يا وردتي، القهوة لم تكن يومًا مجرد مشروب عابر، ولم تكن يومًا مزاجًا كما اعتاد الناس أن يسمّوها. القهوة، في معناها الأصيل، هي نبض الروح وارتعاشة الحنين، وهي طقس يفتح أبواب القلب على عالمٍ آخر. ولطالما ارتشفت من فناجينها ما لا يُحصى، واحتسيت منها أكثر مما يحتسيه المتعطش للماء بعد سفر طويل، لكنني لم أشعر بكَيف قط إلا حين امتزجت بيديك الجميلتين، كأن لمستك وحدها تُضفي على البن روحًا أخرى.
سألتُ مرةً إحدى الأمهات الكبيرات اللواتي يبعن القهوة على جانب شارع النيل:
– يا خالة، ما معنى الكَيف إن لم يكن فنجان قهوة؟
ابتسمت بوقار، وقالت دون أن تتردّد:
«يا بُني، في السابق كنا نعمل في الزراعة، نخرج جميعًا إلى الغيط مع أول خيط من ضوء الشمس، نكدّ ونتعب حتى تميل الشمس نحو الغروب. وحين نعود إلى بيوتنا، لم يكن في بالنا شيء قبل أن نجتمع في حلقة أسرية واحدة. لم تكن هناك مطابخ مسقوفة ولا جدران عالية، كان المطبخ فضاءً مفتوحًا على الهواء والنسيم.
تتجه الأم بخطواتها نحو الكانون، المصنوع من الطين والفخار، فتضع الفحم وتوقد النار. وما أن يبدأ البن يغلي حتى تنتشر رائحته في الأرجاء. تلك الرائحة كانت تكفي وحدها لتأخذنا إلى عالم آخر، عالم كأننا نُخلق فيه من جديد. كان الواحد منّا يشعر بالكَيف قبل أن تلامس القهوة شفتيه، وكأن السحر يكمن في الجو كله: في الأسرة الملتفة، في لهب الفحم المتقد، في صوت الغليان، وفي عطر البن المتصاعد. هناك كان يكمن سر الحياة، وهناك كان الكيف».
توقفت قليلًا، ثم تابعت وهي تبتسم بحنين:
«القهوة لم تكن مجرد فنجان يملأ المعدة، بل كانت مناسبة تُنسي تعب النهار، وتبدّد قسوة الزراعة، وتغسل الجسد من عناء العمل الشاق. كانت حلقة اجتماعية حيّة، تبعث الدفء في النفوس، وتقوي الروابط بين الناس. هي لحظة يلتقي فيها الجسد المرهق مع الروح العطشى، فيمتلئ كلاهما بحياة جديدة».
تأملت حديثها طويلًا. تذكرت أن القهوة لم تكن تُشرب لذاتها، بل لما يحيط بها من طقوس. كانت كالمفتاح الذي يفتح أبواب الألفة والونس. كانت تلك الفناجين الصغيرة تحمل في طياتها قيمة أكبر بكثير من مجرد شراب: كانت تحمل معنى الاجتماع، وذاكرة الأرض، ورائحة البيوت البسيطة التي تُشبه أصحابها.
أما اليوم، فالصورة تغيّرت. صار الفنجان مجرد ماء ساخن يُسكب على بنّ مسحوق، بلا روح ولا كيف. لم تعد له تلك القدرة على أن يأخذنا إلى عالم آخر. صحيح أن بعض الأسر ما زالت تحرص على جمع الشمل حول البن، لكن معظم الناس يتناولون قهوتهم بسرعة، في جلسات فردية، أو على عجل في زقاقات الطريق. لم تعد القهوة مناسبة تُقام لها الطقوس، بل صارت عادةً تُمارس دون اكتراث.
في الطرقات، ما يبقى من القهوة أحيانًا هو تعامل البائعة وحده؛ فإن كان راقيًا لامس القلب وخفف من مرارة الفنجان، وإن لم يكن، تحوّل المشهد كله إلى جحيم. يشرب الناس قهوة تُشبه الماء الفاتر، لا تبعث في الروح أثرًا، بل تُثقل البطن وتغليها. فيغدو السؤال: ما الحاجة لتناولها أصلاً إن لم تمنحنا الكيف؟
وهكذا تركها كثير من الشباب، كأنهم ضاقوا بها بعد أن فقدت معناها. بعضهم عاد إليها على استحياء، يجرّب أن يجد فيها ما سمع عنه من دفء الكبار، لكنه يعود خائبًا، إذ لا يجد سوى فنجان باهت، يفتقر إلى الطقس والرائحة والسحر.
القهوة التي عرفها أهلنا لم تكن تُصنع في عجالة، ولم تكن تُشرب على قارعة الطريق. كانت جزءًا من نسيج الحياة، تُنثر رائحتها في فضاء البيت وتنساب إلى قلب كل من حضر. كانت الأم تغلي البن وكأنها تُعدّ صلاةً، والكل ينتظر بتشوّق كأنه على موعد مع فرح خفي. وحين يتذوقونها، يضحكون، يتحدثون، ينسون صعوبات النهار، ويستعيدون إنسانيتهم البسيطة.
أما نحن، فقد ورثنا قهوة بلا روح. صارت طقسًا مبتورًا، مجرد عادة يومية، لا تحمل حرارة الاجتماع ولا سحر الطقوس القديمة. لم نعد نعرف كيف يكون الكَيف، ولم نعد ندرك أن القهوة كانت تعني أكثر بكثير من رشفات تُبلل الحلق.
حين تذكرت حديث تلك الأم، أدركت أن القهوة ليست في البن وحده، بل في الرائحة التي تسبقها، في الأيادي التي تُحضّرها، في الجمع الذي يلتف حولها، وفي الزمن الذي يتوقف قليلًا ليمنح الناس فرصة للونس. أدركت أن الكيف لم يكن في الفنجان، بل في اللحظة ذاتها: لحظة أن نجلس متلاصقين، قلوبنا أقرب من فناجيننا، وأرواحنا ممتلئة برائحة البن قبل أن تذوقه ألسنتنا.
القهوة اليوم بلا طقس، بلا انتظار، بلا حكاية. ولهذا، مهما شربنا منها، نظل عطشى. فالقهوة ليست ماءً أسود يُسقى، بل حياة كاملة تُعاش.







































