منذ فترة ناديت في آذان العلماء والدعاة نداء الحريص على دينه وأزهره، ودعوتهم لقراءة كتب الشيخ محمد الغزالي، لأنها كتب تعلم المشايخ معاني الغيرة على الدين واليقظة في الوعي، والبصر بمواضع القدم وما يحيطها من مخاطر ومؤامرات.
لقد راعني أن يُخرِّج الأزهر عددًا من البارعين في العلوم الشرعية واللغوية، فإذا أتيت تحدثه عن قضايا الإسلام والفكر الديني، والواجب الذي يلتزمه الداعية حيال كثير من الحوادث، رأيت تخلفا باهظا، ينبئ عن جهل شاهق لا يتواءم مع العمامة التي كانت في يوم من الأيام قائدة رائدة زعيمة متصدرة.
لقد شاعت في روح كثير من أبناء الأزهر، ضلالة في النظر وضحالة في التقويم، وانحدار في المفاهيم، فما عاد منهم من يميز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، والاستقامة والغواية.
بل ترى بعضهم وللأسف لا يكتفي بالجهل فقط، بل ينحدر آسفا فيقيم الحق مقام الباطل، والباطل مكان الحق.
إن ما يبرع فيه كثير من أبناء الأزهر، حينما يتكلم، إنما يكون في أحكام الفقه وقواعد اللغة، فإذا خرج عن هذا الإطار ليتولى مسؤوليته في قيادة الفكر وتوجيه العقول، رأيت تخبطا سحيقا لا يخلف إلا الحماقة والتعصب المقيت، ولهذا أرى أن أفضل سبيل يرتقي بأفهام الدعاة، ويستقيم بمسار عقولهم، ويخلق في أوعيتهم بذور الوعي الرشيد، هي كتب الشيخ محمد الغزالي الذي تبصر الداعية والعالم والأزهري بواجبه ومكانته اللائقة به، والتلقي الذي يجب أن يتعامل به.
لقد عرفت الإمام عبدالحليم محمود رحمه الله، شيخ الأزهر الأسبق، فهو في نظري شيخ وولي صالح، تقي من الذاكرين المخبتين، وحينما طالعت كثيرًا من كتبه، وجدتها تدور ولا تخرج عن ذات الفلك، ولكنني أعترف أن له بعض الكتب التي جعلتني أغير نظرتي فيه، وأرى الشيخ عبدالحليم على غير الوجه الذي ألفته وعرفته، إذ رأيت مفكرا واعيا وعقلا بصيرا يواجه كل انحراف مما يراه حوله ولا يسكت عليه، ولم يكن كهذا الصوفي العاجز البليد الذي كلما سكوت إليه انحرافا يقول لك: دع الملك للمالك، ومن كتبه التي جعلني أراه في صورة جديدة، هو كتابه [أبو البركات سيدي أحمد الدردير] نعم يبهرك الشيخ بلمسات جديدة لا تعهدها فيه، فلقد تصدى للكتاب الفجرة المجرمين الذين يتآمرون على الإسلام، ويستهزئون بالمشايخ في محاولة منهم لقتل القدوة في نفوس الشعب، بل طالب بزجهم في السجن لتخرس ألسنتهم، وهي حدة تعبر عن غيرة عظيمة على الأزهر والإسلام، بل هاجم الشيخ عبد الحليم الإعلام الفاجر وما يصدره من أفلام ومسلسلات منحرفة، تشكك في العقيدة والقيم الأخلاقية، لم يقف الشيخ عند هذا بل كشف مخططات اليهود والاستعمار والغزو الفكري في تحجيم دور الأزهر الذي يمثل خطرا كبيرا على معاقل التبشير والتنصير في كثير من البلدان، بل نقل الشيخ عبد الحليم مقاطع من بروتكولات حكماء صهيون، ثم دلف على التاريخ فوبخ (محمد علي) واتهمه بالفجور والخداع لاستيلائه على الأوقاف الازهرية، وجعله مغتصبا للمال الحرام الذي لا يفلح آكله وسارقه، وطالب الزعماء المعاصرين أن يردوا الأوقاف للأزهر.
دافع الشيخ عن الدولة العثمانية وخلفائها العظام الذي حاول كثير من المغرضين تشويه تاريخها الباهر في خدمة الإسلام، وتحطيم صورة خلفائها، إذ يقول في بعض الفقرات كلاما يقع كالصاعقة على كثير من المغرضين: "في ذلك الزمن كانت الخلافة لرسول الله الله في تركيا، وكانت تركيا معقد آمال المسلمين بسبب الخلافة، وكانت أعين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تمتد إلى تركيا راجية ومتوسلة، مستنصرة أو ناصرة.. إن الخلافة في تركيا جعلت المسلمين يتطلعون إليها كرمز لرسولهم وقائم على دينهم، وساهر على مصالحهم، وكان الكثير من هؤلاء الخلفاء يشعرون بالمسئولية الملقاة على عاتقهم ويعملون ما استطاعوا لخدمة المسلمين، ونشر رسالة الله.
وكان جيش الخلفاء معدا بقدر الاستطاعة لإغاثة المظلومين من المسلمين أينما كانوا.. لقد كان للخلفاء قداسة، وكان لهم هيبة في الشرق والغرب، وكانوا يقولون فتصغى الدنيا لقولهم."
الرائع في المشهد أن الشيخ عبد الحليم إمام صوفي، ويأتي بهذه السطور في الوقت الذي يتصدر المشهد فيه شيوخ من الصوفية كل مهمتهم تغييب الناس وتجهليهم وتضليلهم، والنأي بهم عن الوعي الرشيد والقول السديد.
سمعت الشيخ الغزالي رحمه الله يقول بأن الشيخ عبدالحليم هو من أخذه من يده وجعله خطيبا في جامع عمرو بن العاص، ولما أراد الشيخ أن يعتذر، رفض الشيخ عبد الحليم اعتذاره، وفعلا تحقق رجاء الشيخ عبد الحليم حينما جعل هذا الداعية البصير في هذا الموقع، فحول جامع عمرو إلى مدرسة تربوية فكرية توعوية تهدي السامعين وتعلم المقبلين، كيف تكون معاني الإسلام الحق، الذي لا يمكن أبدا أن يقف عن حدود الأحكام الفقهية والوعظية، ففي عهد عبد الناصر، وبفضل حالة الوعي التي نشرها الغزالي خرجت أول مظاهرة ضد الشيوعية وكتابها الذين استهزؤوا بالأزهر وعمامته ومشايخه.
الشيخ (عبد الحليم) كما لم نعرفه من قبل
- 🔻
-
- بقلم: حاتم ابراهيم محمد سلامة
- ◀️: مدونة حاتم سلامة
- الزيارات: 3
- رقم التوثيق: 4010








































