آخر الموثقات

  • بعض من الأنانية يجدي
  • عيونك دليلي
  • المحاولة… أعلى مراتب الحب
  • عن السفير الأم ريكي المج رم "مايك هاكابي" والدواعش والإخوانجية والذين منهم
  • كستور
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة مريم توركان
  5. أفطرتُ بسورة طه
⭐ 0 / 5

فجرٌ جديدٌ ينبلج، لا زالَ البلاء قائمًا كما هو، بل أشدُّ صعوبةً من ذي قبل.
للَّهِ أُمّي وجدّي وخالي وعمّي، ومن قبلهم أخي وأبي.
لا بأسَ عليكم بعدَ اليوم، إنَّما البأسُ كُلّهُ عليَّ أنا، أنا المظلوم ظُلمًا فاحشًا، لكنْ الحمدُ لِلَّهِ على ما شاءَ وقدّر.
حملَ (صالح) آمالهُ البائسة بنفسهِ المُتعبة، وخرجَ من خلف جدار بيته المَنْقُوضِ بفِعلِ القصف الإ..سرائيلي، ليؤدي صلاة الفجر بالمسجدِ المَنْقُوض هو الآخر.
تيممَ ونادى بالمُزلزلة: اللَّهُ أكبر، دوى قصفٌ عنيف بجوارهِ فما زادهُ إلَّا خشوعًا!
أكملَ صلاتهُ دونَ أنْ يلتفت ثُمَّ جلسَ يذكر ربّهُ حتّى الشروق.
على الجانبِ الآخر، اجتمعَ السيّد المسؤول عن العدوان على غـ..زّة بعددٍ من القادة، وأمرهم بتشديدِ الحِصار وتضييق الخِناق؛ ليستميلَ بذلكَ قلوب المصريين ومن ثَمَّ يهرعوا لفتحِ الحدود فيدخل الغزّاويّة، ومن بعدها يلقونَ حتفهم بأرضِ سيناء على أيدي الأعداء.
_ عُذرًا سيّدي، وهل سيقع المصريونَ في هذا الفخّ؟
قالها أحد القادة على استحياء.
السيّد المسؤول بمكرٍ: سيحدُثُ إنْ فعلتم ما آمركم به، فالمصريون أهل عاطفة، أنسيتم الذهب الذي أعاروهُ لأجدادنا قبلَ أنْ يهربوا من فرعونَ وبطشه؟
هُم أهل عاطفة كما قُلتُ لكم، لذا سنضغط على تلكَ السمة فيهم، لرُّبما ننجح يومًا ما!
لا تُشغل بالكَ حضرة القائد دانيال.
أومأ لهُ القائد دانيال أنْ حسنًا.
التفت السيّد المسؤول إلى قائد الكتائب الإلكترونيّة السيّد ديفيد، وقالَ مُحذّرًا: قد قاربت الحرب على تمام العامين ولم يَحدُثُ ما أمرتُكَ بهِ ديفيد.
تلعثمَ القائد ديفيد قبلَ أنْ يُجيب: المعذرة سيّدي، قد فعلنا ما بوسعنا لكنْ لا أعلم ما السبب في عدم...
السيّد المسؤول مُقاطعًا: أمامكَ عشرة أيَّام، إمَّا أنْ تُنفذ ما طُلبَ منكَ أو تقضي ما بقيَ لكَ من عُمرٍ بالمحبس.
أومأ لهُ القائد ديفيد دونَ أنْ يردّ وجبهته تتصبّبُ عرقًا.
نظرَ إليهم السيّد المسؤول وقالَ بثقةٍ زائفة: أوشكَ مشروع إ..سرائيل الكُبرى على التمام.
أمسكَ صالح مُصحفهُ وتلا ما شاء اللَّهُ لهُ أنْ يتلو، ثُمَّ نهضَ مُسرعًا إلى عملهِ الذي أجبرتهُ عليهِ الظروف.
حملَ عدّة العمل على ظهرهِ النحيل وراحَ يُنادي: مَن كانَ لهُ عزيز قد مات فإنَّ العزيزَ حيٌّ لا يموت، وحدّ ربّك يا مظلوم، تضرع إليهِ فهو الحيُّ القيّوم.
