نَحْت
رصاصةٌ طائشة، نقرتِ الصخرَ الصامد.
انحطَّ جثماناً.. يمشى نحو الأعلى!
تَآكُل
تَحَنَّطوا في قبضةِ الضوء. وجوهٌ تذوي، تبتلعُها ثقوبٌ زجاجيةٌ سوداء. تتبخّرُ ملامحُها.
فتحَ الأبُ فمه. تهاوى "رمزٌ" بلا صوت. مَدَّ الابنُ أصابعه. تحسسَ المقاعدَ. سالتِ الأجسادُ أسلاكاً. ضجَّ "الجدارُ" بجثثٍ إلكترونيةٍ فائقةِ النضارة.
نادتهم الجدةُ.. تعثّرَ صوتُها في فراغِ الغرفة. على السجادةِ، كانت الهواتفُ تضحكُ بهستيريا. تتبادلُ العناق!
عَصِيّ
غادرَ الغبارَ. حذاءٌ ناصعٌ.. وجسدٌ يرفضُ انحناءةَ اللحد.
سقف
تكسّرَ الأفقُ. ظلّتْ قائمة. رصفت خيباتها في أكياسِ خيشٍ. شدّتها بجدائلِ الصبر. ظنت أنها تحملُ زاداً. وصلت؛ أدركت أنَّ الجبلَ الذي غادرته ما زال يمتطِي ظهرها. تعبت. استندت إلى بقايا بيتٍ أفلتَ من مخالبِ الركام.
بسطت كفّيها لتسندَ السقفَ من السقوط.
تَـنُّـور
توسَّدَ الرغيفُ عَرْشَهُ الرمليّ؛ تُحاصرهُ أنيابُ النارِ من كلِّ جانب. تحسَّستِ العجوزُ نبضَ الأرضِ بكفٍّ تشبهُ خريطةَ تيه. قرأتْ لغةَ الرمادِ. انتظرت. ببطءٍ، تنفَّسَ العجينُ. استدارَ. انتفخَ كصدرِ غريقٍ استعادَ الحياة.
سحبتْهُ من قلبِ الحريق. كان بياضُهُ يغسلُ سوادَ المكان. شقَّتْهُ بيقينِ الجوع. سالَ منهُ دمٌ قانٍ.. نضجَ الجنينُ الذي طمرتْهُ تحت الرملِ قبل الغارةِ بلحظات.
خارج الكفتين
على منصته العالية، استوى القاضي بجبته المنسوجة من خرائط العالم. وضع في كفة الميزان اليمنى "نصاً" أنيقاً عن حقوق الإنسان، وفي اليسرى "سبائك" مغسولة بالنفط.
مال الميزان برعونة حتى ارتطم المعدن بالرخام؛ تطايرة حروف النص وتناثرت كرماد بارد في القاعة.
خارج النافذة، طفل يلم بقايا جسده تحت أنقاض بيت هدمته قذيفة ممهورة بختم "الأمن". نادى القاضيَ. التفت إليه بوقار بارد. شدّ على عينيه عِصابة سميكة، ثم هوى بمطرقته فوق جثة العدالة صائحاً:
"بيعت.. لمن يدفع دماً أكثر!"
رياءُ الرُّخام
خلفَ زجاجٍ مُضادٍ للأنين، انهمكَ الموظفُ بتلميعِ وسامٍ وطنيّ، بينما اختنقت ورقةُ "طلبِ علاجٍ" تحتَ ثقّالةِ المكتب. في الممرِّ البارد، سعلَ الشاعرُ سعلتَهُ الأخيرة؛ جفَّ الضوءُ في رئتِه، وانكسرَ الشراع.
في المساء، وبذاتِ البلادةِ الأنيقة، وقّعَ الموظفُ فاتورةَ "تأبينٍ أسطوريّ"؛ كان ثمنُ البخورِ فيها يكفي لمنحِ الراحلِ عُمراً.. لو أنّهُ "استحقَّ" ثمنَ الدواء!
تشفير
انطفأت شاشاتُ الرادار.
في غرفته الباردة، وقّع "القائد" تقريرَ (العملية الناجحة): "تمّ التحييد.. انتهى الضجيج". خلع رتبتهُ المذهّبة، أودعها الدّرج، ومضى يطاردُ نوماً هادئاً؛ غداً ينتظرهُ منصبٌ أرفع.
