، ولأن أغلب النّاس مبيحاولوش يتخلّصوا من الأثر النفسي للصدمات والمواقف؛ فبمرور الوقت كل ده بيتراكم وبيظهر تأثيره فجأة، بمعنى إن الجبال من الحصى زي ما كلنا عارفين، عشان كده خلينا ناخد مُهدّأ وشوية أدوية بسيطة، ونشوف النتيجة وبعد كده نقرَّر.
أخدت روشتة العلاج ومشيت، بعد ما كتب لي ميعاد الزيارة التانية، وقبل ما أرجع شقتي عدّيت اشتريت اللي فيها من صيدلية في الطريق، بدأت في برنامج العلاج من أول يوم، لكن مع الأيام لقيت إن مفيش تغيير، لسَّه بشوف نسختين من الدَّادة، نسخة غريبة بتظهر وتختفي فجأة، والنسخة العادية اللي بتتعامل بشكل طبيعي، لكن برضه من وقت للتاني بلاقيها بتصرخ من غير سبب وبتحصل منها تصرُّفات غريبة، لدرجة إني سألتها في مرَّة لمَّا فاض بيا وقُلت لها:
-بتصرخي ليه وإيه حكايتك؟ أنا مبقتش فاهمة حاجة!
ساعتها بصَّت في ركن من الصالة وقالت لي:
-إحنا مُش لوحدنا، في حد عايش معانا ومكنتش عاوزة أجيب سيرة الحكاية دي.
بصّيت ناحية الركن اللي بتشاور عليه ولقيته فاضي، بَس معرفش ليه مكنتش قادرة أنكر كلامها، جايز لأني شُفت بعيني حاجات غريبة مالهاش تفسير، لكني رديت على كلامها وقُلت لها:
-الركن اللي بتشاوري عليه فاضي.
-لأ مُش فاضي، الأستاذ "هيثم" جوز حضرتك واقف في ركن الصالة وبيبُص علينا دلوقت!
مكنتش قادرة أصدَّق وداني، وفي نفس الوقت مش قادرة أكذّب عينيا، "هيثم" مسافر من فترة طويلة، دَه غير إنه مكلّمنيش من بعد ما بعت لُه الرسالة، لكن عشان معطيش فرصة للدَّادة إنها تغيَّر كلامها قُلت لها:
-أنتي متأكّدة من كلامك ده؟
-أكيد متأكّدة!
قفلت معاها الكلام لحد هنا وطلبت منها تطلع أجازة، بعدها أخدت "سليم" ورُحت على "نيفين" أختي، لأن بعد اللي شُفته واللي الدَّادة شافته مكانش ينفع نفضل في الشقة، خصوصًا إني لسَّه بشوف اللي بشوفه بعد العلاج ومفيش حاجة اتغيَّرت.
وصلت عند أختي، ولمَّا استغربت زيارتي المفاجأة على غير العادة، قُلت لها: إني اقتعت بكلامها وقرَّرت أقعد معاها فترة، وإني أقنعت "هيثم" جوزي ووافق، وطبعًا مجيبتش سيرة عن اللي حصل بيني وبينه، ساعتها رحَّبت بيّا كالعادة ودخلت المطبخ تعمل قهوة، ولمَّا خلَّصت شربنا القهوة وقعدنا، شوية تلعب مع "سليم" وشوية ندردش، لحد ما حسّيت بتُقل في دماغي، افتكرت إني مقصَّرة في حق نفسي وبقالي فترة مبنامش كويس بسبب اللي بيحصل معايا، عشان كِده سيبت "سليم" معاها ودخلت أنام، وفي الأوضة وبمجرَّد ما حطّيت راسي عل المخدة استلمت رسالة على تليفوني، ولمَّا بصّيت عشان أشوف مين باعت لي؛ لقيتها رسالة من "هيثم"، قرأتها من برَّه لأني مقدرتش أفتحها، كانت رسالة قصيرة ومختصرة ومكتوب فيها: "خلاص طلَّقتك، ورقتك هتوصلك قريب"!
معرفش جالي منين شعور اللا مبالاة اللي سيطر عليا، مكانش عندي أي رد فعل على الرسالة، يعني لا زعلت ولا فرِحت ولا حتى انصدمت، قلبت التليفون على وشُّه ونِمت، ولمّا قُمت من النوم بدأت أمارس حياتي بشكل طبيعي، وكنت باخد علاجي في السِّر عشان أختي متاخدش بالها.
