لكم توقفت كثيرًا أمام حادثة الصحابي الجليل أبي محجن الثقفي الذي شرب الخمر وحبسه سعد بن أبي وقاص ومنعه من القتال في معركة القادسية لكن سلمى زوجة سعد، أطلقت سراحه فأبلى بلاءً حسنًا في القتال وعاد ليقيد نفسه، فسامحه سعد وتعهد أبو محجن بترك الخمر بعد ذلك.
لقد اشتعلت نفس الرجل كمدا أن حرمه سعد من القتال وقيده في الأصفاد وهو الفارس الشجاع الذي لا يشق له غبار، وكان في حبسه لو دام خسارة كبيرة لمعركة الإسلام ضد خصومه الفرس.. لقد فكه سعد وأسقط عنه الحد عرفانا ببلائه العظيم.
أمام تلك الحادثة تساءلت: لماذا ينظر البعض إلى النزوات الشخصية نظرة سوداوية، فيمحو عن صاحبها أي فضل وأي امتياز؟ لماذا إذا ذكر فلان أو علان وعرفت عنه بعض النقائص، يكون السقوط حظه في كل شيء فلا يقام له أي فضل، ولا يحمد له أي صنيع.
لماذا نخلط ولا نفصل بين بعض المعايب الشخصية، والنظرة إلى قيمة الشخص فيما يحسنه؟
أتذكر أنه كلما جاءت سيرة الزعيم سعد زغلول وجدت من يقول: كان مضياعا يلعب القمار، وإذا جاءت سيرة الزعيم مصطفى كامل وجدت من يقول: كان يقترض الأموال ولا يردها!
وكأن من يذكرنا بهذه التهم يريد أن يسقط بلاء الرجلين في الدفاع عن الوطن، وزعامتهما الكبيرة في معترك التحرير الوطني، وهل كون هذا الزعيم أو ذاك كانت له أخطاءه الشخصية، ومعايبه النفسية، فهل يكون ذلك سبيلا وشفيعا أن نسقط معه جهاده وسيرته وبطولته؟ وقد غاب عن وعيهم أننا نتعامل مع بشر لا ملائكة؟
حينما نقول عن أحدهم: كان عظيما، ونشهد له بالبطولة، فإننا لا نقصد بها البطولة المطلقة وعلى كل المستويات العامة والخاصة، وإنما نشهد له بما قدمه من فداء وتضحية وجهد في سبيل القضايا العظيمة التي تصلح بها حياة البشر فكرا وعقلا، وتنهض بها رفعة البلاد.
إن محاولة استدعاء الحياة الخاصة والتصرفات الذاتية المعيبة، خلل كبير في عملية التقويم، وعوج ظاهر في مسار الإنصاف.
بل أذكر كيف كان بعضهم ينتقص من قيمة الشيخ أحمد حسن الباقوري ويقول: إن بناته متبرجات غير محجبات، لقد سقط الرجل من نظره لهذا الصنيع، وأضحى في تصور القائل من العمائم الزائفة وربما المنافقة، ولا أعلم لماذا هذه القسوة في الحكم دون معرفة الحقائق، ومن أدرى هؤلاء المدعين أن الشيخ لم يأمر بناته بالحجاب، ولم يحثهن على نبذ التبرج، ومن يدريه أنه قدم النصح وطالب بالمعروف ولم يقصر في شيء من التربية؟ وهل كان يريح العائبين أن يقهر الشيخ بناته ويجلدهن بالسياط قهرا على فعل الواجب؟
بل مازلت أتذكر بعض المناضلين السياسيين، وقد أراد خصومه تحطيمه وإسقاط قيمته من أعين الناس، فنشروا صورا لابنته بالمايوه، وآخر أثبتوا شربه للخمر، وكاتب شهير رصدوا علاقاته النسائية، وفضحوه وجرسوه، بينما الرجل صاحب فكر متميز في قضايا الخير والعدل والحق والاستقلال.
إنني أريد القول: ليس معنى أنني عاصيا أنني أكره ديني وأحرم من الحديث عن سماحته وقيمه، وليس معنى أنني صاحب نزوة أن يحرم علي أن أشارك في مستقبل وطني ويكون لي رأيي الواضح في كل قضايا الحياة.
لقد كان نابليون مدمنا في اتخاذ العشيقات، ومع هذا كان أعظم قائد حربي عرفته أوروبا، بل هو إلى اليوم فخر فرنسا وأكبر رموزها التي تعتز بهم، فهل قام منهم من طعن في سيرته لاتخاذه العشيقات، بل هل قام منهم من ذكر صفاته الشخصية المتدنية التي تتنافى مع قيم الفرسان أصحاب النبل والمروءة؟ يقول شيخنا الغزالي في علل وأدوية: "وقد أُلِّفت عشرات الكتب عن نابليون تنوه بأمجاده وتتواصى بالسكوت عن غدره وشذوذه وخسته. القوم إن رأوا من عظمائهم خيراً أذاعوه وإن رأوا شراً دفنوه "
إنهم قبلوه ورضوا بحسناته وسيئاته، وعرفوا فيه ما أنكرناه نحن من أنه بشر، لا يتطلب منه أن يكون عظيما في كل شيء، ولم يسمحوا لأنفسهم أن يكون تسفله في علاقاته النسائية، سبيلا لمحو إنجازاته التي جعلت منه عظيم الحرب وسيد المعارك.
وبعض الشيوخ المعاصرين ممن بلغ التصدر في الفتيا والاجتهاد، أحب فتاة جزائرية، هام بها وولع بقربها ثم تزوجها، فقامت عليهم القيامة وكأن الحب حرام، أوكأنه اقترف معرة كالزنا والخمر، فشنعوا على الرجل وحاولوا إظهار نقصه، وفق تصورات أدمغتهم القاصرة، ونسوا أنه بشر، ولم يقل يوما: إنه ملك من الملائكة.
لقد كان شوقي امير الشعراء يعاقر الخمر، وهو مع هذا الذنب اعظم من مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهج البردة، فهل نمزقها ونعرض عن التغني بها لسلوك صاحبها؟ أو أن نسقطه من عرش الشعر لذنب جناه ولعله تاب منه؟
أذكر أن المتنطعين نشر صورة للشيخ الغزالي في زفاف ابنته على ابن إحسان، وكانت العروس كاشفة عن شعرها فقال: "أي شيخ وابنته بدون حجاب شرعي، على من يضحكون على الناس أم على الله ياربي رحمتك من هذه الامة الباطلة"
فجاءه الرد من فاهم فقيه: "يا عدو الله ألم تعلم أن الأب ليس مسؤول عن أولاده إذا بلغوا؟ أهل عاقب الله نوح بكفر إبنه؟ أو لوط بكفر زوجته؟ في ديننا كل بالغ مسؤول عن نفسه أمام الله، ألم تقرأ يا حمار قوله تعالى:"لا تزر وازرة وزر أخرى"؟
وقد يحسب البعض أننا نريد أن نجمل الخطأ ونبرر له، أو أننا ندافع عن بعض الرموز بلا لوم لما اقترفوه سواء كان برغبتهم أم خارج عن إرادتهم؟ وهذا مالا نقصد أو نريد، فأنا فقط أريد ألا تمنعنا بعض المساوئ من جحود كثير من الحسنات التي كان لها فضلها وأثرها وخيرها في فعل كثير من الرجال، وإذا كانت لأحدهم بعض الهنات فلا يمكن أن نتغاضى عن ضله العميم وما قدمه من حسنات تعجز غيره من اللائمين.!
21-12-2025








