سمعتهُ مُسنّة قد أخذَ الحُزن منها الكثير، أوقفتهُ وحدّثتهُ بصوتها الواهن: عزيزي تحت بيتي هذا المَنْقُوض، هلّا أخرجتَ لي بعضهُ لأقبرهُ فيطمئنَّ قلبي؟!
أنزلَ صالح عُدّتهُ على الأرض وتابع: لا تحزني أُمّي، سأفعلُ بأمرِ اللَّه، ولكنْ ليسَ قبلَ أنْ نتناول الإفطار سويًّا.
نظرت إليهِ وقد اغرورقت عيناها، تبسمَ لها وقال: هل تقبلينَ دعوتي على الإفطار أُمّي؟
تبسمتْ والدمع يهطل من مُقلتيها ولم تردّ.
أخرجَ صالح مُصحفهُ من جيبهِ وقال: تفضّلي أُمّي، اختاري ما تشائينَ من الطعام، عندكِ مائة وأربعة عشر سورة، اختاري منها ما يُطعم قلبكِ ويروي ظمأ روحكِ.
بكت المُسنّة وبكى لبُكائها صالح، ثُمَّ قبّلَ يُمناها وتابع: لا تبكِ أُمّي، أهكذا يكون الحمدُ على الهدايا؟
كفكفت دمعها وتساءلت: أيّةُ هدايا ولدي؟
صالح: هدايا الرحمٰن، قد اختصنا دونَ غيرنا لحُبّهِ لنا، لكنْ إنْ أردتِ إلغاء المَيزة التي مَيّزكِ بها عن كثيرٍ من خلقهِ فسليهِ أنْ يكرهكِ!
اندهشت المُسنّة من كلماتهِ الأخيرة وقالت: استغفرُ اللَّهِ العظيم، وهل الحياة حياة دونَ حُبّهِ سُبحانَهُ وتعالى؟
تبسمَ لها صالح قبلَ أنْ يضيف: رَضيَ اللَّهُ عنكِ أُمّي، والآن هيّا تناولي إفطاركِ ولكنْ لا تُكثري.
تبسمتْ المُسنّة وقالت: حسنًا.
أخذت منهُ المُصحف ورتلت سورة الإخلاص عشر مرّات، ثُمَّ قالت: لا حاجةَ لي بالطعام، قد تملّكتُ قصرًا في الجنّةِ الآن عِوضًا عن بيتي المَنْقُوض هذا، حتّى إذا ما مِتُ زفتني إليهِ الملائكة زفًا، وأرجو من اللَّهِ أنْ يجمعني بزوجي وأبنائي ووالداي وإخوتي بهِ.
صالح بعينينِ دامعتين: اللهمَّ تقبّل دُعاء.
حاولَ صالح جاهِدًا إخراج ابنها من تحتِ الأنقاض لكنَّهُ لم يُفلح، شكرتهُ المُسنّة ودعت لهُ بالخير.
أخذَ يُنادي حتّى بُحَّ صوته، فجلسَ بوسطِ الحيّ يلتقط أنفاسه.
خرجَ من بيتهِ مُسرعًا نحوَ الحافلة، استقلّها ثُمَّ هبطَ بإحدى المحطّات، بدّلَ ملابسهُ بلباسِ الجيش، وأسرعَ من طريقٍ آخر ليستقلّ الحافلة الخاصّة بنقلِ الجنود.
كانَ قد أعدَّ عُدّتهُ مُسبقًا فقامَ بصُنعِ هويّة شخصيّة مُزيّفة؛ ليُثبتَ لهم أنَّهُ ضمن فريق الجنود المُرسل إلى القطاع.
شردَ لبعض الوقت حتّى أخرجهُ من شرودهِ صوت أحد الجنود وهو يُخاطب الجميع: يا رفاق، لتعلموا بأنَّها حرب عقيدة، نَحنُ الآن في طريقنا إلى القطاع المليء بالأطفال، الكثير من الأطفال، تعلمونَ جيّدًا ما أعنيه.
نُريدُها بركة دّ..ماء، نسبحُ فيها ونلعبُ بجماجمهم بدلًا من الُكرة.
هذا هو قدرهم، خُلقوا ليكونوا عبيدًا لنا وخدمًا عندنا، لكنْ يبدو أنَّهم قد تناسوا أصلهم، لا بأس، سنُقيم إ..سرائيل الكُبرى قريبًا وسنسحق الجرذان العربيّة بأقدامنا!
وصلوا إلى القطاع، شهقَ حينَ رآه، وتساءلَ بينهُ وبينَ نفسه: أهذا هو القطاع الذي نحسدهم على جمالهِ وروعة بُنيانه؟