الأيام فاتت على الحال ده، ومع الوقت بدأت أشوف الدَّادَة "أمينة" من تاني، بس المرَّة دي بقيت أشوفها عند أختي، ساعتها عرفت إن العلاج مالوش أي لازمة، لكني قرَّرت أكمل لحد ما أروح في ميعادي الجاي للدكتور.
في الفترة دي كنت بقضّي وقت طويل على التليفون، أي حاجة كانت بتيجي قدامي كنت بقرأها، تقدروا تقولوا بسلّي وقتي وبشغل نفسي عن اللي بقيت فيه، لحد ما في مرَّة كنت بسكرول على فيس بوك وقابلني بوست لواحدة عندي في الأصدقاء، كانت مشيَّرة بوست من أكاونت واحد مسمّي نفسه معالج روحاني، كان بيتكلم عن سبب إن شخص يشوف حاجات غريبة؛ أو تحصل معاه أمور مش مفهومة، الكلام شَد انتباهي فبدأت أقرأ، اللي مكتوب في البوست أغلبه كان بيحصل معايا، والصدمة إن في نهاية البوست قرأت إن السِّحر سبب كل ده، وإن طريقة فَك السِّحر لازم نتواصل مع المُعالج عشان نعرفها.
بدأت أفكر في السبب اللي يخلّيني أشوف نفس الأحداث برغم إني باخد علاجي، وقُلت ليه ميكونش السِّحر ورا كل ده، أنا فكّرت بالطريقة دي لأني كنت زي الغريق اللي بيدوَّر على قشّاية يتعلَّق فيها، دَه اللي اضطرّني أدخل أكلم الشيخ، بعت له رسالة حكيت فيها عن كل اللي بيحصل معايا وانتظرته يرد عليا، مفاتش وقت طويل واستلمت منُّه رسالة بتقول: إن اللي بيحصل ده بسبب سِحر اتعمل ودخل الشقة، وإنه لازم يتفَك والشقة تتطهَّر، دَه غير إنه طلب منّي العنوان، ولمَّا رديت عليه ورفضت؛ قال إن الموضوع لسه في بدايته والخلاص منُّه بسيط، لكن لو اتمكّن الخلاص بيكون صعب وفاتورته تقيلىة، دَه غير الخساير اللي هخسرها طول ما السِّحر موجود.
كنت بقرأ كلامه وأفكار كتير بتدور في راسي، الدَادة اللي بقت لغز، جوزي اللي اتغيَّر فجأة والخلاف اللي حصل بيني وبينه من مفيش، لدرجة إني حاليًا بقيت طليقته، عشان كِده طاوعت المُعالج وعطيته العنوان، وفي الميعاد اللي حدّدناه اتحججت لأختي إني رايحة أسحب فلوس من البنك، بعدها خرجت ورجعت على شقتي، ولمّا وصلت العمارة طلبت من البواب يجيب مراته ويطلع الشقة، وعرَّفتهم إن في شيخ جاي يرقي الشقة، لأني مينفعش أقعد معاه لوحدي، وفعلًا طلعوا ورايا وانتظرنا المُعالج اللي وصل بعد نُص ساعة من وصولي، ولمّا دخل الشقة لقيته بيبُص في الأركان وعينه رايحة جاية على كل حاجة قدامه، بعدها قعد على كنبة الصالون وبدأ يقرأ قرآن وأدعية، وخصوصًا الآيات اللي بتتكلم عن السِّحر والجِن..
في البداية الكلام كان عادي، بس مع الوقت حسيت إن جسمي بيسخن وحرارة الشقة بتزيد، العَرق بدأ ينزل من كل حتة فيا، أنفاسي بدأت تتقل وضربات قلبي بدأت تزيد، الدنيا دارت بيا، وساعتها مرات البواب قعدت جنبي وبدأت تمسح العرق من على جبيني.
الشيخ فضل يقرأ، وبعد شوية سمعت صوت حاجة اترزعت، وبرغم إني شبه غايبة عن الوعي؛ لكن قدرت ألمح برواز المنظر الطبيعي اللي ورا كنبة الشيخ وهو بيترزع، كأن في حاجة سحبته بعيد عن الحيطة وسابته اترزع فيها، وهنا الشيخ قام ورفع البرواز وبدأ يبٌص وراه، وبعد ثواني مَد إيده وراه كأنه بيمسك حاجة، ومفيش ثواني ولقيت إيده راجعة وفيها كيس أسود ملفوف وحوالين منُّه خيط،، مكنتش مستوعبة اللي شيفاه لدرجة إني بحلقت فيه وأنا مذهولة، وساعتها الشيخ مَد إيده ناحيتي وقال:
-دَه اللي قلب حياتك، وكان لسَّه هيقلبها أكتر.
