الإهداء: إلى ابني يوسف.. حقيقتي الوحيدة في عالمٍ من ركام الزيف، والنصُّ الذي لا يحتاجُ إلى تنقيح.
بين جدرانٍ تكتنزُ عبقَ البُنِّ المعتّقِ وغبارَ الحكاياتِ المنسية، غلّف الصمتُ ركنَه المعتاد. يراقبُ انزلاقَ المطرِ على زجاجِ المقهى؛ شفراتٌ برمجيةٌ لواقعٍ مجهول، ممسكاً بقلمٍ جفّ مدادُ مخيلتِه أمامَ بياضِ الورقِ الموحش.
اقتحمَ السكونَ صريرُ بابٍ خشبيّ؛ دلفَ طيفٌ مثقلٌ بمعطفٍ رماديٍّ وملامحَ منحوتةٍ من التعب. وضعَ الغريبُ حقيبةً جلديةً مهتلكةً على الطاولةِ المجاورة، انصرفَ بوشاحٍ من الغموضِ تاركاً خلفَه ريحَ ورقٍ قديمٍ ورائحةَ زمنٍ غابر.
مرتِ الثواني جمراتٍ تحرقُ حوافَ الصبر. تيقنَ أن المقعدَ المجاورَ لن يستعيدَ صاحبه؛ امتدت أصابعُه نحو الجلدِ البارد، استحثَّ في روحه قشعريرةً تنبئُ بزلزالٍ وشيك. انفتحَ القفلُ الصدئُ عن رزمةِ رسائلَ مخنوقةٍ بشريطٍ حريريٍّ أسود، وصورةٍ باهتةٍ لامرأةٍ تفيضُ عيناها بأسىً يسكنُ مرآتَه الشخصية؛ رعبُ التشابهِ المطلق.
سحبَ الورقةَ الأولى، انسابت كلماتٌ منمقةٌ بحبرٍ قاومَ المحوَ؛ قرعت جدرانَ عقله: إلى ابني الذي سيعيش بغير اسمي. تجمدتِ الدماءُ في عروقه؛ الوثيقةُ مؤرخةٌ في ذاتِ الشهرِ الذي شهدَ صرختَه الأولى. أبحرَ في اعترافاتٍ تتحدثُ عن تضحيةٍ قسرية، عن أبٍ أُجبرَ على غرسِ ثمرتِه في بستانِ جارٍ حمايةً لها من إرثِ ثأرٍ يطاردُ السلالة.
تلك الليلة، جافاهُ النوم. أعادت الرسائلُ تشكيلَ هويتِه، رسمت جغرافيا جديدةً لماضٍ صار في لحظةٍ ركاماً من الزيف. مع بزوغِ أولِ خيطٍ للضياء، قادَه عنوانٌ ريفيٌّ منزوٍ إلى مواجهةِ القدر.
أمامَ منزلٍ تحتضنُه أشجارُ السرو، وجدَ صاحبَ المعطفِ الرماديِّ مُنكفئاً على كرسيهِ الهزاز؛ تمثالٌ من الانكسار. وقفَ الابنُ أمامَ سرِّه الدفين، سادَ صمتٌ ثقيلٌ تضاربت فيه مشاعرُ النقمةِ والذهول. تفرّسَ في وجهِ العجوزِ باحثاً عن مبررٍ لهذا اليتمِ المفتعل؛ غلبتْه رغبةٌ عارمةٌ في الصراخِ بوجهِ أربعينَ عاماً من الخديعة.
فاضت مآقي العجوزِ بدموعٍ اختصرت عقوداً من الانتظار، نطقَ بصوتٍ متهدج: تأخرت هذه الحقيبةُ أربعة عقود، كنتُ أقتفي أثركَ في نصوصِ الصحف، أفخرُ بكلماتِكَ التي هي في الحقيقةِ زفراتي المكبوتة.
هزت تلك الكلماتُ أركانَ ممانعتِه. استمعَ لساعاتٍ طوالٍ إلى ملحمةِ الهروبِ والاتفاقِ السريِّ؛ الحياةُ التي عاشها كانت كذبةً نبيلة. تآكلت جبالُ العتابِ ببطءٍ أمامَ صدقِ الانكسار، وجدَ نفسَه يغرقُ في لُجّةِ غفرانٍ مرّ، مدركاً أن كلَّ حرفٍ خطَّه سابقاً صدىً لصرخةٍ لم تولد.
حانت لحظةُ الوداع، عادت الحقيبةُ إليه؛ الميراثُ الوحيدُ المتبقي من حطامِ العمر. عاد إلى مكتبه، دوّن الحقيقةَ التي جرت في مجراها الصحيح، روّض صدمتَه الكبرى ليحولَها إلى فصلٍ أولَ من روايةٍ تُغمسُ ريشتَها في دمِ الحقيقة.








































