في موسم الانتخابات، تحول سوق واد السهو إلى سيرك مفتوح…
سيرك بلا خيمة، بلا خشبة، وبلا ضحك حقيقي.
المهرجون لم يضعوا مساحيق على وجوههم، بل على وعودهم.
جاء المرشح الأول يدفع عربة تلمع أكثر مما تنفع.
علب جميلة، محكمة، مكتوب عليها:
"مستقبل أفضل… للاستخدام القصير."
يفتحها الناس… فيتسلل منها هواء دافئ يشبه تنهيدة خائبة،
كأن العلبة نفسها تأسف على ما بداخلها.
يبتسم بثقة زائفة ويقول:
«المهم الشكل يا جماعة… المضمون يرهق الميزانية!»
تلته المرشحة الراقصة، يتبعها الطبل كما يتبع الظل صاحبه.
توزع خرائط طريق مرسومة على ورق هدايا.
سألتها امرأة: «وهل الطريق موجود فعلا؟»
فأطلقت ضحكة منمقة وقالت: «يكفي أنه جميل! الطرق الحقيقية مليئة بالحفر… وهذا يفسد الصورة.»
حتى بعض الأطفال ابتسموا، ظانين أن كل شيء لعبة، بينما الكبار يدركون هشاشة الوعود.
ثم ظهر المرشح الثالث… ورث المنصب كما تورث قطعة أثاث قديمة، لا تصلح إلا لجمع الغبار.
يجوب الأزقة يستجدي الأصوات، كمتسول فقد آخر ما تبقى له من كرامة، يلوح بكف مرتعشة لا تقنع حتى الذباب.
يصعد منصته الخشبية التي تئن تحت وزنه، فتتشقق تحت قدميه،
و ينسحب منها هواء دافئ يشبه نسيم فجر غاصب… تنهيدة المنصة نفسها، كأنها تعلن استقالتها من حمله.
يرفع صوته، يعد، يبالغ، يصرخ:
«امنحوني ثقتكم!»
فترد الجدران بصدى بارد: «ومنحناك ماذا؟»
تمر أنظار المتفرجين بينه وبين الآخرين، يتأملون الفجوة بين الوعود والحقيقة، و يضحكون أحيانا… و يبكون أحيانا، بلا إدراك كامل لما هو قادم.
و أطل صانع الفردوس الزائف وهو يوزع نظارات واقع افتراضي،
من يضعها يرى المدينة فردوسا: شوارع تلمع، وظائف تتطاير، ومستشفى يشبه قصيدة.
لكن ما إن ينزع النظارة… حتى يعود للغبار، للخرائب، ولصوت الحقيقة المكبوتة.
اصطف الأربعة في خط واحد، كفرقة موسيقية تعزف لحنا واحدا:
«أعطونا تصفيقكم… نعطكم سرابا يلمع.»
ثم تقدم طفل صغير، لا يملك برنامجا انتخابيا… بل صدقا مؤلما.
قال بصوت صغير لكنه يشق الصخب:
«وها قد انتهت الفرجة…
أليس في برامجكم وعود لا تذوب كالحلوى؟
أحلام ربما قد تتحقق؟
أو بلسم لا ينتهي مفعوله قبل الغروب؟»
تبادلت الوجوه الأربعة نظرات متوترة، بحثوا في العلب، في السلال، في الجيوب…
لكن لم يجدوا إلا رمادا بلا نار.
فهم الناس أخيرا أن البازار لا يبيع الأحلام…
بل يبيع أغلفة متوهجة للسراب.
الحقيقة تبقى وحيدة بين الدخان والضحك الممزق،
بين أمل يختفي ووعد ينهار… وبين طفل يصرخ بالحقيقة وسط المسرحية.








































