كانت الجنازة تسيرُ في رَتَابَة، يسير الجميع في صمتٍ إلا من صوت نعالهم، وفي وجلٍ يَعْتري ضَربات قُلوبهم، تَطُول ظلالهم على قارعةِ الطريقِ مُنْبِئَة عن قربِ المغيب بعدَ عصرِ يومٍ حزين، يحمل أربعة رجال نعش خشبي مـُتخم( ) بميتهِ، مُغطَّى بملَاءَة بيضاء، يَلمعُ بَياضُها مِن استقبالها قرص الشمس - طفيف الحمرة - داخل النعش، فيبدو جسد الميِّتِ المُكفَّن كأنَّهُ ممزوجًا بشيء من غسقها، أو ربما يتنفَّسُ نورها للمرة الأخيرة.
حول الأربعة الذين يحملون النعش أناس عديدون من كل جانب، يبدون من الأعلى كقطيع نملٍ يحمل فتات كسرة خبز، يسيرون بفوضوية خلف النَّعشِ ويهرولون، يقودهم النعشُ لمآله المعهود، فينقادون خلفه بإذعان.
يتناثرُ الغُبار حَول الأرجل، يبدو جليًّا في أشعة الشمس الواهنة، يرتضيه كل من يسير في الجنازة، لاتعاظِهم وَوَجلهِم من لحظة كتلك.
دَاخل كل مُشيع تخوُّفاتٌ شتَّى وآلام كثيرة، تَرتَسمُ الهموم بإتقان على وجوههم أسفًا على أحوالهم، كلٌّ يَنعى حاله ومآله؛ فالكل مصيرهُ التُّراب كما أجزمَ لهم رجل ثلاثيني كث اللحية قصير الثياب، يَصرخ رافعًا سبابته يتمتم بالأذكار، مُعلق بين أصابعه مسبحة، يهرول وقد رَسَت حباتُ التراب على ثيابه الأبيض، منتكس الرأس وهو الذي كان يسيرُ بينَ الناس شامخًا فخورًا بكنيته المحببة لقلبه "الشيخ فُلان"، والآن هو يبكي على ما اقترف من كذب الباطن، يظنه من حوله زيادة ورع، لكنه كان تندُّمًا.
مضى أحدهم خلال المشيعين يشهدُ مآل ذلك الميِّت، يظنُّ أنه لا يعرفُ أحدًا ولا أحدَ يعرفه، يُجزمُ أنَّ له نصيبًا كبيرًا من اسمه، فاسمه وحيدٌ وهو وحيدٌ بالفعل، مضى خلف الميت يبكيه بحرقة ويَرثيه بتندُّمٍ، يتمنَّى في نفسه لو طالتْ حياة ذلك الميِّت ولو ليومٍ واحد كي يُجالسه ويروي محبته فيه، أو ربما ينصحه نصيحةَ مَنْ زَهِدَ في الدنيا.
تسمع أذناه كل همسٍ وترى عيناه كل الوجوه وامتقاعها( )، حتى ظنَّ في نفسه أن به مسًّا، أو أن رُوحه فارقتْهُ وصارتْ أَعْلَاهم.
صار من الـمـُشيعين بَيْدَ أنه لم يستطع حمل النعشَ بنفْسِهِ رغم أمنيته بالحملِ، فلم يكن قويًّا في تلكم اللحظة كي يحمل على كاهله من أحبَّ. هكذا ظنَّ في نفسه، لكن كان يـَحُولُ بينه وبين الحَملِ شيئًا يُضمره ويتغافلهُ عمدًا.
سأل أحد المـُشَيِّعين في حِيرة وبصوتٍ مرتجفٍ - قاطعًا شرود وحيد - لآخر يسير جانبه في الجنازة:
- أيتركُ الجسدُ ذكرياته وأحلامه وآماله هكذا بعد مَوتِه، بعد أن تنسلخ منه رُوحه؟
أجابه في اقتضاب وعينين معلقتين بالنعشِ ورجلين تتعاركان مع غبار الطريق:
- كلٌّ سيذوب كذوبان ذلك الجسد في حفرته.
ارتجفَ وحيد من تلك الجملة وارتعد، رد على المتحدث في حيرة وغضب: ذلك افتراء، ذلك افتراء.