وأينَ سُكانه؟
ما هذهِ اللعنة التي حلّت بهم؟
لا يهم، ما يهمّني هو أنْ أجدهُ وفقط.
قد انتصفَ النّهار ولم أتناول شيئًا مُنذُ أنْ أفطرت، عليَّ بتناول أيّة وجبة كي أستطيع البقاء على قيد الحياة لفترةٍ أطول.
قالها صالح مُحدّثًا بها نفسهُ قبلَ أنْ يُخرجَ مُصحفهُ من جيبه.
أخذَ يتلو من سورةِ البقرة ما شاء اللَّهُ لهُ أنْ يتلو، ثُمَّ تركَ جوالهُ الذي يحوي عُدّة العمل، وذهبَ إلى خيمة الجدّة (أريحا).
ألقى عليها السلام ودخلَ بعدما أَذِنت له.
_ أهلًا وسهلًا بكَ صالحي ووليدي الحنون.
قالتها الجدّة أريحا لرؤيتها صالح.
تبسمَ لها قبلَ أنْ يُقبّلَ يُمناها ويُضيف: ما دُمتِ بخيرٍ فأنا بخيرٍ جدّة.
الجدّة بصوتٍ حاسم: هل أصابكَ اليأس يا ولدي؟
صالح بعدما تنَّهد: لو حَدَثَ لكنتُ تحتَ الأنقاضِ الآن جدّة.
الجدّة: إذًا ماذا؟
صالح: مُتعبٌ قلبي يا جدّة.
الجدّة: أضاعَ مُصحفك؟
صالح: بل هو في جيبي.
الجدّة بحسمٍ: بل يجب أنْ يكونَ بقلبكَ لا بجيبك.
صالح: هو ذاك يا جدّة.
الجدّة وقد اقتربت منهُ: أحبّنا اللَّهُ فابتلانا يا ولدي، ماذا نفعل؟
أنطلب من اللَّهِ أنْ يكرهنا أم نرضى فيرضى عنّا ويُرضينا.
_ نرضى جدّة.
قالها صالح وهو يُكفكفُ دمعه.
الجدّة: ستُقيمُ معي من الآنِ فصاعدًا شئتَ أم أبيت.
لم يَكُن صالح ليُخالفَ أمر الجدّة أريحا، المرأة المُعمّرة الوحيدة بحيّهم المنقوض.
تجهزَ الجنود استعدادًا للهجوم البريّ ومن ثَمَّ الإ..بادة الجماعيّة.
عَلِمَ كُلّ جندي موقعهُ في القطاع، وعَلِمَ هو أيضًا موقعه، لكنَّ ذلكَ لم يشغل باله، فكُلّ ما يُفكّر بهِ هو كيفية ولوجهِ للأنفاق؟!
أتى الليل بسدولهِ واقتحمَ الجنود القطاع، تظاهرَ بذهابهِ إلى الموقع المُحدّد له، ثُمَّ أسرعَ بالتسللِ لداخل الأحياء المنقوضة.
خلعَ لباس الجيش واستعارَ زيًّا محلّيًا من إحدى الجُثث، قامَ بارتدائهِ وعجّلَ بالسير.
زكمت آنفه رائحة الموت التي تملأ المكان، تسارعت ضربات قلبه حتّى كادَ أنْ يتوقف!
جلسَ مُسندًا ظهرهُ لجدارٍ مُهدّم بضعة دقائق، ثُمَّ حاولَ النهوض لكنَّ شيئًا ما منعهُ، أخذَ يتحسّس قدمه فإذ بيدٍ قد أمسكت بها!
اتسعتْ حدقتاهُ عن آخرهما، وضعَ يدهُ على فِيهِ ليكتم صرخة فزعٍ لو أطلقَ لها العنان لدوت كَدوي القنابل!
حاولَ النهوض لكنَّ اليد لا تزال تمسك به، حاولَ إفلاتها لكنَّ قبضتها قد اشتدت لبضعة ثوانٍ وأُفلتت من تلقاءِ نفسها.
عَلِمَ أنَّ صاحبها قد فارقَ الحياة، ذرفت عيناهُ وتصدعَ قلبهُ من هَولِ ما رأى.
نهضَ مُحاولًا أنْ يتمالكَ نفسهُ وأكملَ سيره.
_ أتُريدينَ شيئًا قبلَ أنْ أذهب جدّة؟
قالها صالح قبلَ أنْ يذهبَ لقيام الليل بالمسجدِ المنقوض.
