لم يعرف قلبي الهوى يومًا، ولم يتذوق طعمه قبل أن يتعرّف على ملامحك البعيدة القريبة. كنت أعيش كما يعيش الناس جميعًا؛ أتنفّس، آكل، أشرب، أزور الأرحام، وأجلس بين الأصدقاء في حلقاتٍ عامرة بالضحك والحديث. كنت موجودًا جسدًا بينهم، لكن داخلي كان مسكونًا بفراغٍ عميق لا يملؤه صوت ولا يُسكته ضجيج.
سنوات طويلة مضت، وأنا أتجوّل بين دوائر العلاقات المتشابكة: أصدقاء في محطات العمر، زملاء عمل، ومعارف تتعدد وجوههم وتتنوّع أدوارهم. ورغم ازدحام هذا العالم من حولي، ظل شيء ما غائبًا، ظل القلب متعطشًا إلى رفيقٍ آخر لا تُحدّه المصلحة ولا يقيده الواجب الاجتماعي. شعرت أنني وحيد في قلب الزحام، كمن يصرخ وسط سوقٍ مزدحم ولا يسمعه أحد.
كانت الوحدة في داخلي أعمق من مجرد غياب الصحبة. كانت عزلة عاطفية تمسك بروحي وتثقل أنفاسي. قد يتساءل البعض: كيف يشعر بالوحدة من تحيط به شبكة واسعة من الأرحام والأصدقاء؟ لكن الحقيقة أن الكثرة ليست ضمانًا ضد العزلة، فكم من إنسان يجلس وسط الجمع وقلبه يتفتت من فراغٍ لم يجرؤ على البوح به.
لم يكن الأمر فشلًا في العثور على من أفتح لها صدري، بل هو بحثٌ لم يكتمل، ومحاولة لم تجد صداها. العلاقات الاجتماعية الصلبة، وصلات الرحم الممتدة، وصداقات العمل التي تنمو يومًا بعد يوم، كلها منحتني إطارًا آمنًا للحياة، لكنها لم تمنحني الدفء الداخلي الذي يملأ الروح ويُسكن القلب.
أدركت مبكرًا أن علاقات العمل، مهما نمت، تظل محكومة بالمصالح، حتى وإن لم تنقطع عندي بتلك الحدود الضيقة. كنت أعلم أن لها سقفًا لا تتجاوزه، وأنها مهما تزيّنت تبقى مشدودة إلى حبال الضرورة اليومية. كنت أحتاج إلى مساحة أخرى، بعيدة عن حسابات المنافع والواجبات، مساحة أنزع فيها الأقنعة وأكون نفسي بصدق.
لكنني حين نظرت حولي، اكتشفت أن الفراغ لم يكن حكايتي وحدي. صار الأمر شكوى جيل بأكمله. كثير من الآباء يتحدثون عن أبنائهم الذين تحوّلوا إلى غرباء داخل بيوتهم. لا يجالسون أهلهم، ولا يشاركونهم أحاديث المساء، بل يختبئون خلف شاشات هواتفهم وألعابهم الإلكترونية. أصبحوا أصدقاء لأجهزتهم، وأسرى لعوالم افتراضية تمنحهم عزلة جديدة لا تشبه ما عرفناه قديمًا. عزلة بلا جدران، لكنها أكثر قسوة لأنها تقطع الحبال الخفية التي تربط الأرواح.
ولأنني ابن هذا الزمن، شعرت أنني أعيش عزلة من نوع آخر. ليست عزلة عن الناس، بل عن القلب الذي يتوق إلى أن يجد من يسمعه دون حساب. كنت أريد من يواسيني، من أفتح أمامها دفاتر الأيام الثقيلة، وأقصّ عليها تفاصيل العمل وضغوط الإدارة، سواء كانت إدارة رقمية تستهلك الأعصاب أو إدارة مباشرة تفرض حضورها في كل لحظة.
كنت أبحث عن نافذة إنسانية صافية، عن شخصٍ يحمل عني بعض ثقل هذه الحياة المرهقة. فالوحدة، كما أدركت، ليست أن تعيش بلا بشر من حولك، بل أن تعيش بلا روحٍ تشاركك الداخل. كم من بيتٍ يضج بالحركة ويظل قلب صاحبه خاليًا من الأنس.
ولعل ما يزيد من قسوة هذه التجربة أنني لم أكن وحيدًا في الظاهر. كل من ينظر إليّ يظن أنني محاطٌ بما يكفي من الصحبة والأهل، وأن حياتي عامرة باللقاءات والزيارات. لكن الحقيقة أعمق: كنت أعيش ازدواجية مرهقة، بين مظهر اجتماعي مكتمل وبين داخلٍ يئن من الفراغ.
كثيرًا ما كنت أقاوم شعور الوحدة بالانغماس في تفاصيل الحياة اليومية: عملٌ لا ينتهي، زياراتٌ متكررة، نشاطات متنوعة. لكن تلك المحاولات لم تكن سوى مسكنات مؤقتة، تخفف الألم لحظة وتتركه يتجدد بأشد مما كان. حتى الضحكات التي تبادلناها في الجلسات الاجتماعية كانت تنطفئ سريعًا حين أعود إلى نفسي، كأنها مجرد صدى لا يمس القلب.
اليوم، وبعد رحلة طويلة من هذا الصراع، أدركت أن مواجهة الوحدة لا تكون دائمًا بالبحث المحموم عن الآخرين. أحيانًا تكون البداية من الداخل، من مصالحة النفس على عجزها، ومن التخفف من ثقل التوقعات. ربما لا أجد من يملأ فراغ القلب تمامًا، لكنني أستطيع أن أبني في داخلي مساحة أوسع للتسامح مع ذاتي، وأقل تعلقًا بما لم يتحقق.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة واضحة: نحن بشر، نحتاج إلى من يسمعنا، من يقاسمنا الحكاية، من يخفف عنا وطأة الأيام. لا يكفي أن نعيش وسط الناس، ولا أن نملأ جداولنا بالمواعيد. ما ينقصنا هو تلك اللحظة الصادقة التي نفتح فيها قلوبنا بلا خوف، ونشعر أن أحدًا ما يرانا كما نحن حقًا.
إنني ما زلت أقاوم وحدي، لكنني لم أفقد الأمل. فربما، في يومٍ قادم، أجد من يستحق أن أهدي له قلبي بما فيه، وأحكي له عن فراغٍ طال احتلاله لروحي. وحتى يحين ذلك اليوم، سأظل أكتب، لأن الكتابة صارت صديقتي الأوفى، والمكان الوحيد الذي أستطيع أن أضع فيه كل ما يثقل صدري دون حساب.








































