تقدّمت الشعوب عبر التاريخ بفضل أبنائها المتعلمين، أولئك الذين حملوا في قلوبهم حبّ الوطن، وسعوا بصدق لتجنيبه الانهيار الاقتصادي ودفعه نحو الإنتاج والتحضّر، وجعل إنسانه أكثر وعيًا وتعليمًا. إن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج تضحيات ورغبات صادقة لأبناءٍ كان همّهم الأكبر هو نهضة بلادهم، رغم الفوضى وعبث القيادات السياسية وضعف النخب – إن لم نقل فشلها. لكن تكرار نقد الماضي وحده لا يكفي، إذ قد يجرّنا إلى الدوران في حلقة مفرغة من اجترار المرارات، دون أن نتجاوزها نحو التفكير الخلّاق.
لقد عشتُ وعايشتُ تجارب عديدة، غير أنّ معظمها ظلّ حبيسَ التنظير البليد، دون أن يتحوّل إلى خطوات عملية تبتكر آليات جديدة، خصوصًا لأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يشكّلون عماد الحياة الاقتصادية. والشاهد أنّ الإرادة السياسية الصادقة ظلّت غائبة، رغم التفاف الجماهير في محطات عديدة حول الأحزاب والمنظمات المدنية. ويكفي أن نستعيد مشهد الحراك الشعبي الأخير، الذي وإنْ تبنّته الأحزاب من وراء الستار، إلا أنها آثرت التخفي خلف ثوب "تجمع المهنيين"، وهو ما يفسّر بوضوح رفض الشارع للانخراط في أي فعل سياسي تحت مظلة حزبية مباشرة. وما أن انكشف الغطاء، حتى علت الأصوات مجددًا رافضة للأحزاب.
من هنا، حين نعلن نقدنا للأحزاب، فإنما نفعل ذلك بوعي، لا لمحوها من التاريخ، بل لتشكيل وعي جماهيري يدفع نحو إصلاحها. إذ إن غياب الأحزاب يعني بالضرورة صعود العسكر، وهو خيار لا يمكن دعمه ولا القبول به. إن المطلوب اليوم هو أحزاب جديدة بهياكل صلبة ورؤى واقعية قابلة للتطبيق، لا مجرد شعارات واهنة تجاوزها الزمن، ولا أحلامًا لا تجد سبيلًا إلى الواقع. نحن بحاجة إلى أفكار تنبض من وجدان الشعب السوداني ذاته، لا مستوردة من الخارج، أفكار يجد الناس أنفسهم فيها فيدافعون عنها كما فعلوا في ديسمبر، حين خرجوا حاملين شعارات نبيلة، ودافعوا عنها حتى أتوا بحكومة، سرعان ما سقطت بسبب ضعف إدارتها.
إنّ إخفاق التجربة الديمقراطية لا يعني نهاية الحلم، بل بداية وعيٍ جديد أكثر نضجًا. فالتاريخ السياسي للسودان – منذ الاستقلال – يبرهن أن كل انتكاسة كانت تمهّد لصعود مقاومة أشدّ تصميمًا. من ثورة أكتوبر إلى انتفاضة أبريل، ومن حراك ديسمبر إلى المقاومة الراهنة، ظلّت الجماهير هي اللاعب الأساسي الذي يُعيد التوازن كلما اختلّت موازين القوة بين المدنيين والعسكر.
ولأننا اليوم في زمن مختلف، فإن أدوات الصراع نفسها تتغير. لم تعد السياسة حكرًا على الأحزاب التقليدية ولا على زعامات الطوائف، بل انتقل الوعي إلى فضاءات أرحب بفعل الثورة الرقمية ووسائل التواصل، حيث أصبح المواطن العادي شريكًا في صناعة القرار ومساءلة الحاكم. هذا الوعي الجديد يرفض تمامًا العودة إلى الوراء، ويرى في حكم العسكر قيدًا على تطلعاته.
إنّ مسؤوليتنا – نحن الذين نكتب ونفكر – أن نتجاوز البكاء على الماضي، وأن نطرح رؤىً بديلة تفتح أمام الأجيال القادمة مسارات جديدة. فالوطن لا يُبنى بالرفض وحده، وإنما بالتصوّر والعمل. نحتاج إلى مشروعات وطنية في الاقتصاد والتعليم والزراعة والتقنية، تقطع الطريق أمام العسكر وتضع الأحزاب في امتحان حقيقي: إمّا أن تجدد نفسها لتواكب روح العصر، أو تترك الساحة لقوى جديدة تنبثق من رحم الشارع.
ولذلك فإن الثورة السودانية، رغم ما تعرّضت له من انتكاسات، لم ولن تتوقف. فهي ليست حدثًا مؤقتًا ولا موجة عابرة، بل سيرورة تاريخية طويلة المدى. قد تتعثر المقاومة، لكنها لا تنكسر؛ وقد تُختطف الثورة، لكنها تستعيد روحها لتعود أقوى وأكثر وضوحًا. ذلك لأن الشعوب التي تذوقت طعم الحرية لا يمكن أن تعود طواعية إلى قيود الاستبداد.
إنّ ما نرجوه ليس مجرد تغيير وجوه في مقاعد السلطة، بل ولادة وعيٍ جديد يعيد صياغة العلاقة بين الشعب والدولة، ويفتح الباب أمام عهدٍ تُصان فيه كرامة الإنسان السوداني وتُستثمر ثرواته لصالحه. فالثورة ليست هتافًا في الشوارع فحسب، بل هي إصرارٌ يسكن القلوب، وإيمانٌ راسخ بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس. وحين يمتلك الشعب وعيه الكامل، يصبح هو الحزب الأكبر، والجيش الأقوى، والحلم الذي لا ينكسر.







































