آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة غازي جابر
  5. أبناء الانتظار
⭐ 5 / 5
عدد المصوّتين: 3

في قريتنا الصغيرة، حيث تتقاطع الحقول مع مسارات الغنم، وتظلّل الأكواخ أشجار الهجليج، عاش "زيد" وسط أسرته البسيطة. كان البيت ضيقًا كحلم الفقراء، وجدرانه تشهد على قسوة الأيام. أمّ عجوز تقاوم الزمن بالدعاء، زوجة صابرة تتوزع بين رعاية الأبناء وطمأنة الجدّ، وثلاثة صغار يلهون بحجارة الطريق، لا يدركون بعد أن أباهم يتهيأ لرحيل طويل.

الفقر كان سيد المكان. كان هو العدوّ الذي يُجلس الرجال في الظل صامتين، والنساء عند الأبواب متحسّرات. ولأن "زيدًا" لم يعرف الصمت يومًا، شدّ رحاله، وغادر فجأة كمن يهرب من قدره. بدا الأمر في بدايته عاديًا؛ فالشباب اعتادوا الرحيل طلبًا للرزق، بعضهم إلى مدن الذهب، وبعضهم إلى دول الغربة. لكن "زيدًا" اختار طريقًا أطول، سار حتى أقصى الحدود، حيث تمتد الأرض نحو دولة أخرى، ويختلط العشب برائحة البارود.

 

الوعد الأول

بعد أعوام طويلة من الغياب، وصل إلينا خبره متقطّعًا: لقد صار راعيًا للبهائم في الجنوب، وادّعى أنه جمع رأس مال لا بأس به. قال للناس يومها:

– "سأعود مع أول هطول مطر... كما يعود الرعاة بقطعانهم."

كانت جملة بسيطة لكنها أشعلت في قلوبنا أملًا. انتظرناه، وكنا نعدّ الغيوم في السماء كما يعدّ الأطفال الهدايا ليلة العيد.

 

وبالفعل، عاد. كان ذلك في رمضان. حضر فجأة، وجهه أسمر من شمس الغربة، وابتسامة غامضة تزين محيّاه. شرع في إعادة بناء منزله بالطوب الأحمر، كأنه يريد أن يثبت للجميع أنه حقق ما وعد. مكث شهرًا واحدًا بين أهله، ثم عاد إلى دياره الجديدة، تاركًا وراءه قلوبًا تتعلق بعودته التالية. توسّل إليه الناس أن يبقى، لكنه لم يسمع. قال لهم:

– "ما زال هناك رزق ينتظرني... سأعود قريبًا، لا تقلقوا."

 

غيابٌ بلا خبر

لكن تلك العودة لم تتحقق. مرّت سنوات وسنوات، ولم يأتِ منه اتصال ولا رسالة. لا صوت ولا طيف. كأن الأرض ابتلعته. وحدها رواية غامضة تسلّلت إلى القرية: "ابنكم بخير... وهو برفقة فلان." لكن مصدرها كان ضعيفًا، لا يبدّد القلق ولا يطفئ الحيرة.

 

اشتدّ خوف الأسرة، وزاد همّ الأم والزوجة والأبناء. لم يعد الأمر غيابًا عادياً، بل غيابًا يفتح أبواب الظنون والخيالات القاسية.

 

رحلة البحث

عندها نهض شقيقه الأكبر، رجل متعب لكنه صبور، وقال:

– "لن أترك أخي مجهول المصير... سأذهب إليه."

قطع المسافات البعيدة، جاب الأسواق والقرى، سأل الرعاة والمزارعين، تتبّع الأثر كما يتتبع العطشان مجرى النهر. شهران من البحث المضني، حتى دُلَّ أخيرًا على فريق بعيد قيل إن "زيدًا" يقيم بينهم. لكن حين وصل، وجد أن الفريق قد ارتحل يبحث عن الماء والكلأ. لم ييأس، ظلّ يتنقّل من سوق إلى سوق، من فريق إلى فريق، حتى التقى به أخيرًا.

 

المفاجأة

لكن المفاجأة كانت أقسى مما تخيّل. وجد أخاه وقد تبدّلت ملامحه، تغيّرت نظرته للحياة، وتبدلت ثقافته. لم يعد الرجل الذي غادر قبل سنوات. كان واقفًا بثوب الرعاة، إلى جواره امرأة من هناك، زوجة جديدة تقاسمته الحياة.

 

قال له شقيقه بدهشة ومرارة:

– "أما آن لك أن تعود؟ أمّك أنهكها الحزن، وزوجتك وأطفالك ينتظرونك منذ سنين. هيا بنا إلى الديار."

لكن "زيدًا" اكتفى بابتسامة متعبة، وردّ بصوت بارد:

– "سأعود... لاحقًا. دعني هنا قليلًا، ما زال لي رزق في هذه الأرض."

 

مدّ يده وأعطاه مبلغًا زهيدًا، لا يساوي شيئًا أمام رحلة البحث الطويلة، ولا أمام سنوات الجوع والحرمان التي عاشها أبناؤه.

 

الخذلان الأخير

عاد شقيقه إلى القرية وحيدًا، يحمل خيبة أكبر من طاقته. أما زوجته الأولى، فقد أسلمت أمرها لله، وقالت:

– "هذا ليس غيابًا بعد الآن... هذا هجران متعمد."

 

لم يعد هناك ما يبرر فعله، ولا ما يغطي على تقصيره. صار أمام الله وشرعه، لا أمام الأعذار الواهية التي صنعناها له يومًا.

 

وهكذا انتهت الحكاية: رجل غاب خلف الحدود، وعاد آخر، لا هو من أهل القرية، ولا هو من الغرباء. ترك وراءه أسرة تتقلب بين الانتظار والخذلان، وزوجة أولى تتشبث بحقها الشرعي، وأبناء يتامى من أب حيّ.

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب386406
2الكاتبمدونة نهلة حمودة249232
3الكاتبمدونة ياسر سلمي217632
4الكاتبمدونة زينب حمدي183539
5الكاتبمدونة اشرف الكرم160050
6الكاتبمدونة سمير حماد 127597
7الكاتبمدونة مني امين123490
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين120302
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي116621
10الكاتبمدونة طلبة رضوان115619

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02