الفرحة تتسلل بين الأرجاء كنسيم رطب يلامس وجوه النائمين، تتراقص بين الأعين، وتهمس للأرواح بألحان الحياة.
على مقربة من الباب، جلست آمنة، عيونها بحر لا قرار له، يختزن أسرار الدهر، وأذناها تلتقط خفقات الغرفة الصغيرة، بينما قلبها يرفرف كطائر محتار بين الخوف والحنين.
صوت شجي يملأ المكان، والزغاريد تتسلق الجدران، تعانق الهواء الموشّى برائحة الطفولة والفرح.
وأخيرا… جاء الحفيد الأول.
جلست آمنة القرفصاء، تلتقط كل ابتسامة، كل نظرة، كأنها تريد حفرها في صخر الذاكرة، لتبقى خالدة حين يطوي الزمن كل شيء.
خرجت القابلة حاملة الطفل، ملفوفا ببطانية زرقاء، دافئا بين يديها… شعلة صغيرة من الحياة وسط صمت متردد.
"وليد… حل علينا!"
ابتسامة آمنة تفتحت كزهرة ربيع، ثم انقلبت فجأة، وسقطت على الأرضية… كظل غادر، كحلم انكسر قبل أن يولد.
زغرودة طالما حلمت بها منذ سنين جثمت على صدرها، أثقلت قلبها… فصمتت الأنفاس، وتوقف الزمن، لتصبح الغرفة صدىً واحدا من الحزن والفرح معا.
القابلة، من هول المشهد، حملت الحفيد بين يديها، كحمل ضوء نادر وسط الخراب.
حاولت إنعاش قلب الجدة… لكن الزمن أسر اللحظة، تاركا رسالة صامتة محفورة في الهواء:
أن الحياة والموت يلتقيان في لحظة واحدة، وأن كل ابتسامة… قصيدة.
وليد… هنا، بين يديه الأمل المستحيل، والنغمات الخفية للحياة.
رحلته بدأت، لكنها لم تكن مجرد بداية، بل صرخة الضوء في قلب الظلام، وموسيقى القلوب التي تصدح رغم الخراب.
ستعيد للقلوب نبضها، ستضيء الغرف المظلمة، وستحرس ضوء الطفولة… في عالم يموج بالموت والفرح، حيث كل لحظة تستحق أن تُحكى، وكل نبضة… قصيدة.








































