على ضفاف صدفةٍ غَابِرة التقيا في قطارٍ عَابِر، بلهفة داخله سألها: كيف حالكِ؟
بفتور مُصطنعٍ أجابته، وشوق بادٍ في عينيها:
- بخير.
قال: كم هي صدفة جميلة!
قالت - وبسمة خفيفة على شفتيها -: حقًّا.
التهمَ القطارُ نصف الطريق والصمت يُخيم عليهما، الشوق يأكله بداخله إلى احتضانها، لكن تماسكها يمنعه، بينما هي ودَّتْ لو تجنُّ وتقول له: لقد اشتقت إليكَ كثيرًا، لكن حائل الظروف يمنعها.
نظرتْ في أعينِ الجالسين حولها، تستقي منهم شيئًا يبدو في عين كل عابر، ربما يهدأ روع قلبها الصَّاخِب، تُفسر لقلبها شيئًا خفيًّا يلوح من أعين الغرباء في عربات القطار ومحطات السفر، تريد أن تعرف سر ما تحمله أعينهم من شيء دفين يميل للحزن المكبوت.
تُريد أن تَسْتَفْتِهمْ في أمرها: أيمكن الوصلِ لمفارقيْنِ أن يعود بعد أن قُطعت كل حباله؟
أجابت على نفسها بنفسها بالإيجاب، أجزمت أن الصدفة التي أحاكت لهما اللقاء لن تبخل عليهما بالوصلِ، فهمَّتْ أن تُقلِّصَ أميال البعد التي توخز في قلبها رغم أنهما جالسينِ في مُربَّعٍ واحد في القطار، لكنَّ كبرياءها وتيه سنوات الفراق أقعداهَا في مكانها رغمًا.
نظر في عينيها الذابلتين، وفي وجهها الشَّاحب الممتلئ بحكايات الغياب المضنية، وفي الحكايات التي كتبتها الأيام معهما فرحةً، ثم مَحتها رغمًا، فتذكر كل شيء، كأن الأعوام التي مضتْ لم يكن لها سبيلٌ على ذكرياتهما.
أطال النظر والارتواء من ملامحها بينما هي ترتوي أو ربما تهرب في التوغل في أعين ووجوه المحيطين، فلم يجد الأيام قد أتت عليها إلا بهزيج حزنها، تمعن النظر فيها وقد رأى خطوط الفراق ترتسم على وجهها ألمـًا مخفيًّا، بينما قد كُتبت في عينيها بؤسًا واستسلامًا.
سأل في نفسه: أتهزأ منا الصدفة أم لم نكن عاشقينِ بما يكفي كي نؤمن باللقاء؟ فأجاب - وهو ينظر في عينيها الشاردتين في عيون المحيطين - على نفسه بنفسه: أن الصدفة مبدعة مع العشاق، لكن ليس لكل عاشقينِ حظّ بالقربِ.
التقتْ الأعين التقاءً مولعًا بالشوق، تحادثَا حديثًا لامعًا بالحنين، وتعانقا عناقًا ممتلئًا بالشجن واللهفة، ثم طفقتْ تتجاذب حبلَ الذكريات، فلمعتْ بدموعٍ رقراقة، أحالها الموقف إلى بسمات على وجهيهما، وضحكات خفية فاحت رائحتها، فاشتمتها القلوب، ثم طفق ذلك الحبل يُكمل لهما النهاية، يُخبرهما بحكاية قَطْعِهِ، فلاحتْ الأعين بدموعٍ توحي بلظى الفراق وأشواكَ الحنين، تبوحُ عن أنين مكبوت جرَّاءَ ما مضى وما قد صارا إليه.
سألته عيناها - كي تُذهب عنها رقرقة الدموع - : لمَ الهَجر وقد خُلقَ القرب لمثلنا؟ أجابها بعينيه: ألا لعنة الله على كل بُعدٍ يُجفي ما بيننا.
سألته بنظرة تلمع بالشوق: أما زلتَ تريدني.
أجاب بلمعة عينين تنضحان حُبًّا وتصرخانِ حنينًا: بل إرادتي لم تتأتَّ إلا لكِ وفيكِ.
فجأة وبجنون عاشق ترجمَ لسانه ما بداخله نُطقًا،فقال لها:
- لقد اشتقتُ إليكِ كثيرًا، حياتي بدونكِ قاحلة.
ردَّت بلهفةٍ دون تفكُّر:
- وأنا بدونكَ شجرة مائلة.
- أنا لا زلتُ أحبكِ.
- الحبّ إن لم يكن أزليًّا فَنى.
صمت لحيظات، ثم سأل بعينينِ لامعتين:
- أما زلتُ داخلكِ؟
ردت دون تردد:
- بل داخلي ما هوَ إلَّاكَ.
- سعيدٌ حدَّ التحليق.
- وأنا… وأنا أيضًا.
سألتهُ بعد طول نظر لبعضهما ببسمات جميلة هادئة:
- أينَ وِجهَتكَ؟
أجاب: وجهتي وِجْهَتُكِ.
نسج اللقاء فرحتهما وُرودًا ورياحين نثرها على قلبيهما، وتعلل الهواء بنسيمه حياة، وفاح الفرحُ وتبخر الألم والمعاناة، فكان القطار لا يبدو عليه السير وإنما الرقص، ولا على صوته الصخب إنما الغناء، وعصافيرٌ جميلة صارت تطير حولهما وتزقزقُ بجميل التغريد، وهما سعيدان هائمان، وقد نسيا كل ما مضى، فالآن قد بدءا حياةً جديدة، الآن قد وُصِلَ انقطاع الحبل.
توقف القطار عند محطة ما، فأفاقا من نومهما على صخب الرُّكَّاب وهم يُغادرون القطار!
نظر حوله فإذا هي محطته، وإذا الحقيقة تُبدد الخيال، سألها، أمحطتك تلك؟
صمتتْ هنيهة وقد رأتْ العصافير قد طارتْ من النوافذ فزعة، وأعين الغرباء تبوح لها بذلك السر الذي ودت معرفته آنفًا، أن ذلك التيه في أعينهم جرَّاء قصص لم تكتمل، وبسمات مكبوتة لم تخرج، وأحلام لم تلامس الحقيقة في شيء؛ أن الشرود المـُثقلة به أرواحهم ويبدو في أعينهم ما هو إلا ترجمة صادقة لمآل رحلتهم، رحلة الحياة التي لها في كل محطة جثث عابرين، وحكايات بؤسٍ تنمُّ عن بَأْسِهَا.
تذكرتْ واقعهما المـُعيق، وتلك السدود المـُـقامة بينهما منذ صِبا زهرتهما، وهاته النار التي تؤججها الحقيقة كل لحظة.
أجابت بصوت يختلط ببكائها - بعدَ طول نظر في عينيه، وبعد أن عرفت الحقيقة من أعين الغرباء -:
- لا، بل محطة أخرى.
أيقن أن وجهتهما ليست واحدة، وأنَّ الحلم لا يُغني من مرارة الواقع في شيء، وأنَّ الجبل الذي يوقن هو بقسوته لا زال قائما بينهما؛ فودعها بفتور - كفتور اللقاء – ومضى.








































