ذات مرة تناول حصان يجيد الكتابة وجبة الغداء في مناسبة عامة بصحبة غزالة برية، وكان الغداء في أحد تلال غابة إفريقية.
والغزالة هي ابنة سفير الحيوانات بهذه الغابة الإفريقية لدى إحدى الغابات الأوروبية، وتنحدر من عائلة مرموقة في فصيلة نادرة من الغزلان، وهي تجيد مجموعة لغات بحكم تنقلها مع والدها في أثناء طفولتها بعدد من غابات العالم.
سألها الحصان عن السر في اتقانها هذه اللغات، فقالت مجموعة من الأسباب، من بينها: أنها تحب مخالطة كل فصائل الحيوانات في كل الغابات.
ثم حكت له أنها تعلمت بعض هذه اللغات عندما كانت تعيش برفقة جدتها في غابة نائية عن الغابة الإفريقية المركزية، ولأنها تحب مخالطة كل أنواع الحيوانات في الغابة؛ فقد استأجرت وكرا بسيطا في منطقة متواضعة يعيش فيها القرود والتماسيح وبعض الحشرات وكلاب الصيد والسراقيط والفئران.
المفارقة أن الحصان من دقة وصف الغزالة لهذا المكان تذكر أنه يعرفه معرفة وثيقة وزاره عدة مرات؛ فقال لها: "كيف تمكنت أيتها الغزالة الرقيقة من الإقامة في هذا المكان البسيط وأنت الغزالة المرفهة التى ولدت وتربت في غابات أوروبا وتعلمت الفلسفة بين شجيرات الموز في مستنقع بركة رائقة الماء تحت سفاح جبال العاصمة الإسبانية مدريد؟!".
قالت: أيها الحصان الألمعي.. دعني أخبرك بحكمة تعلمتها من والدي: "أولاد الأصول في أي غابة لا يمكن لهم أن يتكبروا على الحيوانات البسيطة وهم يتأقلمون مع الحياة بشكل طبيعي في كل الظروف، أما الحيوان الذي يتكبر فهو محدث نعمة ولا يمكن أن يكون له أصل، ولا يمكن أن يكون قد تلقى تربية مناسبة في جحر والده".
قال لها الحصان: وهل تعرفين هذه النوعية المصطنعة من الحيوانات محدثي النعمة؟!
قالت الغزالة: نعم.. أعرفهم بسهولة.. من ملابسهم الفاضحة غير المبررة في الأماكن العامة.. ومن تظاهرهم بتقليد حيوانات أوروبا على الشواطئ في الصيف.. ومن تعمدهم الحديث باللغات الأجنبية.. ومن ضعفهم في لغة غابتهم القومية.. ومن ابتعادهم عن عشش العبادة".
قال: عزيزتي الغزالة.. هل تسمحين لي بنقل هذه الأفكار الملهمة إلى سكان الغابة الذين يقرأون لي؟!
قالت: بالطبع نعم أيها الحصان العربي الأصيل، لكن بشرط ألا تذكر اسمي؛ لأني نسيت أن أخبرك بأهم صفة في هذه الطبقة الجديدة من الحيوانات.
قال: ما هي؟
قالت: يتحكمون الآن في موارد الطعام بالغابة، وهم مؤثرون في كل قرار يتخذه الأسود.