لاح بعينيه نَاحَ النعش سائلًا ذلك الجسد، أحقًّا ذلك؟ فأجابه الجسد بإذعانه لحَمَلَتِه، وارتجاجه داخل نعشه من خُطاهم السريعة: أن قَدْ صَدَقَ!
همسَ أحدهم – وقد كان هزيل الجسد شاحب الوجه شارد النظرات - لرجل كفيف يسير جانبه مُستندًا عليه، بكلماته التي جعلت ذلك الوحيد يسترق السمع ويلتقمها بانتباهٍ حينما نطق:
- عجيبٌ أمر الإنسان، يأتي إلى الدنيا في بطن أمه الصغير،لكنه حينما يذهب منها يُحملُ على أكتاف أربعة، أليسَ غريبًا ذلك الأمر؟
لاح ذلك الكفيف بوجهه لأعلى، فانعكس ضوء الشمس الواهن على نظارته مُظهرًا دموعه المنسالة من خلف عدساتها قاتمة السواد، ثم أردفَ - وقد بدا الحزن على شفتيه:
- لقد أتى بمفردهِ، والآن سيذهب بهمومه، فالهموم ثقيلة يا بُنيّ، وكلنا سترافقنا همومنا شئنا أم أبينا.
رابَتْ "وحيد" كلمات ذلك الكفيف وهي تخرج من فيهِ بتحسرٍ، موحية بثِقَلِ ما يقول؛ سأل في نفسه عمَّا إن كان مَيِّتهُ قد رحل وهمومه معه بالفعل أم أنها قد تخلَّفتْ ورحمته في موقفه ذاكَ؟
تذكر كلمات أخيه المـُحمل على نعشه ذات صفوٍ،حينما قال له - أو ربما "وحيد" هو الذي قال له -:
- في لحظات الحُزن العميقة يلمع العقل، وتُمحى الغيمات وتُنَار البصيرة.
مضى خلالهم يبحث عن فقيده في قلوب مـُحِبِّيه، كي يشكو حاله لأحدهم، ربما يفهم حيرته ويُلبِّي رغبته، فيُمِيلهم عما مضوا إليه ليعودوا ويكَوِّموا معه - في نعشه - أحلامه وذكرياته وآماله، كي لا يتألم حينما يُصَيَّرُ في حُفرته وحيدًا... مثله.
تمعن ببصيرته في قلوب المشيعين حوله، وجد قلوبهم نقاطًا صغيرةً تتوسط أجسادهم رغم ارتسام أسى الفراق على الوجوه بقدرٍ ربما يفوق محبتهم.
لم يستشعر خيرًا في تلك المحبة، لم يستشعر أملًا فيهم، فانساق بكل يأسٍ معهم وخلالهم بعينين منكسرتين خجلتين من راحله.
الجميع يُهرول، والأرجلُ تُسرع خُطاها، والغبار يتعارك مع النِّعَال بغضبٍ، أو ربما بفرحةٍ، لعودة غائبٍ لأمِّهِ الأرض، والشمسُ تميل نحو غروبها في تَعجُّلٍ كتعجل هؤلاء المشيعين لمآل ميتهم، والقلوب حوله ترتجف من تلك اللحظة، ترتعد، تتعظ وتلين.
قطع تمعنه فيمن حوله صوت أحدهم:
- ما الذي يُسَوِّد ابيضاض القلوب حيال حياتها؟
سؤال سَاءلَهُ شيخٌٍ كبيرٌ يسيرُ مستندًا على عكازه، ألقاه بصوت أجشّ وهو يتفحَّصُ وجوه المشيعين حوله، يقرأ انكسارًا يلوح في وجوههم، يستشعر تندُّمًا بادِيًا في نفوسهم تُقر به أعينهم.
استطردَ الشيخُ - بعدَ أن لاحت الوجوه ناحيته أولهم الوحيد، وتوجهت أذن الكفيف إلى مصدر الصوت بتركيز، بينما الأرجل تسير دون توقف ناحية هدفها كأنها مأمورة -:
- خَبِّرُوني، ما يجعل القلوب تركنُ وتحيد عن طريقها القويم؟ أحفرة في بطن أرضٍ تُرجِفُ أمانها؟
لم يسمع منهم سوى صمتٍ، وصوت حركاتهم المذعنة، وبضع همهمات وأذكار تختلط بالبكاء، وصوت الكفيف وهو يصرخ: ارحمنا يا الله ؛وبكاءَ شاب عشريني على إثر صوت الكفيف يختلط بتمتمة أذكار داعيًا الله أن يرحمه بغفران آثامه، ولو أنَّ الوجوه كانت تُبدي ما يجول داخل كل شخص لأبدَتْ نَدمًا منه كفاهم جميعًا من صدق تندمه، كما رأى وحيد ذلك فيه جليًّا.
