كانت هذه المدينة ذاتَ يومٍ لؤلؤةً، لكنَّها ابتلعتْ جُرحَ التاريخِ فصارتْ نَدْبةً مُتوهِّجةً. صمودُها الأسطوريُّ لم يكنْ سوى قِناعٍ شفيفٍ يُخفي أنينَها الذي يُغرِقُ عروشَ الصمتِ. نخلةٌ شامخةٌ ظاهريًّا، لكنَّ جذورَها كانتْ تستمدُّ قوتَها من دماءِ أبنائِها.
لم تكنْ شمسًا، بل شظيةً مُلتهبةً في سماءٍ مُعتمةٍ، تحوَّلَ نجمُها الهادي إلى شِهابٍ مُرعبٍ. قناديلُ الرجاءِ في عينيها انطفأتْ فأضحتْ دروبُها مُوحشةً. لم تنحنِ إلا للريحِ العاتيةِ، ظنًّا منها أنَّها قدرُ السماءِ.
رَمَتْ ببقايا الغُزاةِ رملَها، لكنَّه تحوَّلَ في يديها إلى غُبارٍ خانقٍ. دماءُ شُهدائِها لم تُنِرْ طريقًا، بل أغرقتْ ذاكرتَها في بحرٍ أسودَ، وقبورًا مُتراصَّةً شُيِّدتْ في قلبِها المثقوبِ.
ألهمتهم كبرياءً زائفًا، رِداءً مُتمزِّقًا يُغطِّي هشاشتَهم. نشيدُ العِزَّةِ تحوَّلَ إلى صرخةٍ مكتومةٍ في زنزانةِ الخِذلانِ. أعادوا كتابةَ التاريخِ بدمعِها، فصار الماضي عارًا حاضرًا. ذادوا عن حِمى الكرامةِ بأيدٍ مُرتعشةٍ، والتوقُ للشَّهادةِ كان هروبًا من الحياةِ. الهزيمةُ الظاهرةُ ابتلعتِ النصرَ الموهومَ الذي احتفلوا بعرسهِ الباهِرِ المزعومِ، بينما قهقهَ المُتخاذلونَ ملءَ أفواههم الفارغةِ.
ولو كانتِ العروبةُ قميصًا باليًا، لم تُمزِّقْهُ، بل ارتدتْهُ كفنًا صامتًا، وأعلنتْ للعالمِ بصمتِها المُطبقِ: العروبةُ الحقةُ ماتتْ هنا.
وبينما العالمُ يحتفلُ بـ "انتصارِها"، كانتْ هي مدينةَ أشباحٍ، رمالُها تَئِنُّ تحتَ وطأةِ أقدامٍ غريبةٍ، وصمودُها الأسطوريُّ مُجرَّدُ صدىً باهتٍ في ذاكرةِ الريحِ، ولم يبقَ من لؤلؤتِها المكلومةِ سوى رمادُ قنديلٍ انطفأ إلى الأبدِ.








































