إن مهنة التعليم ليست مجرد وظيفة تُمارس مقابل راتب شهري، بل هي رسالة سامية ومسؤولية عظيمة. حين تم اختيارك معلمة، لم يكن ذلك لمؤهلاتك الشخصية فقط، بل لأنك وُضعت في موقع يحمّلك أمانة عظيمة تجاه الأجيال. أنتِ اليوم أستاذة، مربية، وصانعة مستقبل. فضاء المعرفة والعلم، كما نعلم، ليس مجرد مهنة، بل عمل إنساني يشبه العمل التطوعي في نُبله وتجرده من الأهواء.
الطلاب هم نواة المستقبل، وبذور الغد المشرق. فلا تدعي مشاعركِ السلبية من غضب أو جهل أو ضغينة تنعكس على سلوككِ تجاههم. تذكري أن التعامل مع الطلاب يحتاج إلى حكمة، وتفهّم، ومعرفة بأساسيات علم النفس التربوي، فهو السبيل إلى إيصال الرسالة التعليمية على النحو الأمثل.
رجاؤنا أن تُتركي مشكلاتكِ الشخصية خلف بوابة قاعة الدرس، فالحصة للعلم، والعلم لا يقبل الازدواجية. صفاء النفس وطمأنينة الروح هما المدخل الحقيقي لحصة ناجحة تُلقى بتركيز، وتُستقبل بذهن منفتح.
في أحد الممرات الضيقة بسوق وسط البلد، التقيت صدفة بطالب كنت أعرف والده جيدًا. رجل وقور من أعيان المجتمع، يُعرف بقول الحق، لا يجامل ولا يحيد عن العدل. لاحظت أن الفتى يعرج في مشيته، فسألته بلطف: "ما بك يا بُني؟ أراك تتألم، هل أصبت في رجلك؟".
ردّ عليّ بصوت تختلط فيه المرارة بالألم: "أنا بخير يا عمي، لكن أستاذة الرياضيات ضربتني بعنف على قدمي، حتى أصبحت لا أقوى على المشي." وقفت مذهولًا، فكيف تحول التعليم إلى تصفية حسابات؟ أضاف بأسى: "لم أرتكب شيئًا يستحق العقاب. وعندما سألتها عن السبب، صاحت في وجهي قائلة: (تاني ما أشوفك في أي محاضرة بدرسها. أول ما تشوفني داخلة القاعة، أخرج فورًا. الكلام ده ليكون عبرة للجميع)."
قلت له: "كان عليك التوجه إلى المدير، فهو رجل معروف بالدفاع عن الحقوق." فردّ بصوت مكسور: "المدير في رحلة عمرة إلى السعودية، ولن يعود قبل نهاية رمضان."
أخذت الطالب فورًا إلى المستشفى، وتم علاجه بحمد الله.
ختامًا، نُناشد كل المعلمين والمعلمات: لا تجعلوا من التعليم أداة للإذلال أو القمع، فكرامة الطالب خط أحمر، مهما كانت الدوافع. ونطالب بسنّ قوانين رادعة لكل من يتعدى على حقوق الطلاب، سواء كان معلمًا، أو مديرًا، أو أي مسؤول في السلك التربوي...







































