فقد أحمد أباه شابا، فكبر قبل أوانه.
لم يرث منه المال فقط، بل الصمت والصبر ومتجرا صغيرا عند ناصية الطريق. كان المتجر متواضعا، لكن بركته تكفي البيت، وكان أحمد يديره بيد نظيفة وقلب قنوع، يربح بقدر ما يرضي الله.
في صباح بارد، لاحظ أحمد شيخا عجوزا نائما عند عتبة المتجر. جسده منكمش كغصن يابس، ولحيته البيضاء مبعثرة على صدره، وعيناه نصف مغلقتين كأنما يراقب العالم في حلم. تردد أحمد لحظة، ثم آثر ألا يوقظه.
مع مرور الوقت، بدأ السوق يزدحم، والضوضاء تتسلل من بعيد. قلب أحمد مشدود نحو الشيخ، شعور غريب يملأ المكان بهدوء لا يراه إلا من عرف الصبر.
الساعات ثقيلة. دقات قلبه تصنع إيقاعا بطيئا. وحفيف السوق البعيد يشبه موسيقى خامدة. ثم تحرك الشيخ ببطء. رفع رأسه، وفتح عينيه العميقتين كبحر هادئ. نظراته اخترقت أحمد من الداخل، كأنها تعرف أسراره وأعباءه.
نهض متكئا على عصاه، وحرك مسبحته البيضاء بين أصابعه بخفة، كل خرزة تحمل دعاء لم ينطق بعد. حيا أحمد بصوت خافت لكنه نافذ، وقال بحكمة:
"إن يعلم الله في قلوبكم خيرا، يؤتكم خيرا."
في تلك اللحظة، تغير الهواء. المكان كله استجاب لنوره الصامت. انفتح الباب، وتدفق الزبائن فجأة. السوق الذي كان هادئا أصبح مليئا بالحركة والصوت. تعالت الأصوات، تسارعت الخطوات، وكثرت الطلبات على نحو لم يألفه أحمد.
أسرع أحمد فأحضر للشيخ شايا وتمرا، وضعهما في صينية فضية، ثم عاد إلى عمله، وقلبه يخفق بدهشة ممزوجة بخشوع.
بعد برهة، عاد لينظر إلى حيث كان الشيخ… لم يكن هناك أحد. الصينية في مكانها، الشاي ما زال دافئا، لكن الشيخ اختفى. وبين الكأس والصحن، كانت المسبحة وحدها، تتلألأ بريقا خافتا. كأنها تحتفظ بسر لا يقال.
مد أحمد يده بتردد. ما إن لمسها حتى شعر بدفء يسري في أصابعه، وطمأنينة تنزل على صدره. ومنذ ذلك اليوم، صار كلما ذكر الله بها، تنفرج أزمة، أو تيسّر أمر، أو جاءه رزق من حيث لا يحتسب.
لكن حين راوده خاطر الاحتفاظ بها لنفسه، خفت نورها بين يديه، وسقطت خرزاتها صامتة، كأنها تعاتبه. فهم الرسالة، فأعاد المسبحة إلى الصينية، ووضعها عند العتبة.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد متجر أحمد مكانا للبيع فقط، بل مقاما عابرا للسكينة. يخرج الناس منه أخف مما دخلوا، كأن الذكر سبقهم إلى قلوبهم.
أما الشيخ… فلم يره أحد بعدها. لكن أثره ظل هناك، عند العتبة، حيث تبدأ البركة لا حيث تمسك








































