وليمةُ المِرآة
اعْتلى المنصةَ غبارٌ مريب. أنضجتِ الحناجرُ زغاريدَ صقيلةً كالمقصلة. لوّحتِ الأصابعُ بنصرٍ واهم، ثم شيّعت طائرةً أفرغت وعودَها في الحقائب وانمحت.
ترجّلتْ شمطاءُ تنفثُ بركةً؛ تُحصي ببرودٍ جهنمي "عُدّةَ الأنياب" في أفواهٍ شغرها الهتاف؛ لتتأكد أنَّ الفريسةَ صاغت حتفَها بإتقان.
مضتْ.. تركت النصرَ مصلوباً فوق المشانق. توالت الخيباتُ. نكشطُ بأظافرنا جيفةَ وهمٍ مزمن، نمزقُ إهابَ بعضنا بأسنانٍ لم تكن تُجيدُ إلا قضمَ الريح. لم يرتفع صرحٌ؛ اتسعت القبورُ لضيقِ انكساراتنا.
سكنَ الضجيجُ. لفظتنا الحقيقةُ عرايا: المائدةُ التي قدّسناها كانت خاوية.. كنا نحن الطبقَ الرئيسي.
تنقية
عتبةُ "الدار" تضيق. الحشدُ المقنّع بالثقافةِ استبدلَ مدادَهُ بالهراوات. المبدعُ يلمُّ شتاتَ ريشتهِ المذعورةِ. غادرَ. قايضَ "الودودُ" الصخبَ بابتسامةٍ فاترةٍ؛ ابتلعَ الضجيجُ حنجرةَ الناي.
دلفَ "الحازمُ". نزعَ قفازاتِ الحريرِ. شرعَ النوافذَ بسطوةِ القانونِ. كنسَ لغو القولِ خلفَ الأبوابِ. أوصدَ المنافذَ في وجهِ باعةِ الشتائمِ.
عاد المبدعُ لمقعدهِ. وضعَ أولَ سبيكةِ ذهبٍ من فكرهِ على الطاولة.. استدارَ الصمتُ ليسمعَ.
جذور
ارتقى الأكاديميُّ سُدّةَ عاجِهِ. بمشرطٍ باردٍ شقَّ جَسدَ الفكرة. يُشرّحُ مبتدأَ الخُضرةِ. يُؤصّلُ لنواميسِ الثمارِ في قواريرِ الكلام. ضجّت القاعةُ بضجيجِ الأكفِّ انتشاءً لبيانِهِ.
خلفَ زجاجِهِ العازل، كان عمر يرتطمُ بالتراب. أصابعُهُ المتشققةُ محاريثُ حيّةٌ تُرتّلُ في رحمِ الطينِ تمائمَها. لا يحللُ اللون؛ يصنعهُ بملحِ العرقِ والأنين.
هبّ الإعصار..
تطايرت غصونُ الظنِّ عن طاولةِ التشريح. تهاوتْ جدرانُ البيانِ الباذخِ. نبتَ عمرُ في مكانهِ؛ حقيقةً عاريةً تملكُ قدماً من طينٍ.. ورأساً لا تنحني للريح.
قيدٌ سري
على الطاولةِ حُكمٌ مُذيلٌ بختمٍ رسمي، ومطرقةٌ أعلنتْ بَتْرَ العلاقة.
في الردهة، انتزعَ الحاجبُ كفَّ الصغيرِ من كفِّها؛ مضت الأمُّ بصمتٍ يلمُّ شتاتَ الضوءِ في عينيها.
في مَقرهِ الجديد، أفرغَ الأبُ حقيبةَ الطفل؛ الملابسُ، الألعابُ، الأوراقُ.. كُلُّها كانت هناك، لكنه ذُهل حين وجدَ "الحبلَ السريَّ" لا يزالُ نابضاً في تجويفِ الصدر، يمتدُّ عبرَ النوافذِ وخلفَ الجدران، ليربطَ أنفاسَ الصغيرِ بقلبٍ ينامُ تحتَ ركامِ الحُكم.
ثمن الظل
ألقوا أمامه خريطةً مبللةً بالوعود، وقلمًا يقطرُ "نجاةً".
الكرسيُّ خلفه يهمس. الهاويةُ أمامه تلوح.
نظر إلى كفّه. رأى عروقًا نبتت جذورًا في ترابٍ لا يقبلُ القسمة.
أزاح القلمَ كمن يطردُ ذبابةً عن وجه التاريخ. اختار أن يكتبَ خاتمته برصاصةٍ في الصدر، لا بتوقيعٍ في الهامش.
سقط الجسدُ. ارتجفت عروشُ الباقين. ربحوا العيشَ في أقبيةِ النسيان. اشترى بدمه شمسَ القادمين.
تَخَيُّط
مائدتُه باذخة. ضحكاتُهم تَخنُقُ عويلَ الريح.
أطالوا المكوثَ حتى جفَّتِ الكؤوسُ، وامتلأتْ أطباقُ الفضةِ برمادِ الحكايا.
عند أولِ ضوءٍ، غادروا بابتساماتٍ لزجة.
هَمَّ لوداعِهم، فشلَّ خطوتَهُ خيطٌ حريريٌّ يربطُ كاحلَهُ بساقِ الطاولة..
غزلَهُ طوالَ الليل من جِلْدِ ظهرهِ؛ لئلا يشعروا أنه غريب.
مراسم
تزاحموا حول الجثة. رتقوا ثقوبها بمديحٍ لزج. رفعوا النعش فوق أكتافٍ ألِفت التصفيق. عند حدود الظل، كنتُ أحشو حقيبة رحيلي بحطامي.
نادى أحدهم: ألا تشارك في الوداع؟
ألقيتُ نظرةً على الطريق نحو التيه، وقلتُ بصوتٍ محشوٍّ بالرمل:
أنا الوحيد الذي لم يغرس مسماراً.. فكيف أحمل الكفن؟
طُوفَانٌ مَالِح
يَمّمَ بَصَرَهُ شَطْرَ المِرآة؛ فارتطمتْ رُؤاهُ بجدارِ الواقِع.
انفلقتْ من مآقيهِ عبراتٌ زرقاءُ ثقيلة، لم تبللْ وجنتيهِ.. كانت تتقاطرُ طيناً مالحاً في حُجره.
حين حاولَ انتشالَ آخِرِ أحلامِهِ الورديّةِ الغارقةِ في القاع، أدركَ الحقيقة:
وجهُهُ ثقبٌ في سدٍّ ينهار.
علوٌّ سحيق
سقطتْ. لم يلامسْ جسدُها القاع. أغمضتْ عينيها على سرابٍ. تجلّتْ عند أوجٍ استعصى بلوغُه إلا وهي تهوي قتيلةً.
ذاكرة
خَتَمَ الموظفُ السجل: "لا يوجد إرث".
تهجّى طفلٌ أول سطرٍ للرّاحل.. أضاءَ وطنٌ، وسقطت وزارة.








































