على رصيفٍ يلفظُ أنفاسَ الماضي، سارت ليلي وحيدةً، تجرُّ خلفها حقيبةً سوداء كليلِ غربتها. كان الفجر يرتعشُ في الأفق، باثاً خيوطاً باهتةً لا تقوى على تبديدِ ركامِ الضباب الذي احتضن المحطة. شعرُها المنسدلُ كموجةٍ من ظلام، يداعبهُ وشاحٌ خفيفٌ يلوحُ كعلمٍ أبيضَ مستسلمٍ للريح. لم تلتفت، ولم يوقظها حنين. صوتُ خطواتها الحافية فقط، كإيقاعِ عمرٍ ينتهي، يتهادى فوقَ البلاطِ البارد. كانت القضبانُ تمتدّ أمامها، شريانين من حديدٍ يغوصان في العدم، شاهدين على آلاف الرحلات وملايين القصص التي تكسّرت على أسفارهما.
حلمت بقطارٍ يحملها بعيداً، إلى أرضٍ لا تعرفُ فيها الوداع. قطارٌ يمحو آثارَ الأمس، ويهديها فجراً بلا غيوم. ارتسمت على ملامحها قسوةُ امرأةٍ خذلتها الحياة، وبراءةُ طفلةٍ لم تعرف سوى الخذلان. كان جسدُها يرتعش، لا من البرد، بل من صقيعِ الذكريات التي تجمّدت في عروقها.
وفجأة، اهتزّ الرصيف. دوّى صفيرٌ حادٌّ اخترقَ سكونَ الفجر. أشرقَ ضوءٌ مبهرٌ من بعيد، يمزقُ حجابَ الضباب. قطارٌ قادمٌ، يحملُ في أحشائهِ ألفَ حلمٍ وألفَ سرّ. أسرعت خطواتها، قلبها يخفقُ كطائرٍ محبوس. وصلت إلى حافةِ القضبان، تمدّ يدها لتمسكَ بمقبضِ الحياة.
توقف القطار. فتحت الأبواب. شهقت ليلي. لم يكن القطار يحملُ أحلاماً جديدة. بل كان يحملُ ذاكرتها بأكملها: صورٌ لوجهٍ أحبته، لضحكةٍ فقدتها، لوعدٍ تكسّر. كانت كل تلك الشخوص تقف على متن القطار، عيونها تحدّق فيها بصمت، كأنها محكمةٌ أبدية.
وحين رفعت ليلي نظرها نحو السائق، رأت نفسها.
لقد كانت رحلتها الأخيرة إلى الداخل، إلى ذاتها التي حاولت الهرب منها طويلاً.








































