ما ذكره المتنبي من تغانيه شعرًا في سيف الدولة وملك الحمدانيين، لهو قليل في حقه حينما رأيناه حائط الصد الأوحد للأمة الإسلامية أمام هجمات وتوسع وتوحش البيزنطيين، ولا أعرف لماذا أستاذنا الدكتور محمود خليل قلل من جهاده وجعله دفاعا عن ملكه ونفوذه فقط ولم يكن جهادا من أجل الإسلام وحماية الأمة والعقيدة، مع أن كل الشواهد تؤكد أنه كان جهادا في سبيل الله وليس للنفع الخاص.. كان الحمدانيون يحاربون الروم في الوقت الذي انشغلت فيه كل الدويلات الإسلامية بالصراع على الملك والتوسع، والوحيد الذي كان يقاتل باسم الإسلام ويزود عن حياضه، هو سيف الدولة، كتب سيدي الدكتور محمود خليل أنه كان يُضيق على دار الخلافة، ويريد السيطرة عليها، وقرأت في المفصل في الأدب العربي أن الخليفة كان يهرول إليه مستنجدًا ليصد عدوان الروم، كما قرأت أن سيف الدولة جمع الغبار الذي تراكم على درعه وملابسه من معركة تلو الأخرى وشكّل منه لبنة وأوصى أن توضع تحت رأسه عند دفنه. توفي عام 967 م.
فهل يفعل هذا الفعل سلوك رجل همه الدنيا، أو رجل كان يصد ويدافع عن ملكه فقط؟ مع أن معارك سيف الدولة كان بعضها هجوما وفتحا ومغانم، ولم تكن دفاعا عن الملك فقط.
لاحظت في كلام فضيلة الدكتور أنه يقلل كثيرا في قيمة الحمدانيين وجهودهم في حماية على الإسلام، وقد كانوا الجبهة الوحيدة التي صدت عنه العدوان، وربما تكون لسيف الدولة هنات وسلبيات، لكننا لا نعرف خلفياتها، وما الذي دفعه إلى هذا، خاصة حوادث القتل، ومن المخطئ من الطرفين، ليظل سيف الدولة فارس الإسلام الأعظم وبطله المفدى، الذي لعب دورًا عظيما في حمايته ونصرته، في وقت لم يكن فيه غيره بطلا صنديدًا، بل أنا لا أتجاوز أبدا إن جعلت سيف الدولة في مقام صلاح الدين الأيوبي، فلولا صلاح الدين، لضاعت أمة الإسلام، ولولا سيف الدول الذي خاض أربعين معركة ضد الروم لضاعت بلاد الإسلام، وأحرقتها جحافل الروم وما بقي موحد على الأرض.
لا أعرف من أستاذنا كيف كافأ سيف الدولة بهذا التجني والتنكر لجهوده، وجعله رجل دنيوي لا هم له إلا الملك والصراع عليه.. وعندي أنه لو ثبتت إدانته في بعض الأفعال، فإن كفاحه ضد أعداء الإسلام شفيعا له ومكرمة تقف أمام كثيرا من الزلات فلا تدانيها مكرمة.
يقول الذهبي في السير: "يقال: تم له من الروم أربعون وقعة، أكثرها ينصره الله عليهم"
ويقول ما يدلل على كرمه وإنفاقه في سبيل الله: "وتوفيت أخته، فخلفت له خمسمائة ألف دينار، فافتك بجميعها أسرى"
استمعت إلى مقطع مرئي لأحدهم وهو يبتسم ساخرًا ويقول: إن تاريخ سيف الدولة لم يكن بهذا النصر التام الدائم الذي سجله المتنبي في شعره حينما مدحه، وإنما كان دائم الهزيمة من الروم.
ولما قرأت سير أعلام النبلاء للذهبي وجدته يصفه بقوله فارس الاسلام وحامل لواء الجهاد إذ يقول: (مقصد الوفود وكعبة الجود وفارس الإسلام وحامل لواء الجهاد) وهنا أقول: ردا على هذه السخرية: هب أنه هزم في كل المعارك، فهل يخفق هذا من بطولته ونضاله، وهل يقلل ذلك من كفاحة؟ ولعمري أي بطولة خارقة يحققها رجل ينازل ويناجز عدوه في 40 معركة، ولا يصيبه خور أو ملل أو يأس أو تراجع وقنوط؟
إنه بهذه الحال خليق بمدح المتنبي وغيره لأنه حقق مثالية البطولة والصمود.!
يقول الباحثون: "بدأت معارك سيف الدولة مع البيزنطيين عام 936 م، وتوالت بعدها الحملات العسكرية التي شنها ضد البيزنطيين، ومن أبرزها الحملات التي وقعت بين عامي 939 م و940 م عندما غزا الحمداني الجزء الجنوبي الغربي من أرمينيا وانتزع عهدا بالولاء والطاعة من قائدها، كما استطاع إجبار البيزنطيين على التنازل عن عدد من الحصون"
سيف الدولة مدحه كثيرون وانتقده أيضا كثيرون، وهو في هذا ككثير من الملوك والأمراء الذين أتونا بسيرة محيرة متناقضة، كالمنصور بن أبي عامر والظاهر بيبرس، الذين جمعوا بين الدفاع عن الإسلام وبين سيرة البطش والاعتزاز بالملك.. إنهم لم يكونوا في أخلاق صلاح الدين الكاملة، لكنهم على الأقل تحمد لهم صلابتهم في مواجهة العدو، وهو العمل العظيم الذي يجب ألا يخفروا فيه.
إننا نرد هنا أي محاولة تشكيك في أن الرجل كان يمثل حائط الصد الأوحد للأمة الإسلامي، وحارسها الأقوى الذي وقف في وجه أعدائها.
يقول بعض الباحثين:
"إن الحمدانيين تلقوا الدعم من بعض القبائل، باعتبارهم القوة التي تواجه البيزنطيين وحظي سيف الدولة بشعبية واسعة لاعتباره البطل الذي يدافع عن العقيدة والدّين، وحتى الإخشيديون أعداء سيف الدولة أدركوا دور الدولة الحمدانية في الجهاد ضد البيزنطيين لذلك اعترفوا بسلطته في الشمال السوري"
فعل ياترى لو كان الرجل فعلا يدافع عن ملكه ومملكته أكان يلقى أي دعم أو مساندة أو اعتراف من أعدائه؟








