فقدَ جُلّ طاقته، شعرَ بدوارٍ شديد، تحاملَ على نفسهِ حتّى وصلَ إلى خيمةٍ شبه محروقة، مدَّ يدهُ إلى بابها المصنوع من القماش، رأتهُ الجدّة فنادتهُ بصوتها القويّ الشديد: مَن أنتَ؟
دلفَ وقبلَ أنْ يُجيبها سقطَ مغشيًّا عليه.
حاولت معهُ حتّى استفاق، رآها فشعر بالذُعرِ والهلع.
ربتت على كتفهِ بحنانٍ وتابعت: لا تجزع يا ابنَ آدم.
نهضَ وجلسَ بجوارها، ثُمَّ سألها: مَن أنتِ؟
تبسمتْ لهُ وقالت: أنا أريحا.
نظرَ للأرضِ بضعة دقائق ثُمَّ قال: وأنا يوسف.
الجدّة بحزمٍ: بل ابن أخيه.
تظاهرَ بعدمِ الفَهم وسألها التوضيح: لا أفهم.
الجدّة: أقصد أنَّكَ من أبناء أخيهِ يهوذا.
نهضَ وقلبهُ يكاد يخرج من قفصهِ الصدري؛ فما نطقت بهِ العجوز هو عَينُ الحقيقة، التي خبأها وزيّفها كي يستطيعَ ولوجَ عالمهم.
التصقَ بجدار الخيمة لا يدرِ ماذا يفعل؟
اقتربت منهُ الجدّة فظنَّ أنَّها ستقتله فأخذَ يترجاها ألَّا تفعل جاثيًا على رُكبتيه.
ربتت هي على كتفهِ بحنانٍ وتابعت: ما كُنّا لنقتُلَ أخانا، انهض يا بُنيّ عليكَ من اللَّهِ السلام.
لم يُصدّق ما سمعهُ، فسألها الوفاء بما قالته، تبسمتْ لهُ قبلَ أنْ تُضيف: لكَ الأمان يا ولدي فلا تخف.
أخذَ يلهث فما كانَ منها إلَّا أنْ قدّمت لهُ آخر جرعة ماءٍ لديها.
تناولها وشكرها ثُمَّ استأذنَ في الخروج فلم تأذن له.
الجدّة: لا تخرج فتُقتل يا ولدي.
_ ومَن الذي سيقتلني؟
أجابتهُ بحسمٍ: بنو إ..سرائيل، لن يُفرّقوا بينكَ وبيننا.
نظرَ إليها وإلى باب الخيمة وهَمَّ بالمُغادرة، لولا أنْ سمعَ صوت الطائرات ودوي القنابل.
تراجع للخلفِ حتّى التصقَ بالجدار.
الجدّة تُناجي ربّها أنْ يحفظَ لها صالح.
لحظاتٍ وعادَ صالح مُلّطخٌ زيّهُ بالدّ..ماء!
_ ما الذي أصابكَ يا ولدي؟
تساءلت الجدّة في هلع.
صالح بعدما جلسَ على مقربةٍ من كُرسيّيها: لا شيء جدّة، فقط حملتُ جُثث مجموعة من الأطفال استشهدوا جرّاء القصف، أسرعتُ إليهم وخبأتهم بمكانٍ أمينٍ بإحدى الديار المنقوضة؛ كي لا يعبثَ بهم جنود بنو إ..سرائيل.
نظرَ إليهِ وتساءل: مَن هذا الغريبُ يا جدّة؟
تبسمتْ لهُ وأضافت: هو ابنُ عمّكَ يوسف.
نظرَ إليها الغريب وقد تساقطَ دمعه، ثُمَّ اقتربَ منها فأمسكَ يُمناها وقبّلها.
صالح: ليسَ صحيحًا، إنّني أشتمُ بهِ رائحة الخوف، هو منهم يا جدّة.
الجدّة بشدّة: هو ابنُ عمّكَ وفقط.
اقتربَ منهُ صالح وقالَ بصوتٍ هادئ: لا تخف، ولكنْ اصدقني القول إنْ كُنتَ منهم.
نظرَ إلى الجدّة قبلَ أنْ يُعاودَ النظرَ إليهِ وقال: أجل، أنا إ..سرائيلي وأُدعى يوشع.
الجدّة مُخاطبةً صالح: لا تُكثر عليه.
صالح: حسنًا يا جدّة.
نظرَ إليهما يوشع وقال: قد وقعَ أخي (أفراييم) في الأسرِ قبلَ عامٍ ونصفٍ من الآن، حاولنا مرارًا وتكرارًا مع الحكومة، لكنْ لا أحدَ يُجيبُنا.
