وضعتْ القلمَ جانباً؛ فالبياضُ المتبقي على الورقةِ أبلغُ من حبرِها. وقفتْ أمام مرآةِ الرواق، لمحتْ ملامحَ تلك المرأةِ التي كانتْ تعاندُ الريحَ لتعلمها كيف تستقيم. لا يزالُ طعمُ الملوحةِ يراودُ لسانَها كلما جفَّ الحقلُ في ذاكرتِها، فابتسمتْ بمرارةِ المنتصر.
خلعتْ عنها ثوبَ "الابنة"؛ وارتدتْ "الإنسانة". تلمستْ العقدَ الذي ورثتْه: قيدٌ من الكرامةِ صهرتْه الأمُّ وحولته إلى بوصلة.
خرجتْ إلى الشارع. الضجيجُ ينهشُ الأرصفة، والأحكامُ تتطايرُ من عيونِ المارّة كشررٍ طائش. اصطدمَ بها عابرٌ، ألقى عليها شتيمةً ثقيلة، ثم مضى؛ لم تلتفتْ. سقطتْ حقيبتُها في الوحل؛ لم تنحنِ. تساوى عندها انحناءُ الغصنِ وانكسارُ الجذع.
وصلتْ إلى حافةِ النهر. أخرجتْ وصيةَ أمها الأخيرة، تلك التي لم تُكتب.مزقتها.نثرتها في الهواء. سألها غريبٌ عن سرِّ برودِها وهي تفقدُ آخرَ ما تملك.نظرتْ إلى كفّيها الفارغتين وقالت:
"الآن فقط، لم يعد في وسعِ الغرقِ أن يبتلَّ بي."








