صَمت وحيد كصمتهم، أنكسَ رَأسَهُ ناحية الأرض مثلهم بعد كلمات ذلك الشيخ وصوت بكاء ذلك الشاب. مَضَى مع المشيِّعين باستسلام وإذعان حتى وصلوا إلى الجَبَّانة( ).
الشمسُ ابتلعها الأفق، أو ربما هربتْ من لحظة فراق تعيشها كل يوم بغروبها، والليل أسْدَلَ وشاحَهُ الرمادي الشفاف على الكونِ، لحظة صمتٍ غيمتْ على الجميع، الكل يَرقُبُ لحظة النهاية، لحظة ابتلاع الأرضِ للجسد؛ ويشهد غروبُ الشمس الغروبَ الأصغر.
سوف يترك أحلامه خارجًا، الجميع يعلم، سوف يفارق آماله عند تلك الحفرة، الجميع يُدرك، سيصيرُ ماضيًا مع الأيام الغابرة، الجميع يوقن ذلك ويتجاهل!
سأل وحيدٌ في نفسه عمَّا إن كان ذلك الجَسدُ سيؤنِس فقيده في حفرته أم يتركه وحيدًا كما فعل؟ فأجابه الجسد بالصمتِ والإذعان التَّام للأيادي التي تُنزله من نعشه لمثواه.
شعر بغبطة( ) داخله لإغلاق فِيهْ( ) تلك الحفرة على صديقه، كأنَّ صديقه ذاك عدوه، بل قد كان عدوه بالفعل كما يُجزم في نفسه الآن، وربما قد آتاه فرحًا لا مُؤنسًا في رحلته الأخيرة!
وقف متحيِّرًا في أمره ومآله، مُرتبكًا، مُرتجفًا، مرتعدًا، سعيدًا، خائفًا، حزينًا، هائمًا، مسرورًا، نادمًا، تائهًا، شاردًا؛ يرثي حالَهُ بِحَالِه، حتى آتاه هِسِيسُ( ) أحدهم لشخص جواره وهو يُتابع المشهد، فاقتربَ منصتًا:
- أيرتاحُ الإنسان بعدَ موته؟
ألقى وحيدٌ إليهما السَّمع جيدًا، رُبما يُهدِّئ من نفسه بعد كَدَرِهَا.
أجابَ الآخر بعد أن صمت هنيهات - وهو يُتابع في تركيز ووَجل لحظة إرخاءِ جسد الميِّتْ في مسكنه الجديد، وخجلا من أن يُسمع صوته في موقفهم الحزين ذاك -:
- أتريد عقيدَتنا أم حكاياتِ جدتي؟
- هبْنِي حكايات جدتِك، ربما تُغير من حالي ووَجلي.
- تقول جَدَّتي إن كل ميِّتٍ سعيد طالما لم يَظلم.
أسكتَ الجوابُ ذلك السائل، وبدا الخوف والقلق في وجهه، فقد قفز في خاطره لحظتها مظالمه، وكان صوت ضميره يبدو جليًّا واضحًا لوحيد وهو يتمعن في ملامحه ويرى امتقاع وجهه جرَّاء تلك الإجابة؛ وقرر - كما يقرر في نفسه كل مرة يُرافق جنازة أحدهم - أن يرد المظالم لأهلها حين عودته.
جَالَ وحيد بفكره في ماضي عدوه الصديق، بعد أن هزَّتهُ تلك الكلمات المرتجفة، تذكَّر هل ظلم مُقرَّبَهُ أحد؟ فلم يجده قد ظلمَ أحدًا سِواه، ولم يأتِ على حق أحدٍ إلاهُ، بل لم يجده قد وأدَ حق أحد غيره.
شعر بوَجلٍ وعَجَلٍ، يُريد أن تنتهي تلك الرحلة القصيرة الطويلة، كما كان يُريد الجميع، بعد أن نفَّضَ كلٌّ منهم هرولته نحو دنياه، يريدُ أن يُغلق صفحتها حسبما تكون، يتعجَّلُ هدأةِ صمتهم بعد صخبِ خُطاهم الماضية بلا هَوادة للنهاية.