بعد ما خلَّص كلامه بدأ يفِك الكيس، كان فيه كومة شَعر من شعري وورقة لونها أبيض مكتوب فيها حاجات غريبة باللون البُني، الشيخ طلب مَيَّه بملح، مرات البواب دخلت المطبخ جابت طلب الشيخ ورجعت، ساعتها الشيخ حط فيهم الكيس باللي فيه وبدأ يكمل قراءة قرآن، ولمَّا خلَّص قال:
-السِّحر انتهى، ناقص بس تحصّني نفسك والشقة، لازم تصلّي وتقرأي وِرد يومي من القرآن، دَه غير أذكار الصباح والمساء، وكمان لازم الشقة تتمسح بالمَيَّه والملح لمدة سبع أيام.
كان عندي فضول أعرف مين اللي حط الأذى ده في شقتي، عشان كِدَه سألت الشيخ:
-مين اللي حط السِّحر؟
-إحنا مسموح لنا نفِك الأذى ونخلَّص النّاس منُّه، لكن مش مسموح لنا نكشف ستر حد، بَس على أي حال، اللي حط السِّحر شَخص إيده طايلة المكان هنا.
مكانش عندي أدنى شك إنها الدَّادَة، لأن مفيش حد بيدخل هنا غيرها، وكمان مين اللي هيطول شَعري ويعمله أطر ويستخدمه في السِّحر؟
شكرت الشيخ وعرضت عليه فلوس، لكنه قال إنه بيعمل ده لوجه الله، ولمّا الشيخ مشي والبواب ومراته نزلوا، أخدت بعضي ورجعت على "نيفين" أختي، ولمّا وصلت قُلت لها إني هرجع شقتي، لأني كان لازم أكون موجودة عشان تطهير الشقة زي ما الشيخ قال، جهزت شنطتي وبدأت أدوَّر على "سليم"، اللي استخبى لمّا عرف إننا راجعين شقتنا، دوَّرت عليه في كل مكان ملقتوش، ومعادش فاضل غير أوضة أختي، عشان كِدَه دخلتها ودوَّرت عليه، وبالصدفة اتفاجئت إن على السّراحة نفس الروشتة من عند الدكتور النفساني اللي رُحت له، والغريبة إن مكتوب عليها نفس التاريخ اللي كنت فيها هناك، وهنا افتكرت السِّت المُنقّبة اللي بصّت لي ووقفت مكانها بمجرّد ما شافتني، بَس رجعت هزيت راسي بالرفض وقُلت: "نيفين" أختي مُش منقّبة، كل ده كان بيدور في بالي لحد ما سمعت نَكش ورا باب الأوضة، فهمت إن "سليم" مستخبي وراه، رُحت عند الباب وشدّيته وفعلًا لقيته موجود، وبسبب اللي عملته شُفت نقاب متعلَّق على شماعة متدارية ورا الباب، ومن هنا عرفت إن "نيفين" بتتعالج نفسيًا في السِّر، وإن اللي حسيته ناحبة الست المنتقبة صح.
محبّتش أتكلم معاها في الحكاية دي وأقتحم خصوصياتها، زي ما هي شافتني هناك ومفتحتش الموضوع، عملت إني معرفتش حاجة. أخدت "سليم" وجهزت نفسي ومشيت، ولمَّا وصلت شقتي اتصلت بالدَّادَة وطلبت منها ترجع، ولمّا رجعت واجهتها بكل حاجة، وبعد ما عرَّفتها إن سرَّها انكشف قُلت لها:
-لو عطيت لقمة لكلب هيفضل وَفي ليّا طول عمره، لكن أنتي محصّلتيش كلب، بتسحري للنّاس اللي بتاكلي عيش من بيتهم!
