عند جذع النخلة اليتيمة، احتضنت سلمى لفافة المخطوط العتيق، كأنها ظلها الأخير في ذاك الفراغ الممتد الذي ابتلع الأفق. عيناها، وقد غارتا في محجريهما كبئرين جافتين، فقدتا كل ألوان الحياة، فسرقت السنون منهما وهج البهجة. كل زاوية من حولها كانت تحمل صدى ماضٍ تليد، لم يبق منه سوى شواهد الحجارة الصماء وهمس الريح النائح. مدت يدها الواهنة لتمسح دمعة عصية، لكن الرمال كانت قد سبقتها، تتسلل لتغطي مسام جلدها الذابل. استعادت صدى جدتها، وهي تروي عن واحاتٍ تتهادى، وأنهارٍ تتعرج، وقوافلَ لا تنقطع، وعن نساءٍ يوشين الحرير ويضفرن شعورهن بالذهب.
"هل هذا هو إرثنا؟" همست بصوتٍ يائس، تاه في الفراغ. لم يكن بين يديها سوى لفافة من ورق عتيق، توارثتها الأجيال عن أمها وجدتها. كانت تحمل بين طياتها قصائد وأدعية، وحكايات عن أرضٍ كانت تفيض بالخصب والنماء. رفعت اللفافة إلى أنفها لتستنشق عبير الماضي، لكن لم يصلها سوى غبار الزمن وأنين الفناء.
فجأة، اهتزت الأرض من تحتها. لم يكن زلزالًا، بل دبيب خطوات آتية من بعيد. رفعت رأسها، فرأت شبحًا يقترب، يلفه غبار الدهر، يحمل بين يديه وميضًا خافتًا تحت وهج الشمس. اقترب الشبح، فبان أنه رجل مسن، تكسوه ملابس رثة، وعلى وجهه خريطة تجاعيد حفرتها السنون والشقاء. توقف أمامها، ومد يده إليها بما يحمل.
كانت تتوقع منه أي شيء، ربما سؤالًا عن قطرة ماء، أو رجاء مساعدة. لكنه فتح كفه، لتتبدى أمامها حفنة من الذهب الخالص، تلمع ببريقٍ خادع. "وجدتها مدفونة تحت أنقاض المدينة القديمة،" قال بصوت أجش، "لكنها هنا، في هذا القفر... مجرد تراب."
نظرت إلى الذهب اللامع، ثم إلى لفافتها البالية. مدت يدها، لكنها لم تتناول الذهب. بدلاً من ذلك، سحبت قطعة صغيرة من المخطوط، وتناولت ريشة قديمة، وشرعت في الكتابة على حافة الورقة: "ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل ما يظلّ حياً هو ما نراه."
ثم مزقت القطعة الصغيرة من الورق وأعطتها للرجل، وابتسمت ابتسامة خبا نورها، وهي تمسح دمعة جفت قبل أن تلامس خدها.
نظر إلى الورقة في يده، ثم رفع بصره المليء بالحيرة إلى حيث كانت تقف، لكنها كانت قد تلاشت في عتمة الأرض القاحلة. بقي وحده، مذهولًا، والذهب يلمع في كفه بلا معنى، بينما الريح تهز قطعة الورق الصغيرة التي تحمل كلمات لم يفهم عمقها بعد. اختفت سلمى حاملة معها ثقل الذاكرة، وكنز الحكاية.
في النهاية، لم يبقَ من هذا العالم سوى تلك القطعة الورقية التي تحمل الحقيقة، وتلك اللفافة التي لم تعد تقوى حتى على إخفاء فراغها؛ لقد كانت القصة هي الوحيدة التي ماتت، لتبقى أسطورة لا أحد يسمعها في هذا الجفاف الأبدي.








































