في تلك الأمسية الندية التي غسلها صفاء السماء وزيّنها هدوء الليل، بدا لي أن الأشياء تسير كما تمنيتُ يومًا، وأن الخطط الصغيرة التي نسجتها لحياتي وجدت طريقها إلى التحقق. لم أكن وحيدًا، بل كنت محاطًا بدفء الأسرة وبمرح الأصدقاء الذين التفّوا حولي في جلسة اجتماعية أعادت إلينا ما افتقدناه طويلًا. كانت تلك اللحظات أشبه بعودة الماء إلى الجدول بعد جفاف، إذ تدفقت الأحاديث، وتبادلنا الضحكات، واستحضرنا ذكريات لم يصدأها الغياب.
لقد أدركت حينها أننا لم نفقد الرغبة في التواصل بقدر ما داهمتنا مشاغل الحياة واختلاف إيقاعها. العمل الذي ينهش أوقاتنا، والالتزامات التي لا ترحم، واللهاث المستمر خلف ضرورات العيش… كلّها سرقت منا جزءًا كبيرًا من إنسانيتنا، وأبعدتنا عن بعضنا البعض. ومع ذلك، فإننا أبناء بيئة لا تعرف العزلة ولا تعترف بها؛ بيئة تشكّلت على التواصل والترابط والتكافل. فمنذ نعومة أظافرنا تربّينا على أن الجار أخ، وأن صلة الرحم واجبة، وأن الفرح لا يكتمل إلا حين يتقاسمه الجميع. العزلة لم تكن يومًا طباعنا، بل طارئ غريب فرض نفسه في زمن صعب.
ومع أن الجلسة كانت عامرة بالود، إلا أن لحظة الانفضاض جاءت سريعًا. تفرّق الجمع، وعاد كل واحد إلى مشاغله، وتركوني وحيدًا أمام ليل طويل، يبدأ بحكايات دافئة وينتهي بصمتٍ مهيب. شعرت حينها أن اللحظة امتحان لذاتي: هل أستسلم لوحشة الوحدة أم أستثمرها في خلق معنى جديد؟ كنت أسمع داخلي صدى سؤال كبير: ماذا نفعل حين يخذلنا الزمن وتخذلنا الظروف؟ هل نتوارى خلف العزلة أم نخلق من العزلة جسرًا إلى ذواتنا؟
وجدتني أمد يدي إلى القلم. أمسكت بالورقة البيضاء ــ تلك المساحة الصامتة بحجم A4 ــ وحوّلتها إلى ساحة حوار بين خيالي وذاكرتي. كأني درويش صوفي يقضي ليلته في رحاب الشيخ عبد الرحيم البرعي، متجردًا من أثقال الدنيا، غارقًا في الذكر والتأمل. لحظة الكتابة بدت لي طقسًا روحانيًا، طقسًا يشبه الصلاة، يطهّر الداخل ويفتح النوافذ على الماضي.
ساد الغرفة سكون عميق، كأن العالم كله قد توقف ليستمع إلى صرير القلم وهو ينسج بريق الحروف. لم تكن الكلمات مجرد خواطر شخصية، بل انعكاسًا لذاكرة جمعية تختزن تاريخ الآباء والأجداد، وتجسّد صراعهم ضد المستعمر. نعم، قد يكون بيننا من تعاطف مع وجوده في لحظة مصلحة أو ضعف، لكن السيادة الوطنية لم تُرهن يومًا. كان الشباب يقفون سدًّا منيعًا، يذودون عن الكرامة، ويقاومون كل محاولة لانتقاص الوطن.
وما بين سطور الماضي، كانت الذاكرة تُسقط ضوءها على الحاضر. رأيت كيف أنّ الإنسان، مهما أثقلته الظروف، يظل يحمل داخله شغف الحياة. ورأيت كيف أنّ المجتمعات، مهما توزعت بها الهموم، تعود لتتشبث بمناسباتها الصغيرة لتؤكد أن جذوة الحياة لا تنطفئ. فقد جاءت الفرحة الكبرى حين عمّت المنطقة أخبار زواج ابن العمدة. ذُبحت الماشية، وتوزعت الهدايا، وتعانقت الأيدي في مظاهر البهجة. كان ذلك المشهد تجسيدًا حيًا للثقافة السودانية التي تمنح للتقاليد قيمتها وتحفظ للأفراح معناها العميق. ففي خضم تلك اللحظات البسيطة يكمن الأمل الكبير، وفي المناسبات الاجتماعية يُعاد ترميم النسيج الذي حاولت الظروف أن تمزقه.
لم يكن الأمر مجرد احتفال عابر، بل إعلان صريح أن الحياة، برغم قسوتها، لا تزال قادرة على أن تُزهر. أحسست حينها أن لكل حدث صغير امتدادًا في روح الجماعة: زواج، ميلاد، نجاح، أو حتى جلسة ود عابرة، كلها إشارات على أن الإنسانية ما تزال بخير. وما تلك الورقة البيضاء التي ملأتها بالحبر إلا مرآة أوسع لحقيقة كبرى: أننا نستطيع أن ننتزع من الزمن الصعب لحظات معنى، وأن نُحيل الوحدة إلى مساحة إبداع، واليأس إلى قوة دافعة للأمل.
خرجت من تلك الليلة بقناعة أعمق: أننا مهما ابتعدنا أو حملتنا الحياة إلى عوالم متفرقة، سيبقى فينا ما يعيدنا إلى أصلنا، إلى إنسانيتنا، إلى قيمنا التي تعلّمناها من تربية الأمهات، ومن حكمة الآباء، ومن صمود الأجداد. ذلك الإرث الخفي هو ما يجعلنا قادرين على النهوض بعد كل عثرة، وعلى إعادة رسم الطريق بعد كل انكسار.
إنّ الأمسية التي بدأت بلقاء بسيط مع الأهل والأصدقاء وانتهت بجلوس طويل مع نفسي، لم تكن مجرد وقت عابر، بل كانت رحلة كاملة في فضاءات الحياة. رحلة كشفت لي أن سرّ الوجود يكمن في البساطة، وأن ما نحمله من ذكريات وتجارب هو زادنا الحقيقي في مواجهة الغد. لقد أيقنت أن الدنيا، على الرغم من قسوتها، ما زالت بخير، ما دمنا قادرين على أن نلتقي، أن نفرح، وأن نحمل أحلامنا فوق عاتق الوطن بثقة وإصرار.








