ساعتها انهارت قدامي وقالت:
-صدّقيني مُش أنا يا مدام "عبير"، مُش هنكر إن أنا اللي حطيت الكيس ورا البرواز، لكن اللي عطتني الكيس "نيفين" أختك، لأني في مرَّة نزلت أجيب طلبات ولقيتها منتظرة تَحت ومعاها الكيس، وساعتها عرضت عليا فلوس كتير عشان أوافق، ولأني محتاجة الفلوس وافقت، كُنت مُضطرَّة عشان ظروفي ومفكّرتش إن الحكاية هتوصل لحد كده، ومن وقتها وهي معاها رقمي وبتكلمني من وقت للتاني تعرف الأخبار، أنا كُنت بشوف كيان غريب مالوش ملامح بيظهر من وقت للتاني، ولمّا اتصلت بيها وقُلت لها على اللي بيحصل قالت لي: مهما حصل خليكي على طبيعتك، عشان كده لمّا قُلت لك في حد معانا وحسيت إني هقع بلساني؛ قررت أقول إنه الأستاذ "هيثم"، عشان مقولش الحقيقة،أنا اتأذيت زيك بالظبط بسبب السِّحر اللي حطيته بإيدي بس كنت بحاول أكون طبيعية، سامحيني يا مدام "عبير" مكنتش قصدي أأذيكي، كل الحكاية إني كنت محتاجة فلوس عشان ظروفي.
برغم كلامها والندم اللي كانت فيه طردتها؛ لأن اللي يضربك في ضهرك مرَّة هيضربك كل ما تيجي فرصة، وبعدها بعت رسالة للمعالج وحكيت فيها عن اللي حصل، وساعتها بعت لي رسالة قال فيها: "إن طالما الحكاية انكشفت، يبقى لازم أعرف إن السِّحر اللي اتعمل سِحر تفريق، اتعمل على خصلة من شعري في الحّمام واتكتب بأطري، وإن اللي بشوفها مكانتش نسخة تانية من الدَّادة ولا حاجة، ده خادم السِّحر اللي كان بدأ في تنفيذ مهمته عشان يطفّشني من شقتي ويخرب عليا أنا وجوزي، وهوَّ برضه اللي الدَّادة كانت بتشوفه، وإن "سليم" كمان كان بيشوفه عشان كده كان بيبكي".
حسّيت بنار قايدة في جسمي كله، خصوصًا لما قال إنه اتكتب بأطري، ساعتها افتكرت الكلام البُني اللي على الورقة اللي في العمل، ده لون القهوة! وافتكرت أختي اللي خرجت من الحمام بعد وقت طويل، من غير ما أسمع صوت مَيَّه أو سيفون أو أي شيء طبيعي، ولحد هنا افتكرت مواقف مشابهة زي دي حصلت قبل كده، ودلوقت فهمت سببها، ده غير شَعري طبعًا اللي دايمًا بيكون متساب هناك في المشط اللي على السراحة.
مكنتش لا على حامي ولا على بارد لحد ما النهار طلع وبقينا قُرب الضُّهر، ساعتها أخدت "سليم" وخرجنا، بَس المرة دي طلعت على الدكتور، وهناك صممت أقابله وحكيت له عن كل حاجة، وبعد ما خلصت كلامي قال لي:
-أنا دكتور، يعني مقدرش أنكر رأي الطب وأقول إن اللي بتقوليه هو اللي صح، وفي نفس الوقت مقدرش أنكر اللي بتقوليه لأنه واقع موجود، ولو واحد أنكر السِّحر في ألف واحد هيشهد بوجوده وتأثيره، الخُلاصة؛ "نيفين" أختك بتتعالج عندي من فترة وبتيجي العيادة وهي لابسة نقاب، ده اللي خلّاني لمّا السكرتيرة بلغتني باسمك أتأكد من الأوراق اللي عندي بسبب تشابه الأسماء، اللي اتضح لي منها إنكم أخوات، وفي نفس الوقت مكانش ينفع أقول حاجة زي دي أو أسألك عن الاسم لأن دي أسرار مرضى، ودخول أختك العيادة على إنها مُنتقبة معناه إنها مش عايزة حد يعرف، ده اللي خلاني أتعامل معاكم باعتباركم اتنين متعرفوش بعض. أختك بتعاني من اضطرابات نفسية وبتتعالج منها، بَس ده مش مبرر للي عملته، خصوصًا إن طول فترة العلاج ملاحظتش عليها أي سلوك عدواني، مجرد مرض نفسي عارض بييجي لأغلب الناس بنسب متفاوتة، والناس بتعيش وبتتعايش معاه عادي، لكن في ناس بتروح لدكاترة نفسيين على أتفه الأسباب، كل واحد حُر ومن حقه يروح لدكتور نفساني وقت ما يحب أو مَيروحش خالص.
