آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة غازي جابر
  5. أمسية على ضفاف الذاكرة
⭐ 5 / 5
عدد المصوّتين: 1

في تلك الأمسية الندية التي غسلها صفاء السماء وزيّنها هدوء الليل، بدا لي أن الأشياء تسير كما تمنيتُ يومًا، وأن الخطط الصغيرة التي نسجتها لحياتي وجدت طريقها إلى التحقق. لم أكن وحيدًا، بل كنت محاطًا بدفء الأسرة وبمرح الأصدقاء الذين التفّوا حولي في جلسة اجتماعية أعادت إلينا ما افتقدناه طويلًا. كانت تلك اللحظات أشبه بعودة الماء إلى الجدول بعد جفاف، إذ تدفقت الأحاديث، وتبادلنا الضحكات، واستحضرنا ذكريات لم يصدأها الغياب.

 

لقد أدركت حينها أننا لم نفقد الرغبة في التواصل بقدر ما داهمتنا مشاغل الحياة واختلاف إيقاعها. العمل الذي ينهش أوقاتنا، والالتزامات التي لا ترحم، واللهاث المستمر خلف ضرورات العيش… كلّها سرقت منا جزءًا كبيرًا من إنسانيتنا، وأبعدتنا عن بعضنا البعض. ومع ذلك، فإننا أبناء بيئة لا تعرف العزلة ولا تعترف بها؛ بيئة تشكّلت على التواصل والترابط والتكافل. فمنذ نعومة أظافرنا تربّينا على أن الجار أخ، وأن صلة الرحم واجبة، وأن الفرح لا يكتمل إلا حين يتقاسمه الجميع. العزلة لم تكن يومًا طباعنا، بل طارئ غريب فرض نفسه في زمن صعب.

 

ومع أن الجلسة كانت عامرة بالود، إلا أن لحظة الانفضاض جاءت سريعًا. تفرّق الجمع، وعاد كل واحد إلى مشاغله، وتركوني وحيدًا أمام ليل طويل، يبدأ بحكايات دافئة وينتهي بصمتٍ مهيب. شعرت حينها أن اللحظة امتحان لذاتي: هل أستسلم لوحشة الوحدة أم أستثمرها في خلق معنى جديد؟ كنت أسمع داخلي صدى سؤال كبير: ماذا نفعل حين يخذلنا الزمن وتخذلنا الظروف؟ هل نتوارى خلف العزلة أم نخلق من العزلة جسرًا إلى ذواتنا؟

 

وجدتني أمد يدي إلى القلم. أمسكت بالورقة البيضاء ــ تلك المساحة الصامتة بحجم A4 ــ وحوّلتها إلى ساحة حوار بين خيالي وذاكرتي. كأني درويش صوفي يقضي ليلته في رحاب الشيخ عبد الرحيم البرعي، متجردًا من أثقال الدنيا، غارقًا في الذكر والتأمل. لحظة الكتابة بدت لي طقسًا روحانيًا، طقسًا يشبه الصلاة، يطهّر الداخل ويفتح النوافذ على الماضي.

 

ساد الغرفة سكون عميق، كأن العالم كله قد توقف ليستمع إلى صرير القلم وهو ينسج بريق الحروف. لم تكن الكلمات مجرد خواطر شخصية، بل انعكاسًا لذاكرة جمعية تختزن تاريخ الآباء والأجداد، وتجسّد صراعهم ضد المستعمر. نعم، قد يكون بيننا من تعاطف مع وجوده في لحظة مصلحة أو ضعف، لكن السيادة الوطنية لم تُرهن يومًا. كان الشباب يقفون سدًّا منيعًا، يذودون عن الكرامة، ويقاومون كل محاولة لانتقاص الوطن.

 

وما بين سطور الماضي، كانت الذاكرة تُسقط ضوءها على الحاضر. رأيت كيف أنّ الإنسان، مهما أثقلته الظروف، يظل يحمل داخله شغف الحياة. ورأيت كيف أنّ المجتمعات، مهما توزعت بها الهموم، تعود لتتشبث بمناسباتها الصغيرة لتؤكد أن جذوة الحياة لا تنطفئ. فقد جاءت الفرحة الكبرى حين عمّت المنطقة أخبار زواج ابن العمدة. ذُبحت الماشية، وتوزعت الهدايا، وتعانقت الأيدي في مظاهر البهجة. كان ذلك المشهد تجسيدًا حيًا للثقافة السودانية التي تمنح للتقاليد قيمتها وتحفظ للأفراح معناها العميق. ففي خضم تلك اللحظات البسيطة يكمن الأمل الكبير، وفي المناسبات الاجتماعية يُعاد ترميم النسيج الذي حاولت الظروف أن تمزقه.

 

لم يكن الأمر مجرد احتفال عابر، بل إعلان صريح أن الحياة، برغم قسوتها، لا تزال قادرة على أن تُزهر. أحسست حينها أن لكل حدث صغير امتدادًا في روح الجماعة: زواج، ميلاد، نجاح، أو حتى جلسة ود عابرة، كلها إشارات على أن الإنسانية ما تزال بخير. وما تلك الورقة البيضاء التي ملأتها بالحبر إلا مرآة أوسع لحقيقة كبرى: أننا نستطيع أن ننتزع من الزمن الصعب لحظات معنى، وأن نُحيل الوحدة إلى مساحة إبداع، واليأس إلى قوة دافعة للأمل.

 

خرجت من تلك الليلة بقناعة أعمق: أننا مهما ابتعدنا أو حملتنا الحياة إلى عوالم متفرقة، سيبقى فينا ما يعيدنا إلى أصلنا، إلى إنسانيتنا، إلى قيمنا التي تعلّمناها من تربية الأمهات، ومن حكمة الآباء، ومن صمود الأجداد. ذلك الإرث الخفي هو ما يجعلنا قادرين على النهوض بعد كل عثرة، وعلى إعادة رسم الطريق بعد كل انكسار.

 

إنّ الأمسية التي بدأت بلقاء بسيط مع الأهل والأصدقاء وانتهت بجلوس طويل مع نفسي، لم تكن مجرد وقت عابر، بل كانت رحلة كاملة في فضاءات الحياة. رحلة كشفت لي أن سرّ الوجود يكمن في البساطة، وأن ما نحمله من ذكريات وتجارب هو زادنا الحقيقي في مواجهة الغد. لقد أيقنت أن الدنيا، على الرغم من قسوتها، ما زالت بخير، ما دمنا قادرين على أن نلتقي، أن نفرح، وأن نحمل أحلامنا فوق عاتق الوطن بثقة وإصرار.

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب386438
2الكاتبمدونة نهلة حمودة249260
3الكاتبمدونة ياسر سلمي217641
4الكاتبمدونة زينب حمدي183547
5الكاتبمدونة اشرف الكرم160061
6الكاتبمدونة سمير حماد 127626
7الكاتبمدونة مني امين123499
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين120308
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي116630
10الكاتبمدونة طلبة رضوان115722

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02