في سويداء الروح، حيث الوجدان يرتعش على حافة فراغٍ استحالَ ليلاً بهيمًا، همست ذاتي عتابًا: "ألا يزال الشوقُ غيمةً تُظلِّلُكَ؟" ابتسمتُ، وأرخيتُ الجفنين. لم يكن ذاك وجدَ غيابٍ، بل نبضُ حضورٍ سرمديٍّ.
غسقُ المساء كان قد أُرخيَ سدوله، وبين راحتيَّ صورةٌ باهتةٌ كوشمٍ زمنيٍّ، انبثق دفءٌ مألوفٌ، كأنه نسمةٌ من جنانٍ خالدةٍ. رفعتُ عينيَّ، فإذا وجهُ أمي ينسابُ نورًا، كأنما الشمسُ أشرقتْ في سويداءِ الروح. لم تنطقْ، لكنَّ عينيها سكبتا يقينًا: "أنا هنا، تجسَّدتُ في الوجود." عندها، تراقصَ الشوقُ في صدري، متحولًا إلى ألفةٍ عميقةٍ، وإلى وصلٍ روحيٍّ يغمرُ كلَّ كياني.
تلك اللحظة الساحرة، تسربَ صوتي هامسًا، كأنما ابتهالٌ يلامسُ عنانَ السماء: "يا إلهي، يا من تُفجِّرُ ينابيعَ الفرحِ من صميمِ اليأسِ؛ اغمرْ روحَ أمي بفيضِ رضاكَ، سكينةً أبديةً، واملأْ قلبها بعشقٍ لا حدودَ له."
ابتسامةٌ رقيقةٌ ارتسمتْ على شفتيها، كأنها تؤمِّنُ على دعائي ببلسمِ الرضا. عندها أدركتُ أنها ليستْ مجردَ جسدٍ فانٍ، بل هي جوهرُ الوجودِ الذي لا يفنى، روحٌ خالدةٌ تستحيلُ نورًا. وأنَّ حياتي ستتوهجُ بنورها، وتُزهرُ بوجودها في جنانِ بهجةٍ لا يُفنيها دهرٌ.








