ماتت أُمّي نتيجة حُزنها عليهِ مُنذُ شهرين، ولحقَ بها أبي مُنذُ عشرةِ أيَّام، لم يتبّقى لي من عائلتي إلَّا هو، فقررتُ أنْ أُحرّرهُ بنفسي.
الجدّة: لا تخف عليهِ يا ولدي، فهو في أيدٍ أمينة.
يوشع بغضب: هو أسيرٌ يا جدّة، كيفَ يكون في أيدٍ أمينة؟
صالح: نَحنُ لا نُعاملُ أسراكم كما تفعلونَ أنتم بأسرانا، نَحنُ نُعاملكم بالإسلامِ لا التلمود يوشع.
يوشع وقد ذرفت عيناه: لو لم أُشاهد ما شاهدتهُ هُنا بأُمّ عيني لصدّقتُ أكاذيب الحكومة، وتُراهات السيّد المسؤول.
صالح بعدما ربتَ على كتفهِ بحنانٍ: لا عليكَ أخي، أهلًا بكَ بيننا.
تبسمَ لهُ يوشع بعينينِ دامعتينِ وتابع: من حُسنِ حظّي أنْ أكونَ بينكم.
والتفتَ إلى الجدّة وقالَ مازحًا: يبدو أنَّ الموتَ قد خشيَ الاقتراب منكِ جدّة.
ضحكت الجدّة وضحكوا جميعًا.
سألها عن سببِ تسميتها باسم أريحا فأجابته: أتعرفُ يا ولدي أنَّني قد بلغتُ عامي العشرون بعدَ المائة الجُمعة الماضية.
_ هذا غير معقول!
قالها يوشع.
الجدّة بعدما ضحكت: إذًا ماذا ستفعل إنْ علمتَ أنَّ تاريخ مدينة أريحا يعود إلى قبل عشرة آلاف عام؟
يوشع بدهشة: ماذااا؟!
اجتمعَ قائد الكتائب الإلكترونيّة السيّد ديفيد بعُصبةٍ من المُهندسين، ليُملي عليهم أوامرهُ الجديدة.
_ إنْ أردتم الثراء والترقية فلديكم مهلة قدرها عشرة أيَّام، عشرة أيَّام لا غير.
قالها وتراجع للخلف بمقعدهِ المَهيب.
سألهُ أحد الحضور: ما المطلوب منّا بالضبط سيّدي؟
ردَّ ديفيد: حماية إ..سرائيل والدفاع عنها، فكما أنَّ الجنود يُحاربونَ هُناكَ بالقطاع، فأنتم أيضًا تُحاربونَ عبرَ المنصات.
لذا وَجَبَ عليكم فِعل أيّ شيءٍ بإمكانهِ أنْ يوصلكم لغايتكم، وغايتكم هي جعل العرب يتناحرونَ فيما بينهم، أفسدوا أخلاقهم قدر ما تستطيعون، بثّوا الكراهية والشحناء في نفوسهم تجاه بعضهم البعض.
ردَّ مُهندس آخر: قد حاولنا كثيرًا لكنَّنا لم نُفلح إلَّا بنسبةٍ قليلة قد لا تتعدّى العشرون بالمئة.
ديفيد ساخرًا: لأنَّكم لا تجعلونَ إ..سرائيل نصب أعينكم، كُلّ ما يعنيكم هو ما تتقاضونهُ من أجر، عكس فرقة النمور، تلكَ الفرقة الماكرة التي أنتجت ثمارها مُنذُ ابتكار مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت بشكلٍ عام.
قد تمّ تجنيد الكثيرونَ من أبناء العرب لصالحنا ولخدمة قضيّتنا.
أراكم تتساءلونَ كيف؟
قد علمنا نقاط ضعفهم وعليهِ تمّ الاستقطاب.
تساءلَ آخر: وما هي نقاط ضعفهم سيّدي؟
ديفيد: نقاط ضعفهم تكمن في حُبِّ المال والشهـ..وة، حمقى لا يدرونَ أنَّ شيرا وآيلا ونوا ما هي إلَّا أسماء مُستعارة لضُباطٍ من المُخابرات الإ..سرائيليّة!
لكنْ وبعدَ أنْ نطمئنَّ لاختيارنا، نُواجه الأحمق منهم بالحقيقة ومن ثَمَّ يتمّ الإتفاق.
والآن، هل فهمتم مقصدي أم ماذا؟
ردّوا جميعًا: أجل، قد فهمنا سيّدي.