تركتْ يدُ المشيعينَ آخر لمساتها على كفن صديقه بعد أن أرخته في حفرته مستكينًا.
صَخب الفكرُ داخل أحد المشيعين، يسأل في نفسه في حيرة سمع صوتها وحيد جيدًا:
- يقولون إن كنه لحظة النهاية ترجمة لكل ما مرَّ به الميت، فهل تشفع تلك الأيام المـُنصرمة من حياة ذلك الميت للحظته تلك؟
بحث وحيد عن ذكريات مَفْقُودِهِ في حياته ربما تُخبره بمآله؟ رُبما تُنبئه عن حال صاحبه بعد موته، لكنه لم يتذكر شيئًا بيِّنًا يُوحي إليه ولو ببضع سعادة لفقيده، فبكى وصرخ وانتحبَ حتى خرَّ على التّراب يشتمّ رائحة اختلاطه بدموعه، كأنَّ الأرض تسترجعُ كل ما سُلب منها من الإنسان!
المشيعون يُغلقون على الجسد آخر منفذ للضوء.
يسأل الوحيدُ في نفسه: أسيكونُ في الظَّلام ذاكَ نُورٌ كما كانَ في نُوره كثير منَ الظلام؟
لسان حَال تلك الأرض - التي فَتحتْ فَاهَا بإخلاصٍ لابتلاعِ ذلك الميِّت - يقول:
إن الفقدَ لا يُولد مع الموت، الفقدُ مَولودٌ منذ انبلاجِ اليوم الأول، الفقدُ تِرْيَاقُ كُلِّ قَلبٍ.
أهالوا التراب على مَسْكنه فقضوا على آخر ثغرة نور كانت تتسرب خلسة من بين كُوَّات سكناه، ثم مضوا جميعًا بعد أن حَمل كلٌّ منهم عِظةً ربما ستغير فيه شيئًا وربما لا، مضوا تاركين إياه جوار فقيده.
جلس يُودِّعه، ثم همَّ أن يمضي، فناداه ذلك الجسد من تحت تُربه ألا ذهاب! فهو لم يتركه طيلة حياته؟ أيتركه حال موته؟ فلا يعلمُ هنا أحدًا سواه.
تحامل على نفسه مُتغاضيًا عن مطلب ذلك الجسد ثم حاول الذهاب للمرة الثانية ظنًّا منه أنه سيستطيع، لكن ظنهُ قُتِلَ لعدم مقدرته!
اربدَّ( ) وجهه وتكدَّر( ) صَفو نفسه، لكنه لم ييأس، فحاول مرة أخيرة، لكنها الحقيقة التي كان يتغافلها ويتجاهلها عمدًا قد سطعت في ليلته الحالكة.
أخبرته - للمرة الثانية بعد أن تجاهلها في المرة الأولى - أن مآل صديقه هو مآله، أن نهاية مقربه هي نهايته، أن انغلاق صفحة أخيه انغلاق لصفحته، أنَّ انطفاء نار عَدوّه انطفاء لناره.
أنه الفاقدُ والمفقود، هو المـُشَيِّعُ والـمُشَيَّعُ، هو الآمل واليائس، هو جسده البالي المـُحمل على أكتاف مُحبيه، وروحه المتمردة التي ودَّت أن تُؤتى أحلامها وذكرياتها، هو صخب تمرده وهدوءِ ثورته، هو الفاقدُ والمفقود، هو الإنسانُ وهو الفَنَاء، هو الحُلم وهو العَنَاء، هو الرَّاحِلُ والعَائدُ، هو كل ظنِّه وبضعُ يقينه، هو احتضان التراب لجسده وانبلاجُ النور عنه، هُو روحه المتمرِّدة التي طالما حاولت الانسلاخ منه حيال حياته ولم تستطع إلا ساعة موته - وهمًا -، لكنَّ ذلك - ساعة الموت - محضَ جَبر.
فبدأت شمس الحقيقة تسطع، والظلام يتكاثف في قبره، يحتضنه بتودُّد، والوحيد...أكمل مسيرته وحيدًا.








