على الجانب الآخر، حيث لم يهدأ الغبارُ بعد، كان "الصامد" قد توقف عن التنفس، وقبضتهُ تُحكمُ الإغلاق على حفنةِ تراب. لم يترك خلفه تقريراً؛ ترك فراغاً بحجم جبل.
بعد عام:
بِيعَ كرسيُّ القائد في مزادِ التقاعد، وابتلع الأرشيفُ اسمَه.
أما "القتيل"، فقد صار تميمةً على صدور الأطفال، وكلما مرّت ريحٌ بساحةِ المعركة، انحنى الشجرُ لظلّه الذي رفض الرحيل.
خَدشُ السَّبيكة
بِمِبردِ الصمت، يَصقُلُ الناسكُ مِرايا الروح.
دنا "الذَّهب": عباءةٌ من تِبر، ومفتاحٌ يقطرُ طمأنينةً لزجة:
— "بِعني مَداك، ولَكَ سقفٌ لا تشقُّهُ صواعقُ الحقيقة."
لم يلتفت. نَفخَ في جمرِ الرماد؛ انبثقَ من قلبِ الانطفاء طائرٌ.
للرؤيا قال: "انعتقي".
زأرَ الفضاء. غاصَ الجناحُ في لُجّةِ الضوءِ حتى صارَ "نقطةً" في عينِ الشمس.
سقطت رذّاذةُ نورٍ على جبهةِ الطاعة. واجماً، انهمك "المعدنُ" في مَسحِ بَصمةِ الضياء عن مفتاحه؛ خشيةَ أن يَفسدَ بريقُ القيد.
حينها، أدركَ الصدأُ:
الطائرُ لم يعرج طلباً للسماء.. ترفُّعٌ عن "قَفصٍ ذهبيّ".. يُسمّيهِ العبيدُ وطناً.
تصحِيح
ثبَّتَ القطبُ خريطةَ الوطنِ برصاصة.
تمتمَ الدبلوماسيُّ بوجل: والسيادة؟
انحنى "القانونُ الدوليُّ" يلمعُ حذاءَ الجنرالِ، همسَ مطأطئاً:
"السيادةُ يا بني.. خطأٌ إملائيٌّ تُصححهُ البنادق!"
انفضَّت الطاولةُ.. تضخّمت الرصاصةُ.. استحالتِ الأرضُ ثقباً.
القـربـان
على الطاولةِ المصقولة، وُضِعت "مسودة السلام" بجانب مسدسٍ مطليٍّ بالكروم.
كان المبعوثُ يبتسمُ بوقارٍ دبلوماسي، مشيراً بالقلمِ إلى خانة التوقيع:
— "هنا نضمنُ لبلادكم السيادة."
نظرَ الزعيمُ المهزومُ إلى النافذة؛ كانت فوهاتُ الدباباتِ في الساحةِ تشكّلُ دائرةً محكمةً حول تمثالِ الحرية.
انحنى، غمسَ القلمَ في المحبرة، ووقعَ بخطٍّ مرتعش.
عندها، سحبَ المبعوثُ "المسودةَ" ليجففَ الحبر، بينما أبقى "المسدس" مكانه..
قال وهو يغادر:
— "الآن فقط، يمكنكَ أن تنامَ بأمان.. طالما أنك لا تنوي الوقوف."
خريف الأرصفة
على جدارٍ نخرته الرطوبة، جلس مصطفى يقطر ألوانًا. يمنح العابرين شمسًا لا تغيب. في ظله، تربعت فاطمة تغزل من حطام الشارع بيتاً. تهب الفراغاتِ ضحكةً بكرًا.
جاء الليلُ؛ وحشًا رماديًا قارسًا.
استسلم الفنان لحجر الرصيف. طوى قصيدته الأخيرة. نام. بجانبه تجمدت براءة فاطمة في عراءٍ لا يعرف الأمان.
مع الضوء، احتشد رفاق البيان والساسة. كسبوا الرهان في مزاد الرثاء. شيدوا من المناهج الإقصائية قلاعًا. حشوا حقائبهم بأحقادٍ مؤجلة.
بقي المشهد معلقاً في الفراغ:
"أمةٌ تمنع عن الحيّ رداءً.. وتهديه في موته كفناً من حرير."








































