أربعة عشر عيدًا، وذاك الكرسيُّ الشاغرُ يرتلُ وحشةَ الغياب.
هنا في سرت، انسكبَ العيدُ كوهمٍ شاحبٍ.
باتَ كلُّ فجرٍ لهيبَ شوقٍ أزليٍّ.
كيفَ للبهجةِ أن تُطرِّزَ وشاحَها على روحٍ ذابلةٍ؟
عطشى لِلقاءٍ باتَ سرابًا؟
كلُّ زغرودةٍ تناهتْ، غدتْ نشيجًا خفيًّا في حنايا الضلوع.
كلُّ ضحكةٍ شقّتْ صمتَ الدار، كانتْ نصلًا يُمعنُ في جرحِ الصبرِ الغائر.
حتى رائحةُ الكعكِ، التي كانتْ بالأمسِ عطرَ الفردوس، صارتْ اليومَ أنفاسَ ذكرى مريرةٍ.
تهمسُ: "هنا كان، وهنا رحل، وهنا استبدَّ الفراغُ بملكوتِ الروح."
يا نبضَ الروحِ المُعلّقِ في المجهول، يا وجعَ القلبِ الذي لا يندملُ!
أيُّ أرضٍ ابتلعتْ خُطاكَ؟
أيُّ سماءٍ حجبتْ سَناكَ؟
أيُّ أيادٍ اختطفتْ فجرَكَ، وألقتْ به في دهاليزِ الصمتِ العتيق؟
صوتُكَ صارَ صدىً بعيدًا، لا يبلغُ أسماعَنا. ومكانُكَ فراغٌ يلتهمُ كلَّ فرحٍ.
مُنذ ذاكَ الحين، العيدُ غربةٌ لا تُبارحُ الفؤاد.
الصخبُ ضجيجُ فراغٍ قاسٍ لا يُحتمل.
دموعُ الأملِ تتساقطُ على أرضٍ لم تُزهرْ قط.
لا يجيءُ العيدُ إلا مثقلًا بوجعِ العجزِ القاهر؛
موشومًا بأسئلةٍ تُطاردُ جفونًا لا تُغمضُ أبدًا.
هو كسلسلةٍ من أشباحٍ عبرَتْ صامتةً.
لا يحملُ إلا مرارةَ الانتظارِ الأزليِّ؛ لوعةَ الفقدِ التي تكوي الوجدانَ حتى النخاع.
لا فرحةَ تُولدُ.
لا بهجةَ تُشرقُ في دنيا غابتْ عنها شمسُ وجودِكَ الساطع.
متى تُشرقُ شمسُ حريتِكَ على وطنٍ تُنخرُ عظامُه بالنزيفِ المقيم؟
متى تُعانقُ الأرواحُ أرواحًا ظمئتْ حتى اليباسِ من طولِ الانتظار؟
وإلى أن تُزهرَ رياضُ حريتِكَ في أرضِنا المُثقلةِ بالوجع، سيبقى العيدُ مرثاةً أزليةً تُعزفُ على أوتارِ الحنينِ المُبكي حتى آخرِ نبض.








