الجدّة: قد حكى لي جدّي أنَّ جدّهُ قد حكى لهُ ما حكاهُ لهُ جدّه، وهو أنَّ تاريخ مدينة أريحا الفلـ..سطينيّة يعود إلى قبل عشرة آلاف عام ويزيد.
يوشع: أيُعقلُ هذا؟
الجدّة: أجل.
يوشع: وما معنى أريحا؟
الجدّة: أريحا هي كلمة كنعانيّة الأصل معناها القمر، وقد لُقبت المدينة بمدينة القمر.
يوشع مُبتسمًا: ألهذا اسمكِ أريحا؟
ردّت عليهِ الجدّة بابتسامة: أجل، فنَحنُ نُوثق تاريخنا بأسمائنا أيضًا يا ولدي.
صالح: كيفَ لا تعرف مدينة أريحا؟
تلكَ المدينة العتيقة التي تضم أقدم الأسوار والأبراج في العالم.
يوشع: هل ستُصدّقانِ إنْ قُلتُ لكما أنَّني لا أعرفُ شيئًا عن فلــ..ـسطين سوى أنَّها مُحتلّة لدولة إ..سرائيل؟!!
صالح والجدّة: ماذاااا؟!
يوشع: هكذا يُعلّمونا في المدارس، هكذا هو كتاب التاريخ عندنا.
الجدّة: لِمَ تُخبرنا بسرٍّ من أسراركم يا ولدي؟
يوشع بعدما نهض: أنا مُجرّد مواطن أقنعتهُ دولتهُ بطريقةٍ أو بأُخرى، أنَّ فلـ..سطين دولة احتلال وسرقة وغير ذلك الكثير.
صالح: لم تُجب على الجدّة يوشع.
يوشع: لأنَّني قد وجدتُ عندكم ما أفتقدتهُ ببلدي.. وجدتُ الإنسانيّة.
انقضتْ الليلة وكأنَّها آخر ليالي القطاع، القصف لا يتوقف لثوانٍ، رائحة الموت تملأ الأرجاء، الأ..شلاء هُنا وهُناك.
أشرقتِ الأرضُ بنورِ ربّها، وقد أحالَ العدوان الإسرائيلي القطاع إلى نهرٍ من الدّم..ماء، دّ..ماء الأطفال والنساء والعجائز، التي اختلطت بدّ..ماءِ قططهم وطيورهم وبعض الكلاب الأليفة.
استيقظَ يوشع من نومهِ على صوتِ صالح وهو يتلو ما تيسرَ لهُ من القرآن.
ألقى عليهِ تحيّة الصباح وسألهُ: صالح، ماذا تفعل؟
صالح بعدما أغلقَ مُصحفه: صدقَ اللَّهُ العظيم، قد انتهيتُ من التلاوة، كُنتُ أتلو وردي من القرآن الكريم يوشع.
يوشع مُبتسمًا: حسنًا، وأينَ الجدّة لم أراها؟
صالح: قد ذهبت إلى إحدى العمّات لتسألها عن بعض الماء.
يوشع: قد شربتُ آخر جرعة ماء لديكم، يا لحظّي التعس!
صالح: لا عليكَ يا رجل.
يوشع: رجل!
وربّ السّماء ما رجلٌ إلَّاكَ صالح.
جاءت الجدّة وبيدها صُرة وبعض الماء.
_ صباح الخير ولداي.
قالتها وهي تدلف الخيمة.
ردّا عليها الصباح وجلسا بجوارها.
فتحت الصُرة فإذ بها فتات من الخُبز، ووضعت بجانبها جرعة الماء وتابعت: ها قد جئتُكَ بالإفطارِ يوشع، هيّا مُدَّ يدك.
يوشع: وأنتما بماذا ستُفطران؟
الجدّة: قد تناولتُ مع أُمّ سُليمان الإفطار.
يوشع مُبتسمًا: بالهناءِ والشفاء جدّة، وأنتَ صالح؟
صالح: وأنا قد تناولتُ إفطاري للتو.
يوشع: إفطار ماذا صالح، هل تكذب على الجدّة؟
صالح مُبتسمًا: كفانا اللَّهُ شرَّ الكذب، ماذا رأيت حينَ صحوت؟
يوشع: رأيتُكَ تتلو من القرآن.
صالح مُبتسمًا: ها قد أجبتَ على نفسك.
يوشع: لم أفهم.
