يمشي الرجل ببطء، كل خطوة منه كأنها تنسج هدوءًا على الأرض، وتعيد التنفس إلى القلوب المتعبة. يمد يده ليلمس كتف طفل، فيبتسم الطفل، وترتفع ضحكته الصغيرة بين الأزقة كألحان خفية، تملأ المكان بدفء لا يزول. يزرع البسمة في كل عين صادفها، ولمساته خفيفة كنسيم يبعث الحنان في الهواء، بينما تفوح منه رائحة الطيب، تذكر الجميع بأن الخير ملموس، يمكن أن يشم، يمكن أن يحس، يمكن أن يحيا في كل قلب.
في أيامه الأخيرة، اجتاحه الزهايمر كضباب كثيف، محا كل شيء… إلا الصلاة، إلا تراتيله الصافية التي تصدح في الغرفة كأجنحة نور، تلتف حوله وتضيء المكان. صوته يرتفع وينخفض برقة، كأنه يربط السماء بالأرض، يلمس الأرواح قبل أن يغادر الجسد، وكل نغمة تقول: "أنا هنا… قلبي ما زال ينبض بالحب، وما زال الخير حيا".
وعندما غادر الدنيا، بقيت روحه تتنفس في كل زاوية تركها، في كل بسمة، في كل دعاء، في كل ذكرى. ذكرياته محفورة كوشم في القلوب، حب لا يشيخ، وعيون من أحبوه تهمس باسمه بين الصمت والدموع. كأن الطيب الذي زرعه، نور أبدي لا ينطفئ، يحيا في كل روح، وفي كل لحظة، ليظل أبدا حاضرا، رغم الرحيل.








