خرجت من عند الدكتور، ولو عاوزين تعرفوا سبب زيارتي لُه؛ فأنا كنت عايزة أتأكد إن اللي شُفتها بالنقاب وهي خارجة من أوضة الكشف أختي ولا لأ، برغم إني شُفت بعيني النقاب والتاريخ بالروشتة، لكن كنت عايزة أقطع الشك باليقين، أو بمعنى تاني، كنت عايزة أعرف هي عملت ده تحت تأثير المرض ولا كانت مُدركة للي بتعمله، بَس كلام الدكتور بيقول إنها كانت واعية وقاصدة تعمل ده، وده اللي خلاني لمّا وصلت البيت رنيت عليها وكلّمتها، وأوّل ما ردّت عليا قالت لي:
-المرَّة الجاية مُش هتخلصي.
مكنتش مستوعبة كلامها، بَس كنت فاهمة كويس إن الدَّادَة كلِّمتها وبلَّغتها إن الحكاية انكشفت، وهنا لقيت نفسي بسألها سؤال واحد:
-ليه؟
-أنا اللي عايزة أسألك ليه؟ ليه أنتي اللي اتجوّزتي؟ ليه أنتي اللي العِرسان كانت بتيجي عشانك؟ ليه أنتي اللي بقى عندك بيت وحياة وخلّفتي ومعاكي راجل شايلك من على الأرض شيل؟ لدرجة إنه جايب لك دَادَة تعمل كل حاجة بدالك، الدَّادَة اللي باعتك لمّا شافت الفلوس، وبالمناسبة؛ أنا دخلت عليكي وأنتي نايمة وشُفت تليفونك اللي قلبتيه وقرأت رسالة جوزك، أقصد طليقك، كانت لسه زي ما هي على الشاشة، ساعته بَس حسّيت إن النار اللي جوّايا من ناحيتك بدأت تنطفي.
قفلت في وشها ومكنتش مستوعبة اللي بسمعه، ملقتش قدامي غير "هيثم"، كنت عاوزة أرن عليه وأتكلم معاه وأحكي له لكني اترددت، بَس الوقت فات وتليفوني رَن، وساعتها لقيته "هيثم"، ما صدقت شُفت اسمه على شاشة التليفون ورديت عليه:
-آلو.
-إزيك يا "عبير"؟
-أنا تعبانة يا "هيثم"، وعاوزة أحكي لك عن حاجات كتير.
-أنا كمان معرفش إزاي اتكلمت معاكي بالطريقة دي، ليلتها قمت من النوم مخنوق لأني حضرني جاثوم، ومن بعدها عيني مشافتش النوم، ده سبب الطريقة الي اتكلمت معاكي بيها، وبعدها الكلام جاب بعضه ولقيتنا واقفين لبعض على الواحدة، والمشكلة كبرت ووصلت لطلاق، حقك عليا، أنا هرُدّك وهعمل لِك ورق أنتي و "سليم" وتيجوا تعيشوا معايا إقامة دايمة.
الأيام فاتت و "هيثم" ردّني، وبعدها سافرنا، وهناك عرف كل حاجة، معلَّقش على اللي سمعه واكتفي بإنه قال لي: إن أمان الواحد بيته، وإن أي حد مهما كان معادش له أمان في الزمن ده، وإن أحقاد الناس أحيانًا هي اللي بتتحكم في تصرُّفاتها.
من بعد ما سافرت قطعت علاقتي بـ "نيفين" والدنيا معايا بقت طبيعية، معدتش بشوف أي حاجة، لدرجة إني بعد كان شهر استلمت رسالة من المُعالج، كان بيطمن فيها على أحوالي وبيسألني لو في حاجة جديدة ظهرت ولا لأ، طمّنته إن الدنيا تمام وبلَّغته إني سافرت، ساعتها قال: إني بقيت في أمان، لأن مفيش سِحر بيعدّي البحر المالح، والبلد اللي بقيت فيها في بينّا وبينها بحر مالح، ولو كان طال جوزي المرَّة اللي فاتت؛ فده لأنه طاله عن طريقي، لكن طالما بقيت بعيدة مفيش حاجة هتطولني..
وفعلاً؛ من وقتها والدنيا اختلفت معايا، ده أنا حتى خاويت "سليم" وجبت له أخ، ومن وقت للتاني بفتكر اللي حصل معايا وبقعد أذاكر فيه، وبرغم إن حالتنا ميسورة، لكن بعد ما رجعت لـ "هيثم" بقيت شايلة كل حاجة لوحدي وبعمل حاجتي بنفسي، لأني رفضت يجيب لي دَادَة لمّا عرض عليّا عشان أتفرَّغ للعيال، لأني مش هتلدغ من نفس الجُحر مرتين.
تمت...








































