في قريتنا الصغيرة، حيث تتقاطع الحقول مع مسارات الغنم، وتظلّل الأكواخ أشجار الهجليج، عاش "زيد" وسط أسرته البسيطة. كان البيت ضيقًا كحلم الفقراء، وجدرانه تشهد على قسوة الأيام. أمّ عجوز تقاوم الزمن بالدعاء، زوجة صابرة تتوزع بين رعاية الأبناء وطمأنة الجدّ، وثلاثة صغار يلهون بحجارة الطريق، لا يدركون بعد أن أباهم يتهيأ لرحيل طويل.
الفقر كان سيد المكان. كان هو العدوّ الذي يُجلس الرجال في الظل صامتين، والنساء عند الأبواب متحسّرات. ولأن "زيدًا" لم يعرف الصمت يومًا، شدّ رحاله، وغادر فجأة كمن يهرب من قدره. بدا الأمر في بدايته عاديًا؛ فالشباب اعتادوا الرحيل طلبًا للرزق، بعضهم إلى مدن الذهب، وبعضهم إلى دول الغربة. لكن "زيدًا" اختار طريقًا أطول، سار حتى أقصى الحدود، حيث تمتد الأرض نحو دولة أخرى، ويختلط العشب برائحة البارود.
الوعد الأول
بعد أعوام طويلة من الغياب، وصل إلينا خبره متقطّعًا: لقد صار راعيًا للبهائم في الجنوب، وادّعى أنه جمع رأس مال لا بأس به. قال للناس يومها:
– "سأعود مع أول هطول مطر... كما يعود الرعاة بقطعانهم."
كانت جملة بسيطة لكنها أشعلت في قلوبنا أملًا. انتظرناه، وكنا نعدّ الغيوم في السماء كما يعدّ الأطفال الهدايا ليلة العيد.
وبالفعل، عاد. كان ذلك في رمضان. حضر فجأة، وجهه أسمر من شمس الغربة، وابتسامة غامضة تزين محيّاه. شرع في إعادة بناء منزله بالطوب الأحمر، كأنه يريد أن يثبت للجميع أنه حقق ما وعد. مكث شهرًا واحدًا بين أهله، ثم عاد إلى دياره الجديدة، تاركًا وراءه قلوبًا تتعلق بعودته التالية. توسّل إليه الناس أن يبقى، لكنه لم يسمع. قال لهم:
– "ما زال هناك رزق ينتظرني... سأعود قريبًا، لا تقلقوا."
غيابٌ بلا خبر
لكن تلك العودة لم تتحقق. مرّت سنوات وسنوات، ولم يأتِ منه اتصال ولا رسالة. لا صوت ولا طيف. كأن الأرض ابتلعته. وحدها رواية غامضة تسلّلت إلى القرية: "ابنكم بخير... وهو برفقة فلان." لكن مصدرها كان ضعيفًا، لا يبدّد القلق ولا يطفئ الحيرة.
اشتدّ خوف الأسرة، وزاد همّ الأم والزوجة والأبناء. لم يعد الأمر غيابًا عادياً، بل غيابًا يفتح أبواب الظنون والخيالات القاسية.
رحلة البحث
عندها نهض شقيقه الأكبر، رجل متعب لكنه صبور، وقال:
– "لن أترك أخي مجهول المصير... سأذهب إليه."
قطع المسافات البعيدة، جاب الأسواق والقرى، سأل الرعاة والمزارعين، تتبّع الأثر كما يتتبع العطشان مجرى النهر. شهران من البحث المضني، حتى دُلَّ أخيرًا على فريق بعيد قيل إن "زيدًا" يقيم بينهم. لكن حين وصل، وجد أن الفريق قد ارتحل يبحث عن الماء والكلأ. لم ييأس، ظلّ يتنقّل من سوق إلى سوق، من فريق إلى فريق، حتى التقى به أخيرًا.
المفاجأة
لكن المفاجأة كانت أقسى مما تخيّل. وجد أخاه وقد تبدّلت ملامحه، تغيّرت نظرته للحياة، وتبدلت ثقافته. لم يعد الرجل الذي غادر قبل سنوات. كان واقفًا بثوب الرعاة، إلى جواره امرأة من هناك، زوجة جديدة تقاسمته الحياة.
قال له شقيقه بدهشة ومرارة:
– "أما آن لك أن تعود؟ أمّك أنهكها الحزن، وزوجتك وأطفالك ينتظرونك منذ سنين. هيا بنا إلى الديار."
لكن "زيدًا" اكتفى بابتسامة متعبة، وردّ بصوت بارد:
– "سأعود... لاحقًا. دعني هنا قليلًا، ما زال لي رزق في هذه الأرض."
مدّ يده وأعطاه مبلغًا زهيدًا، لا يساوي شيئًا أمام رحلة البحث الطويلة، ولا أمام سنوات الجوع والحرمان التي عاشها أبناؤه.
الخذلان الأخير
عاد شقيقه إلى القرية وحيدًا، يحمل خيبة أكبر من طاقته. أما زوجته الأولى، فقد أسلمت أمرها لله، وقالت:
– "هذا ليس غيابًا بعد الآن... هذا هجران متعمد."
لم يعد هناك ما يبرر فعله، ولا ما يغطي على تقصيره. صار أمام الله وشرعه، لا أمام الأعذار الواهية التي صنعناها له يومًا.
وهكذا انتهت الحكاية: رجل غاب خلف الحدود، وعاد آخر، لا هو من أهل القرية، ولا هو من الغرباء. ترك وراءه أسرة تتقلب بين الانتظار والخذلان، وزوجة أولى تتشبث بحقها الشرعي، وأبناء يتامى من أب حيّ.








































