في ليلة صيف لافحة، بينما كانت الكهرباء منقطعة كالعادة، جلستُ قبالة أمي في عتمة الغرفة، يضيء وجهها الشاحب ضوء شمعة خافتة. غرقتُ في خارطة وجهها العتيقة؛ خارطة نحتتها قياظ السنين، وأروتْها مدامع جفَّت كأنهار فجأةً. لم تكن تلك الأخاديد حول عيناها، ولا شقوق جبينها، مجرد بصمات زمن عادي؛ بل كانت وديان نزيف، وسهول روَتْها أحزان وطن غائر في روحي المتهشمة.
كانت صامتة، لكن عينيها ترويان قصصًا. في كل تجعيدة، قرأتُ سِفر وجع أبدي. في كل خط، لسعة خيانة لا تبرأ. وفي انحناءة شفتيها الشاحبتين، مرارة هزائم تنهش خاصرة هذه الأرض المعطاءة. تذكرتُ حقول القمح الخضراء التي لم تعد موجودة، والنهر الذي جفّ، وأصوات الفرح التي خفتت.
"يا أمي،" همستُ بصوت يكاد لا يُسمع، "هل سيُزهر هذا التراب مجددًا؟"
رفعت يدها النحيلة، ووضعتها على خدي. كانت بشرتها خشنة، كأرض عطشى. "يا بني،" قالت بصوت متهدج، "كم سقيناك يا وطني من مرارة أيامنا العجاف وليلنا البهيم! كم بذرنا في تربك الطاهر بذور خوف وشوك! كم أورثناك يا قلبي المفطور عقم أحلامنا التي تبخرت كسراب في قيظ الصحراء، ولم تُخلّف سوى رماد الحسرة!"
ما أثقل هذا الإرث على كاهلها المتهالك! وما أشد وطأة هذا الحمل على قلبي المثخن! وكأن القدر قد شاء أن تكون هي، بملامحها الصامتة، مرآة تعكس قبح ما فعلناه بك يا وطني.
نظرتُ إلى يديّ، رأيتُ خطوطًا خفيفة تكاد لا تُرى، تشبه خطوطًا على وجهها. أدركتُ أن الألم الذي حفر وجهها، يتغلغل في روحي إرثًا كامنًا.
فجأةً، انكسر صمت الليل بصوت طرق خافت على الباب. لم يكن وقت زيارة. فتحتُ الباب ببطء لأجد جارنا العجوز، الحاج محمود، يقف بملابس متسخة ووجه يائس، يتصبب عرقًا.
"ابني،" قال الحاج محمود بصوت متهدج، يكاد يختنق، "لم أجد حبة دواء واحدة لابنتي المريضة... الأرض جفت، والآبار فارغة، حتى الأمل مات."
لم تعد تجاعيدها مجرد رموز بعيدة؛ إنما أصبحت حقيقة قاسية تطل من عيني الحاج محمود. هذا الجدب، الذي طالما تأملته كشبح، صار الآن واقعًا ينهش حياة الناس هنا في ليبيا.
عدتُ إليها في الظلام، ونظرتُ إلى وجهها المتعب، وفي قلبي نمت بذرة قرار لم تكن موجودة من قبل: أن أبحث عن ماء، عن دواء، عن أي شيء يروي هذا الجدب، حتى لو كان ثمن ذلك روحي. ففي نهاية المطاف، لم تُزهر الأرض بعد كل هذا الجدب؛ لأن الجدب الحقيقي يكمن في قلوبنا، وعلينا وحدنا أن نرويه.








































