قلبنا الزبالة كلها، ولقيت عسكري من اللي معايا جاي ومعاه كيس أسود وهو بيقولي:
– "الكيس ده فيه بنطلون وتيشيرت يا أفندم، تقريبا بتوع المجني عليه، وعليهم بقع دم كتير."
مسكت الكيس بقماشة وناديت على الدكتور وقلتله:
– "ده احتمال كبير يكون لبس المجني عليه، ومن خلاله نقدر نعرف هو مين بالظبط."
خدوا مني ورجعنا القسم.
قعدت أدور في الدفاتر على بلاغات الغياب اللي جات الفترة الأخيرة. وأنا منهمك في الورق، الباب خبط، ودخل دكتور الطب الشرعي وهو ماسك أوراق وقاللي:
– "المجني عليه شاب في أواخر العشرينات. القطع في الإيد بدأ بسكينة وبعدها بساطور، وده واضح من شكل الأنسجة."
بصيتله وقلت وأنا بقلّب في الورق:
– "طب واللبس اللي لقيناه؟"
هز راسه وقال:
– "آه، بقع الدم اللي عليه نفس فصيلة دم الإيد."
قلتله وأنا بفكر:
– "تمام… كده هنشوف بلاغات الغياب ونطابق المواصفات."
قالي وهو بيقف علشان يمشي : وحاجه كمان المجني عليه قبل القطع واخد ماده مخدره باينه اوي في التحاليل
بعد ما مشي أعدت أدور في ملفات بلاغات الغياب تاني
وأنا بدوّر لقيت بلاغ عن غياب شاب عنده ٢٧ سنة، أمه مبلّغه عنه من خمس أيام. البلاغ مكتوب فيه إنه عنده وشم في إيده، ونفس مواصفات اللبس اللي لقيناه.
وقتها حسيت انه احتمال كبير جدًا يكون هو.
ندهت على العسكري وقلتله يروح يجيب أم الشاب من العنوان اللي مكتوب في البلاغ.
بعد نص ساعة دخلت عليا ست كبيرة لابسة جلابية سودا، ملامحها باين عليها التعب والقلق، وقالتلي بصوت مخنوق:
– "صحيح يا بيه… لقيتوا ابني؟ هو عمره ما غاب كده."
قمت من مكاني، وقفت قدامها، وشورتلها تقعد. قلتلها بهدوء:
– "خدي اشربي الميه دي الأول، وقوليلي… ابنك فعلاً كان عنده وشم على دراعه؟"
قالتلي وهي بتحط الكوباية على المكتب وإيدها بترتعش:
– "آه يا بيه… وشم على شكل صقر."
هنا اتأكدت إنه هو، نفس الوشم اللي شُفته على الإيد المقطوعة.
قولتلها بهدوء:
– "تعالي معايا من فضلك."
نزلنا على المشرحة، وأنا طول الطريق بفكر إزاي هقولها الخبر . وصلت هناك، وقلت:
– "أنا آسف جدًا، بس لازم تتأكدي بنفسك… عشان نعرف مين اللي عمل كده."
بصتلي بخوف وقالت وهي بتعيط:
– "إيه يا بيه؟ جايبني هنا ليه؟ ابني حصله إيه؟ رد عليا بالله عليك."
تنهدت وقلت:
– "ادخلي… وهتعرفي كل حاجة."
دخلت، وبعد لحظات قصيرة سمعت صوتها جوا وهي بتصرخ وتنهار. خرجت بتعيط بهستيريا وهي بتقول:
– "مين المجرم اللي عمل في ابني كده؟! ده مش بني آدم، ده سفاح."
حاولت أهديها على قد ما أقدر، وطلّعت معاها على المكتب. كانت لسه بتعيط.
قلت بهدوء:
– "دلوقتي يا حاجّة أنا محتاج مساعدتك… كل كلمة منك هتفرق معانا علشان نوصل للقاتل بأسرع وقت."
مسحت وشها بالإيشارب وقالت:
– "أساعدك إزاي يا بيه؟ أنا مستعدة أعمل أي حاجة… المهم اللي عمل كده في ابني ياخد جزاؤه."
قولتلها في الأول:
– "قوليلي اسمك وسنك، ولو عندك وظيفة."
قالتلي بحزن:
– "اسمي فاطمة عبد المنعم، عندي سبعة وأربعين سنة، ومش بشتغل يا بيه. ابني هو اللي كان بيصرف عليّا بعد ما أبوه مات من عشر سنين."
قولتلها وأنا بسجّل اللي بتقوله:
– "يعني معندكيش غيره؟"
ردّت والدموع في عينها:
– "لأ، هو ابني الوحيد."
قولتلها:
– "طيب يا ست فاطمة، ابنك اسمه إيه؟ وسنّه كام؟ وكان شغال فين بالظبط؟"
قالت وهي بتاخد كباية الميه تشرب منها:
– "اسمه سامي، عنده سبعة وعشرين سنة، وبيشتغل سواق على عربية خاصة بالحضانات. بياخد العيال من بيوتهم ويودّيهم الحضانة."
قولتلها وأنا مركز معاها جدًا:
– "ابنك ملوش أعداء؟ محدش اتخانق معاه قبل كده؟ أو في حد انتي عارفاه بيكرهه مثلًا؟"
قالت وهي بتعدل الإيشارب بتاعها:
– "لأ يا بيه، مفيش. ده أطيب وأحن من ابني مفيش. الناس كلها كانت بتحبه، وعمره ما اتخانق مع أي حد خالص."
قولتلها وأنا بقوم وأقعد قدامها تاني:
– "ركّزي معايا كويس يا ست فاطمة، عشان أي خناقة، حتى لو بسيطة، ممكن توصلنا للي عمل كده."
ساعتها رجعت تعيّط تاني، وقالت وهي مخنوقة:
– "مفيش يا بيه… والله مفيش، ده ابني، الناس كلها بتحبه."








































