تجاعيدُ مفتاح
فوق مخمل قانٍ، تهرق الريشة دماً أسود. يسكبون دساتير مدججة بالزيف. يحرسون خزائن محشوة بالريح.
في أخدود منسي، يغرس كادح أظافره في محار الطين. يعجن الصلصال بملح مآقيه وصمت السنين. استقام الصرح. استل من جيبه المفتوق مفتاحاً أكله الصدأ. أودعه كفاً غضة ترعد.
عبرت الطفلة العتبة. أُوصِدَ خلفها مزلاج التيه.
ذرت العواصف الأوراق الهشة. استحال الطين ملاذاً. المفتاح ميثاقاً. صار الرجل وطناً يأوي إليه الوطن.
إحداثيات القيامة
تجمّد عقرب التاريخ عند 20.10.2011.
على جدار الذاكرة، انسلخت الخريطة عن جلدها؛ تفصّدت عرقاً وباروداً. لم تكن البوصلة تشير إلى اتجاه، تحفرُ في خاصرة الرماد بحثاً عن هوية.
هناك، حيث انمحت التضاريس، وقفتُ عارياً من الخوف، أوقّع بيقيني على بياض المسافة. حين فتشتُ عني في أرشيف الناجين، أدركتُ الفجيعة: لم أكن الناخب.. كنتُ القبر المفتوح.
خداع الحبر
وَقفَ باهي المُحيَّا، يمسحُ بِكُمِّهِ الغبارَ عن لوحةٍ زجاجيّةٍ تحبسُ "مولودَهُ" الجديد. الغلافُ مطليٌّ بذهبٍ يعكسُ أضواءَ المعرض، الورقُ صقيلٌ ينزلقُ كالحرير، ورائحةُ مطابعَ حديثةٍ تُسكر.
بقرْبِه، شيخٌ منزوٍ يحملُ رقاعاً صفراءَ مخيطةً بكتّانٍ غليظ، تنامُ فيها حروفٌ مضطربة.. نبضٌ هارب.
تقدَّم شابٌ، مسَّ الغلافَ الذهبيَّ ففُتِن بلمعتِه؛ اشتراهُ ومضى. خطواتٌ.. وفتَحَه. البياضُ داخلَه ناصعٌ، صامتٌ، باردٌ ككفنٍ فاخر، لا شيءَ فيه سوى لغوِ الطابعة.
التفتَ، فرأى الشيخَ يمدُّ له ورقةً. لمسَها.. فاحترقتْ أصابعُه بجمر الكلمات! همسَ الشيخُ والغلافُ الذهبيُّ ينعكسُ في عينيه:
«صنعوا القفص.. وحبستُ فيه الريح!».
قيد
تحتَ سوطِ الهجير، وقفَ الشيخُ يطحنُ قلقَه. التفتَ خلفَه؛ أسلاكُ "العقيلة" تنهشُ الذاكرة. ظلالُ الرفاقِ تلوّحُ من غبارِ المأساة.
أَمامَه.. صمدَ الصندوقُ الزجاجيُّ كضريحٍ ينتظرُ نبيّاً. مدَّ يدهُ المرتجفة. أسكتَ ضجيجَ عجزِه. دسَّ في جوفِ الزجاجِ كفناً أبيضَ من ورق.
حينَ غمسَ سبابتَه في المحبرة، أبصرَ القتلةَ يفرّون من ثقوبِ الضوء. سكنَ الوجعُ. من قلبِ الحبرِ البنفسجيِّ.. نبتتْ أصابعُ تشيّدُ الوطن.
تَشْكيل
انطفأ السراج الأخير. غرق المحراب في عتمة خرساء، لا يكسر حدتها إلا فحيح الموقد القابع في الزاوية.
هناك، كان يغرس أصابعه العارية في الجمر المتوقد. لم يصرخ. كل أنين خذله استَحال مِطرقة في صدره. لملمَ الوجع الأحمر بِمِلقط الصبر. طرقه فوق سندان السكوت. نفث فيه من زفير روحه المشتعلة.
توارى الليل خجلاً. انبثق من وسط الرماد وهج غريب.
على الرأس الذي انحنى طويلاً تحت سياط الخيبة، استقر إكليل من ضياء صلب؛ كلُّ فصٍّ فيه ثقبٌ خلّفه احتراق قديم. وقف أمام مرآة الحقيقة.. أنار القصرُ كله من فيض جرحه الذي صار تاجاً.
مِشكاة
أحكم رتاج نوافذه. ردهةٌ مظلمة. لم يلمس قاطع الكهرباء. تحسس قلبه. استقرت نبوءته القديمة.
فجأة.. تآكلت ظلال جدرانه. تلاشتِ المسافة بين الرؤية والرؤى. اقتحم الناس بابه. الغرفة غير مضاءة بشمس؛ الضوء ينبع من جلده.. لا يسقط عليه.
بكسل زائف
بمرشح دافئ، تُرمّمُ صَدع هويتها. تقتنصُ صَدأ ساعة جَدّها، وتُذيّله بيقين مستعار: "الأصالة لا تحتاج لترميم".
خلف بريق الشاشة، تئنُّ الجدران برطوبة عتيقة. يسقط الرخام عن الطوب الهشّ. يملأ النمل الفراغات.
— "يا بنيتي.. ثمن الدواء!"
جاء الصوت متهدجاً، لكنّ فاطمة تَعُدُّ الإعجابات لزمن غابر. في الزاوية، الجدُّ ينسحب من ملامحه؛
تسمن الصورة.. ويحتضر الأصل.
نياشين السَّماء
استيقظَ قبلَ الضوءِ.. لم ينتظر بوقاً. في صدرِهِ جرسٌ لا ينام. أمامَ مرآةِ ضميرِهِ رآه: عريفاً يفكُّ رموزَ السجودِ. رقيبٌ ينبشُ جيوبَ النوايا.
في الزحامِ، ردعَ طغيانَ القويِّ بوقارٍ مُهيب. انحنى لكسيرٍ يرممُ هشاشتَه. قادَ رغباتِهِ بالأغلالِ؛ بينما سادَ قطيعُ الشهوةِ.
احتدمَ الزيفُ.. وقفَ وحيداً كمنارةٍ لا تطمعُ في نياشينِ الطينِ. عيناهُ تلمحانِ رتبتَه هناك.
في المساء، خلعَ خوذةَ الدنيا.. نامَ ملكاً؛ لأنهُ عاشَ جندياً لا يُقهر.








































