في كل أزمة إقليمية، يتكرر المشهد ذاته: تُوجَّه الأنظار إلى مصر، بحثًا عن مُدان. وبينما تتحرك القاهرة بثقلها السياسي والعسكري والإنساني لاحتواء التصعيد، تتعالى أصوات اللوم وكأنها مطالَبة بحمل أعباء الجميع وحدها. لكن الحقيقة أبسط وأوضح: مصر تؤدي دورها كاملًا… فماذا يُراد منها أكثر من ذلك؟
ليست مصر بعيدة عمّا يجري، كما يروّج البعض، بل تؤدي دورًا مركبًا يتجاوز الشعارات والانفعالات.
فمنظوماتها الدفاعية "آمون" تظل جزءًا من معادلة الردع، في وقتٍ تتعثر فيه النسخة الخليجية من منظومة الدفاع الامريكية عن أداء دورها،
وفي الجانب الإنساني واللوجستي، فتحت مصر مطاراتها لاستقبال الطائرات المدنية القادمة من بعض دول الخليج، ووضعت إمكاناتها في خدمة الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك تسهيلات العبور في قناة السويس وتوفير مخازن النفط ومختلف أشكال الدعم اللوجستي عند الحاجة.
سياسيًا، لا تتوقف القاهرة عن إجراء الاتصالات والمباحثات، وتخوض مسارات تفاوضية مع مختلف الأطراف، سعيًا لاحتواء التصعيد ووقف الحرب، إدراكًا منها أن اتساع رقعة الصراع لن ينجو منه أحد.
أما أمنيًا، فمصر تخوض بالفعل معارك يومية منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، على حدودها وفي الداخل، خاصة في سيناء، دفاعًا عن استقرارها واستقرار محيطها، دون أن تطلب عونًا من أحد سوى أبنائها.
ومن ثم، فإن تصوير دول الخليج كطرفٍ في الحرب يستوجب تدخلًا مصريًا مباشرًا هو طرحٌ يفتقر إلى الدقة؛ فدول الخليج ليست طرفًا في النزاع، بل تتعرض لتهديدات جسيمة وأحداث مؤسفة ومجزنة تفرض عليها إجراءات دفاعية نتيجة للمصالح والقواعد الامريكية بها والتي كان يفترض أن تكون سبيل الحماية المدفوع ثمنه مسبقا.
ومصر تنال نصيبها من كلفة الحرب في اضطراب السياحة وتوتر الملاحة في قناة السويس بما يؤثر بشدة على الدخل القومي وهو الأمر المستمر منذ طوفان 2023..
السؤال الحقيقي ليس: ماذا قدمت مصر؟ بل: ماذا يُراد منها أكثر من ذلك؟
لقد آن الأوان للتخلي عن نبرة اللوم الدائم والاستعلاء غير المبرر، وكأن مصر مطالَبة وحدها بحمل أعباء إقليمٍ كامل، بل وأخطاء عالمٍ بأسره، في شأنٍ لا ناقة لها فيه ولا جمل.








































