في بياضٍ مقيم، بسط الثلجُ صمته الرهيبَ على القبور، محوّلاً شواهدَها الرخاميةَ إلى أشباحٍ همست تحت سماءٍ رماديةٍ كحدادٍ أبديّ. هنا، حيث ترقد الأحلامُ المبتورة والآمالُ الموأودة، لم يُعد يُسمَع سوى أنين الريحِ وهي تعصفُ محاولةً محوَ آخر أثرٍ للراحلين.
كانت "ليلى" تعودُ إلى هذا الصقيعِ سنويًا، لا لتنعى ميتًا، بل لتُحييَ موتًا خاصًا بها. ففي هذا الركنِ الباردِ، دفنت قلبَها منذ عقدين، يوم غادر "أحمدُ"، فارس خيالها، هذا الفضاءَ الفانيَ دون وداعٍ. حينها، انزوت كل الألوانِ من حياتها، ولم يُخلّف سوى هذا البواءِ الأبديِّ الذي غشى كل شيءٍ.
في تلك الزيارةِ الشتويةِ القارسةِ، وبينما كانت أناملُها ترسم اسم "أحمدَ" على سطح قبرٍ متخيلٍ، لمحت شاهدًا حجريًا لم تطأهُ عيناها من قبل، يتربعُ على مقربةٍ من مأواها المعتادِ. انتابها فضولٌ غريبٌ قادَ خطاها المثقلةَ إلى حيث يلفُّ الغموضُ ذلك الشاهدَ الغريبَ. انحنت بشغفٍ لتقرأ النقشَ، فإذا به يخطُّ بحروفٍ عربيةٍ عتيقةٍ، كأنها صيحةٌ من أعماق الزمنِ: "هنا يرقدُ من مات حيًّا... أحمدُ، الذي لم يجدْ ليلى في ضفائرِ الموتِ". سُمع صوتُ صرخةٍ خافتةٍ تمزقتْ في جوف "ليلى". فالاسمُ هو عينُهُ، والتاريخُ هو ذاتُ التاريخِ الذي أُشيعَ فيه موت "أحمدَ"، لكنَّ المكانَ قد تبدّلَ، وكلماتُ النقشِ انبعثتْ منها سرٌّ مؤلمٌ.
لم تدرِ كيف عادت إلى عتبة منزلها. تعثرت خطواتُها بين سراديب الشك ودهاليز اليقينِ، بين حقيقةٍ لا تُطاق وخيالٍ يفتكُ بالروحِ.
فـ"أحمدُ" لم يمت! لقد اختار هجرانَها، فرارًا من حبٍّ أزهقَ روحَه، ونحتَ لنفسه قبرًا وهميًا لتدفنَ هي فيه سرابَ وجودِه. لكنَّ هذا الشاهدَ الجديدَ، كأنَّ القدرَ قد أزاحَ ستارًا سميكًا طالما حجبَ الحقيقةَ، قد كشفَ عن واقعٍ أشدَّ قسوةً من الموتِ نفسِه: لقد عاش "أحمدُ" كلَّ تلك السنواتِ بعيدًا، لم يدفنْ جسدَهُ، بل وأدَ روحَه في غياهب النسيانِ، منتظرًا أن تجدَهُ "ليلى" في "ضفائرِ الموتِ" التي حاكَها هو بيدِه حولَ حياتها.
في اللحظةِ التي انبلجتْ فيها هذه الحقيقةُ المروعةُ في وعي "ليلى"، أدركتْ أنَّ "أحمدَ" لم يمت ميتةً طبيعيةً، بل اختارَ أن يُقتلَ في نظرها. وأدركتْ أيضًا أنها هي من عاشتْ وماتتْ ألفَ مرةٍ في غيابه، وأنَّ قبرها الحقيقيَّ لم يكنْ في الأرضِ الباردةِ، بل في جوفِ رجلٍ اختارَ بياضَ الثلجِ ليدفنَ فيه حقيقةَ حبٍّ لم يكنْ لهُ وجودٌ إلا في قناعتهِ الوهميةِ. سقطت الدمعةُ الأولى، ليستْ على ميتٍ، بل على عمرٍ بُنيَ على سرابٍ، وعلى رجلٍ اختارَ صمتَ القبورِ ليُخفيَ به جبنَهُ المخزيَ، تاركًا خلفَهُ "ليلى" تُحلّقُ في بياضٍ لا نهايةَ لهُ، قبرٍ ظلَّ بلا ساكنٍ، وقلبٍ لم يَعُدْ فيه متسعٌ لشيءٍ سوى رمادِ الأحلامِ الميتةِ.








































