نقول: إن العالم الفلاني صنع وصنع وحقق للدعوة أكبر المكاسب، وأبلى في سبيلها أعظم البلاء، ونشر العلم في ربوع الدنيا، وكانت أحاديثه وكتبه وفتاويه سببا في هداية آلاف الحائرين وإرشاد ملايين المضللين، ونظل نعدد هذا العظائم، حتى يأتينا غر صغير أهوج ليقول لنا: إنه حلق، أي يريد أن يقول لك: إن كل ما عددته من محاسن الرجل لا قيمة لها لأنه حليق اللحية.
ولا شك أن هذا ظلم كبير، وجور فادح، يعبر عن قصور نظر، وبلادة فهم، وضيق أفق، وانحسار وعي، وهب أن الرجل كان حليقا وكانت الحلاقة ذنبا ومعصية، ألا يرحمه ربه بما قدم وبذل في سبيل دينه ودعوته؟
إن هؤلاء تماما كمن ينظر إلى جبل كبير من الذهب والجوهر، ثم يقول: إنه قائم على الأرض والتراب، أي أنه لا نفاسة له لأنه يلامس الأرض!
أو يعيبون سيوف المسلمين التي هدمت الطواغيت وقهرت أمم الظلم، لأنها لا مقابض لها، حيث كان السلف يلفونها بالخرق والقماش!
او يعيب درعا قوية تقي من مطارق الأعداء، وحدة أنصالهم، لأن بها نقطة صدأ لا تراها العين!
قال أحدهم: إن أي عالم حليق لا أقتنع به، ولا يزن في عقلي جناح بعوضة، وأي قارئ حليق لا أستمع إليه او يبهرني صوته.. وكأن اللحية عنده صارت من أركان الإسلام ودعائمه الثابتة، بل لربما يعدها شرطا أساسا لدخول الجنة أو ولوج النار، وأنا لا أعلم ما هي المحاضن التي آوت هؤلاء الناس فخرجت لنا هذه العقليات الضحلة الآسنة؟!
نحن لا ننكر السنة ولا ننكر وجوب اللحية، ولكن هذا القمع المريع والتجني الباهظ، لا يستقيم مع سماحة ديننا الذي أعذر الناس، ونظر ووازن بين حسناتهم وسيئاتهم، وأعلمنا كتابه أن لنا رب غفور رحيم، وعلمتنا سنته أن الله تعالى غفر لبغي لمجرد أنها سقت كلبا يلهث من شدة العطش، وأعلمتنا كذلك أن رسوله ﷺ قالَ: "إنَّ الرَّجُلَ ليَتَكَلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بلَغَتْ يكْتُبُ اللَّه لَهُ بهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يلْقَاهُ" لقد عملنا ديننا أن نقيم الاعتبار الأعظم لأعمال الإنسان قبل مظاهره وهيأته، لجوهره قبل صورته، لشعوره قبل شعره.
نشر صديقنا الدكتور العسيلي صورة للإمام محمد أبو زهرة وأخرى للشيخ المنشاوي وكتب يقول: "شيخان كريمان فاضلان مبجلان ينتقدهما بعض الغلمان لأنهما حليقان: الإمام/ محمد أبوزهرة
والشيخ/ محمد صديق المنشاوي" وإننا لنقف هنا أمام رجل مازلت أوابل الحسنات ترسل إليه بعد موته بسبب قراءته العزبة للقرآن، وما زالت آذان المسلمين تتشنف بأجمل صوت تلا كتاب الله وأحكمه، فمن يا ترى يعادل نفسا كنفسه وعملا كعمله؟ ثم انظر إلى هذا الشاهق صاحب العقل العظيم الجبار الإمام أبو زهرة، الذي حمل رسالة الفقه ورتبة الاجتهاد، وكانت له رؤاه التي عز نظيرها في أحكام الإسلام، وبين أيدينا مصنفاته الخالدة التي أفادت الباحثين والمجتهدين من طلاب العلم والحقيقة، وتفسيره القيم في فهمه للقرآن، فمن يعدل في الموازين ما قدم أبو زهرة، ومن أزهرت أعماله كما أزهرت أعمال أبي زهرة؟
كيف نقبل لهذه الجبال الشم أن تناطحها هذه البراغيث؟
تلك إذن قسمة ضيزى.








































