تحل علينا في التاسع عشر من ديسمبر من كل عام ذكرى رحيل العالم الجليل فضيلة الدكتور محمود محمد عمارة طيب الله ثراه، الذي فجعنا فقده عام ٢٠١٥، وإذا كان كل إنسان يموت فينمحي أثره ويندرس ذكره، فإن شيخنا خلف وراءه بصمات مؤثرة في نفس كل من تتلمذ على يديه واستمع إليه، فلم يكن رحمه الله عالما تقليديا ينطق بالنصوص من آي القرآن والحديث ليستدل على ما يقول، ولكن الرجل كان غواصا ماهرا في المعاني التي تضمها هذه النصوص، يستخرج منها فهما جديدا لم يسبق لك أن وقفت عليه من قبل، فيذرك حائرا مندهشا من فرط الإعجاب بما طرحه عليك..عشق الدكتور محمود عمارة كتاب الله، وكان دائم الهيام به والسياحة في آفاقه، يستخرج منه الدر المكنون، إيمانا منه أن عطاءه لا ينفد، وخيره لا يجف، فكان خليقا به أن نطلق عليه الداعية القرآني.
ورغم أنه كان ملء السمع والبصر، وانتخب عضوا بهيئة كبار العلماء، إلا أننا أمام قيمة الرجل الحقيقية، والوقوف البصير على حجم علمه وإمكاناته الكبيرة الفائقة، نؤكد أنه لم ينل حقه الكافي واللائق به، ففوق العلم والبصر والتأمل النافذ، كان شيخنا آية من آيات البلاغة، وأديبا من أعذب الأدباء لفظا وصيغة وبيانا، كنت حينما تستمع إليه في الإذاعة يأخذ بتلابيب نفسك، ويأسر سمعك، وتنجذب إلى حديثه منقادا بكل عاطفتك، ولم تكن حلاوة اللفظ وروعة البيان وحدها مما يبهرك في حديثه، وإنما حباه خالقة بنبرة صوت تشع بجلال رهيب حينما تتحد مع المنطوق، فتشكل رهابة قدسية تتوهج معها أفئدة المستمعين.
كان رحمه الله أديبا لا يشق له غبار، وصار في اللغة عنوان وفي القول برهان، بل هو طراز من الأدباء رفيع، رائق اللفظ، جزل العبارة، رشيق المعنى، متفرد الحرف، معجز الأداء، في ملحمة منيعة من الجذب تفرض عليك أن تنفض يديك من كل شيء لتستمع إلى هذه النفرة الساحرية المدوية في آفاق الروح.. ولعلي أقول: إن هذا التوافق العجيب بين يوم ميلاده ويوم وفاته والذي يواكب اليوم العالمي للغة العربية، ما هو إلا مصادفة تشير في تجانس مدهش نحو هذا الرباط الكبير بين رجل أحبها وتغنى بها، وجعل منها جوادا يمتطيه في مسيرة الدعوة الإسلامية.
كنت ممن اقترب منه رحمه الله وتتلمذت على فنه وعلومه وكتبه، فأشربت منه الكثير، وخبرت من حاله وطباعه وأخلاقه الفريدة كرجل يعيش لله، ويضع خشيته نصب عينيه، يتكلم بالله ويفكر بالله ويسير بالله وينطق بالله ويتحرك بالله، كان القمة العالية في التواضع والاحترام والرفق واللين، والتبسط وخفض الجناح للآخرين، لم تكن تبهره المناصب، أو يسعى خلف نفوذ وسلطان كغيره من الشيوخ ممن أسرتهم بوارق الجاه، لم يكن ممن ينافق او يتملق رغبة في الدنيا وزينتها الزائلة، وما جعل من نفسه يوما أداة في يد أمير او وزير، يصفق له ويتغنى بمديحه ويسبح بحمده طمعا في قربه وأربا في وصله، إذ كان حرا عزيزا متعففا لا يقبل الدنية في طبعه والرخص في قوله، ما عهدناه صادم أحدا من الناس، أو أنس بإشعال المعارك وتأجيج العداوات، وإنما كان مسالما، يرد على الخصوم بالقول الحسن، ويلقمهم بالحديث المهذب، في حجة دامغة، تردهم إلى الاستقامة، وتردعهم عن الغواية، في حوار بلغ رقيه من الأدب القويم والتسامي الرفيع.. كنا كلما جلسنا إليه نتلقف هذه النتف الباهرة مما استخلصه وأفاده من ثقافته الوافرة، واطلاعه الواسع، وقراءته المهولة، التي كانت تظلله بسحبها لا تنفك عنه في كل حال، كنت تراه يمشي في الطريق مهيبا جليلا وكأنه نبي يبتغي رسالة، ويسعى خلف هداية، كرمه لا حدود له، سمحا في بيعه وشرائه وكل تعاملاته، يسعى إلى الخير بكل جوارحه واهتمامه، وكانت سعادته الكبرى حينما يشفع لمظلوم، او يزيح عن مكروب، أو يقضي حاجة ملهوف، ولم يكن رحمه الله في معزل عن الترجمة العملية لكل ما سمع وقرأ من معالم الهدى، بل كان الصورة الحية لأخلاق النبوة، وسلوك الداعية الرشيد، ترك تلاميذ نجباء مازالوا إلى اليوم يحنون إلى ذكراه، ويتمثلون خطاه، ولا يغيب عنهم ما تعلموه من شيخ كان المثال الأوفى للإمام الداعية.








































