تَفْسِير
في قاعةِ المحكمة، لم يفتحِ القيصرُ كتابَ القانون؛ وضعَهُ تحتَ قدمِهِ القصيرةِ ليطالَ الخريطة. بسكّينِهِ الملطخة، رسمَ دائرةً حولَ عنقِ "الخصم"، وخطاً مستقيماً يصلُ بساطَ "الحليف" ببيتِ المال.
ارتبكَ الفقهاء. رفعَ القاضي صرختَهُ: «العدلُ اليومَ ليسَ في ميزانِ كفتين؛ إنه في زاويةِ الانحناء». ثم ركعَ حتى لامستْ جبهتُهُ الأرض، وتمتم: «اكتملَ النصُّ».
مَحْوٌ مُؤَجَّل
انهمكوا في رصِّ النجومِ على خارطةِ الوطن. شيّدوا القلاعَ بمدادِ اليقظة. اقتسموا الضوء.
في الزاويةِ القصية، انزوى هو تحتَ عباءةِ أحدهم، يطوي قامتهُ لتلائمَ حجمَ النعل، ويمشي حيثما مالتِ الخطى. أُغلقَ الكتاب. استوى أصحابُ العقولِ في المتن، وانمحتْ بصمتُهُ الغارقةُ في الوحل. أرادَ الاحتجاجَ على ضيقِ العتمة.. تعثّرَ بلسانه؛ نسيَ السطرُ أثراً لم يخطّهُ قلم.
فَرَاغٌ مُزْهِر
على ركامِ مدينتِهِ المتجمدة، يفتشُ في صمتِهِ عن معنىً ينجو من البرد. القذائفُ كشطتْ أسماءَ الشوارع، كستِ الشتاءَ رماداً.
من شرفتِها المنكوبة، نفضتْ غبارَ القصفِ عن وجهِها. بأناملَ مرتجفة، أسقطتْ لافتةَ الحرب. تلاشى البارودُ عطراً. انثقبَ جدارُ العتمةِ عن شمسٍ مباغتة. رفعَ رأسَهُ.. العالمُ يُزهر.
نُدْبَة
يصقلُ الذهبَ القائمَ في المرآة. بريقٌ أصمّ، ملامحُ مسطحةٌ لا يهزُّها رمش. تهوي المطرقة. يشهقُ الزجاج. تتساقطُ القشورُ المعدنيةُ على الرخام.
وسطَ الشظايا، يبرزُ وجهٌ مالح. يغرسُ إصبعَهُ في شقٍّ أحمرَ نبتَ في اللحم. يرتجفُ اللحمُ. يسيلُ الوقتُ. يضحكُ الطينُ الذي استعادَ أنفاسَه.
تَرْقُوَةُ الصِّفْر
تَـلتحمُ تراقيهِ ببرودةِ المقبض. الخشبُ جلدٌ ثانٍ يرتعش. العتمةُ خلفَ الثقبِ حضورٌ كثيفٌ للمَحْو. يمدُّ فراغَهُ ليملأَ الثغرات. يلمسُ وجهَهُ في زجاجِ النافذة؛ الملامحُ تسقطُ كقشورِ طلاءٍ قديم. الصوتُ الذي ظنَّهُ طرْقاً، نبضُ ثيابِهِ الفارغةِ من الجسد. فتحَ البابَ.. استحالت نفسُهُ في الجهةِ الأخرى.
انْشِرَاح
هوتِ الفأسُ في صدرِه. استقام.
تحسَّسَ الفجوةَ بذهول؛ كانتِ الدنيا تتسربُ منها غباراً ضئيلاً. نظرَ عبرَ الشَّرخِ النابتِ في منتصفِه، لم يجد أحشاءَه، رأى أفقاً شاسعاً لم تبلغْهُ عيناهُ قط. كلما ردموا الجرحَ بكلماتِ التعازي، اتسعَ المدى خلفَ أضلاعِه. في ذروةِ الانكسار، أدركَ المقايضة: خسرَ الأرض.. كسبَ السماوات.
عَازِل
في باريس، يضبطُ المخرجُ زاويةَ الضوءِ على ياقةٍ بيضاء. يمرّنُ البطلُ حنجرتَهُ على بُحّةٍ جنائزية. خلفَهُ، جرافةٌ تنهشُ أرضاً بعيدة، وصغيرٌ يلوّحُ بخرقةٍ حمراء.
تحتَ وهجِ البثّ، يغمضُ عينيهِ بتأثّرٍ مَدروس. يتدثّرُ بفروٍ يقيهِ صقيعَ الاستوديو، ويصرخُ في الفراغِ المضاء: «الأرضُ لا ترتوي إلا بالأحمر!». تنطفئُ الكاميرا.. يُحصي "إعجاباتِهِ". يمضي إلى عشاءٍ هادئ.
مَفَازَة
تحتَ سقفٍ يلفظُ أنفاسَهُ، يحفرُ الصبيُّ بأظافرهِ في ركامِ الإسمنت. لا صوتَ إلا أزيزُ طائرةٍ تمزّقُ العظام. عثرَ على هاتفهِ المحطم؛ لم يبحثْ عن إشارةٍ، حشرَهُ في ثقبِ الجدارِ ليصدَّ الغبارَ عن رئةِ أخيهِ الممددِ تحتَ الردم.
لم يرَ الوميض، ولم يسمع الخطابات؛ كان يسندُ السماءَ المنهارةَ وحده. عندما هدأَ الموت، لم يتبقَ منهُ سوى بصمةِ يدٍ طينيةٍ على حجرٍ بارد، وحفرةٍ عميقةٍ لا تعرفُ شعاراً، ابتلعتْ صمتَهُ الطويل.
سِفرُ المِسطرة
فوق رمل سيّال، غرس "مِسطرته". خلفه، الحدود جيفة تنهشها الضباع. لم يلتفت. طعن قلب العدم بمداد القانون. استقام للفراغ عمود فقري. صاح عابر مسكون بالرمل: "الجدران مآبنا!". نقر المهندس شغاف الشاشة. استيقظت التلال المنسية شرايين ضوء تربط رصيفه برئة العالَم. السيادة عنده "فخ" عبقري؛ أن يشهق الغريب من رئة مينائك. حين جف عرق الإعجاز، تلاشت طبول الجوار. كانت الجغرافيا مشاعاً للنهب. صارت "مشنقة" لا يملك مفتاح مشبكيها.. إلا هو.








































