في حارةٍ تئن تحت أنين الفقر المطبق، حيث البيوت تتكدس كتوابيت خاوية، كان الحاج محمود يجلس على عتبة داره المتهالكة، تكسوها غبرة السنين وخيبات الأمل. يجر أذيال خيبةٍ عمقها يضاهي عمق جرح نازف، تتجدد مع كل فجر عيد يلوح. في جيبه بضع ورقات عتيقة، كأنها بقايا أحلام بالية، لا تكاد تسد رمق يوم يصارع فيه الجوع، فكيف بها أن تشتري أضحية تتوق إليها أرواح صغاره الأبرياء، الذين يحلمون بفرحة تتسلل إليهم كطيف بعيد من نوافذ الجيران المزهرة؟
تثقب نظراتهم البريئة روحه، فتحيلها إلى رماد صامت، وتساؤلاتهم التي لا تجد جوابًا سوى الصمت المرير: "متى نذبح يا أبي؟ متى نفرح كبقية الناس؟" يختنق صوته في حلقه، كعصفور حبس في قفص اليأس، فلا يملك إلا أن يلقي بنظره إلى السماء، وكأنما يستجديها أن تنزل عليه بعض عدل من جور واقع طحن كرامته وأحالها إلى حطام. لقد أفنى عقودًا في خدمة وطن لم يتوانَ لحظة عن العطاء له، فما ذنبه اليوم أن يصبح لقب "متقاعد" مرادفًا لـ"منسي" و"مهمش"؟
تلفحه نسمات الصباح، تحمل معها شذى شواء يتسلل من بيوت الجيران كهمس الشوك في القلب، ورنين ضحكات الأطفال التي توقظ فيه جرحًا غائرًا لا يندمل. تتوهج في ذاكرته مشاهد لمسؤولين يتراقصون على بساط المليارات المخصصة لصناديق تزينها أسماء براقة كأضواء خادعة، بينما هو لا يجد قوت يومه، أو دواء يشفي علته التي نخرت عظامه، أو أضحية تطفئ لهيب الحرمان في قلوب صغاره.
لقد استنزف المرض جسده الواهن، وحين لجأ إلى مستشفيات الوطن، وجدها هياكل خاوية تعج بالوجع، وأطباء يحملون أعباء تفوق طاقتهم. أما القطاع الخاص، فبابه موصد بأقفال من ذهب، إلا لمن يملك مفتاح المال. ليس هذا مجرد تقصير، بل تجاهل صارخ لفئة طالما سقت أرض الوطن بعرقها، واليوم تترك لتذوي في صمت مطبق، يتجدد ألمها مع كل مناسبة، ويزداد إحساسها بالتهميش كوصمة عار على جبين الزمن.
يغلق الحاج محمود عينيه، ويستحضر صور أيام العطاء، حين كان الوطن يراه ابنًا بارًا، لا عبئًا ثقيلًا. ثم يفتحهما على أمل خافت كشرارة في ليل بهيم، عله يجد بصيص نور في عتمة اليأس. تتراقص في ذهنه صور ما يمكن أن يكون: منحة تكسر قيد العوز، سلفة تداوي جراح العيد، وأموال لا تتبدد في مشاريع وهمية تشبه سرابًا في صحراء قاحلة، بل تعيد الكرامة للإنسان. يتخيل وطنًا ترتب فيه الأولويات لا بناء خرسانة بلا روح، بل رفعة إنسان يتألم.
يتنهد الحاج محمود تنهيدة عميقة، مرددًا في قرارة نفسه: "الوطن ليس خرسانة تبنى، بل إنسان يجب أن يحترم ويكرم. المتقاعدون ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم جذورها التي سقتها، وآباؤنا وأمهاتنا وإخواننا. ومن لا يكرمهم اليوم، لن يجد من يكرمه غدًا، ولن يجد سوى مرارة الندم."








































