في وقتٍ يتقدّم فيه العالم بخطى متسارعة نحو آفاق لا متناهية من الابتكار، مدفوعًا بقوة العلم والتكنولوجيا وتقنيات الذكاء الاصطناعي، نجد أنفسنا نحن، سكان المناطق الطرفية، نُسحب بعيدًا عن هذا الركب، كأن الزمن قرر أن يتجاوزنا عمدًا.
هنا، حيث نعيش نحن، ليست الحياة مجردة من الكماليات، بل من أساسيات البقاء ذاته. منزل بمساحة 400 متر مربع، يتقاسم جدرانه المتواضعة أطفالٌ يحاولون التعلم، وأمهاتٌ أنهكتهن السنين، وماشيةٌ تبحث عن ظل أو مأوى. تخيّل هذا المشهد يا صديقي، وقل لي: أي علمٍ يمكن أن يزدهر؟ وأي تكنولوجيا يمكن أن تُطبَّق في واقع كهذا؟
لم تصلنا بعد أبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء، أما من يتابع أخبار العالم هنا، فيفعل ذلك وكأنه يشاهد فيلماً خيالياً، لا يرى فيه نفسه ولا يشبهه شيء منه. الأمر خرج من أيدي الناس، ولم يعد بمقدورهم سوى التفرج على واقع يتدهور، وأحلام تتبخر.
وما يزيد الوجع، أن أولئك الذين تعلّموا وخرجوا من بيننا، أولئك الذين ظنناهم بذور التغيير، عادوا إلينا ضيوفًا لا أكثر. لم يستطيعوا أن يحدثوا الفرق الذي كنا نأمله، ووجدوا أنفسهم غرباء في القرى التي نشأوا فيها، مقيدين أمام عقلية مجتمعية تقاوم التغيير بكل ما أوتيت من جمود.
تخرجوا من أرقى كليات العلوم، لكن أبحاثهم ومشاريع تخرجهم انتهت في سلة المهملات. لم تجد تلك الجهود النور، ولم تنل الاحترام الذي تستحقه. بل أصبحت مشاريع التخرج في جامعاتنا الخاصة والعامة مجرد طقوس عبور، بلا جدوى. حتى الذين تفوقوا منهم، إن وُظفوا، فغالبًا يُستوعبون في الجامعة نفسها التي تخرجوا منها، وبشروط لا تنصفهم، بل تكرّس التبعية للمؤسسة.
نحن هنا نحلم... نعم نحلم بعالمٍ أفضل، عالمٍ تتجلّى فيه لمسات الهندسة الحديثة في الزراعة والصناعة وكل تفاصيل الحياة. نملك ثروة حيوانية ضخمة، ومع ذلك لا زلنا نحلب الأبقار يدويًا بـ"الإيزكدي"، بينما العالم يستخدم آليات كهربائية أكثر كفاءة وأمانًا.
لا توجد شركات استيراد تُدخل هذه الآليات الحديثة، ولا صيدليات بيطرية توفّرها، ببساطة لأنها غير مدرجة ضمن اهتمامات الدولة، ولا في خطط شركات الاستيراد التي لا ترى أبعد من حدود ربحها الفوري.
وهنا، في هذا المقام، نرفع صوتنا من الهامش إلى المركز، من الحواشي إلى من يتخذون القرار: نناشد الدولة، والمؤسسات، والوزارات، بأن تفرض على شركات الاستيراد والتصدير إدخال الآليات الحديثة إلى السودان، وتفتح لها قنوات خارجية، وتضع ذلك ضمن الأولويات الوطنية.
لسنا نطلب المعجزات، بل نطالب بالعدل في توزيع فرص الحياة. نريد أن يشعر طفل الريف أن له الحق في أن يحلم، كما يحلم طفل المدينة. أن تملك الأسرة في القرى ما يضمن لها الحد الأدنى من الكرامة، لا أن تعيش على هامش الدولة وكأنها عالة على العصر. هذا الوطن لن ينهض بجزء دون جزء، ولا بحاضرٍ مقطوعٍ عن ماضيه وأطرافه.
فلنمدّ الجسور بين المركز والهامش، بين من يملكون القرار ومن يدفعون ثمنه. ولنبدأ الآن، بخطوات بسيطة، جريئة، ومؤمنة بأن الإنسان في كل بقعة من السودان يستحق أن يعيش كما يليق بالقرن الحادي والعشرين، لا كمن ظلّ محبوسًا في القرن الماضي دون ذنبٍ سوى أنه وُلد في المكان "الخطأ".
لن يتغير شيء ما لم نغيّر آلياتنا، ونوسّع مداركنا، ونؤمن أن التقدّم ليس رفاهية، بل ضرورة، وأن التخلّف لم يعد خيارًا، بل إدانة.







































