وجدتُ كتابًا قديمًا على مقعدِ الحديقةِ، غبارُ الزمنِ يكسو جلدَهُ البنيَّ المتشقِّقَ. لم يكنْ عليهِ اسمُ مؤلِّفٍ أو عنوانٍ، فقطْ نقوشٌ باهتةٌ بالكادِ تُرى. فضولٌ غامرٌ دفعَها لفتحِهِ.
بينَ الصفحاتِ الصفراءِ الهشَّةِ، بدأتْ تقرأُ كلماتٍ بدتْ مألوفةً بشكلٍ غريبٍ، وكأنَّها أصداءٌ من أعماقِ ذاكرتِها. ومعَ كلِّ سطرٍ، سرتْ برودةٌ في عروقِها. كانتْ تقرأُ قصَّةَ حياتِها بتفاصيلَ دقيقةٍ لم تُبحْ بها لأحدٍ، وأفكارًا دفينةً ظنَّتْها حبيسةَ عقلِها. والأغربُ، كانتِ الصفحاتُ التاليةُ تتنبَّأُ بأحداثِ يومِها الحاليِّ، حتَّى لحظةَ قراءتِها عن نفسِها وهي تجلسُ على نفسِ المقعدِ.
ارتجفتْ يدُها وأغلقتْ المجلَّدَ فجأةً، وكأنَّها أطبقتْ على سرٍّ خطيرٍ. نظرتْ حولَها بفزعٍ، وشعرتْ بعيونٍ خفيَّةٍ تراقبُها من بينِ الأغصانِ. كيفَ عرفَ هذا الشيءُ كلَّ شيءٍ عنَّها؟ ومنْ تركَهُ هنا؟
عادَ بصرُها إلى الشيءِ الملقى على المقعدِ. للحظةٍ، بدا لها وكأنَّ النقوشَ الباهتةَ على الغلافِ تتوهَّجُ بخفوتٍ، وكأنَّ هذا الكيانَ نفسَهُ يتنفَّسُ سرًّا لا يُفهمُ. هلْ كانتْ تقرأُ قصَّةَ حياتِها، أمْ أنَّ هذا الشيءَ كانَ يكتبُها؟
حسين بن قرين درمشاكي كاتب وقاص ليبي








