صالح: قد أفطرتُ بسورةِ طه!
تأثرَ يوشع من إجابةِ صالح، ربتت الجدّة على كتفهِ وتابعت: قد سُلبنا حُرّيتنا ومقومات الحياة ولم يتبّقى لنا سوى القرآن، هكذا يفعل جُلّ أطفال القطاع حينَ يتضورونَ جوعًا، يقومونَ بتلاوةِ ما تيسرَ لهم من القرآنِ فيذهب جوعهم.
بكى يوشع وعاونهُ صالح على البُكاء ولحقت بهما الجدّة.
مرّت الأيَّام وازدادَ الوضع سوءًا، حُرِقَ آلاف الرُّضع والأطفال، والنساء والعجائز، والحيوانات والطيور بمــ..حرقةٍ جماعيّة أعدّها لهم العدوان الإ..سرائيلي.
حاولَ يوشع الوصول إلى أخيهِ (أفراييم)، لكنَّهُ لم يُوفق، قطعَ عهدًا على نفسهِ أنْ يكونَ عَين الحقّ التي ترصد الحقيقة وتُبلّغ بها.
استخدمَ هاتفهُ الذكي في تصوير ما يرتكبهُ العدوان من جرائم بشعة، لا يُمكن أنْ يتخيّلها بشر، وقامَ بنشرها على منصات التواصل الاجتماعي والمواقع المُختلفة على الشبكة العنكبوتيّة، تحت اسمٍ مُستعار استلهمهُ من صالح مُنذُ عِدّةِ أشهُرٍ وهو (أفطرتُ بسورةِ طه).
أغلقَ العدوان الإ..سرائيلي المعابر التي يُمكن للمساعدات أنْ تدخلَ منها، وألقى بدورهِ اللوم على غيرهِ كعادتهِ الخبيثة.
كما شدّدَ من حصارهِ للقطاع وضيّقَ على أهلهِ الخناق؛ واهمًا أنَّهم سيتركونَ لهُ أرضهم ويفرونَ إلى دولِ الجوار!
قد اقتربَ عدد الشُهداء من المئةِ ألف، بالإضافةِ لضعف عددهم من المُصابين.
استُشهدَ صالح صباح يوم الجُمعة بعدما تلا أذكاره، وتناولَ إفطاره بتلاوتهِ سورة طه!
حزنَ عليهِ يوشع؛ إذ كانَ يُعدّهُ العوض لهُ عن أفراييم، بينما الجدّة أريحا لا زالت تُقاوم بجلدٍ وشموخ. 

أحدث الموثقات تأليفا
النار مريعة

الرجل الطيب

مدينة الماء

11 عاما على الرحيل

لا تمنعوني أن أصبح حبة رمل 

على حافة هاوية العمر

حول مصير المنتحرين في الآخرة في الشريعة الإسلامية :

بسنت لا يجب أن تكون مجرد اسم…

الموتوسيكل والتجربة التوجولوجية

بسنت .. الكارثة والإنذار
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب715
4الكاتبمدونة ياسر سلمي683
5الكاتبمدونة اشرف الكرم644
6الكاتبمدونة مريم توركان575
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني443
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين436
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب393503
2الكاتبمدونة نهلة حمودة256387
3الكاتبمدونة ياسر سلمي222898
4الكاتبمدونة زينب حمدي184988
5الكاتبمدونة اشرف الكرم164164
6الكاتبمدونة سمير حماد 131041
7الكاتبمدونة مني امين124381
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين122943
9الكاتبمدونة طلبة رضوان119701
10الكاتبمدونة فيروز القطلبي118705

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02