للأسف، لم تُهذِّبنا الثقافة كما ينبغي، ولم تُعلِّمنا التجربة معنى المسؤولية؛ فإن عجزنا عن أن نكون منصفين، عجزنا حتى عن أن نكون مسؤولين. لم نتعلم كيف نفرح بإنجازات وطن صنعتها سواعد أبنائه، تلك الإنجازات التي تُدهش المتابعين وتثير غيرة البعض من فرط ما تحقق على أرض الواقع، حتى صار الواقع ذاته يتجاوز الخيال بمراحل لم يُخترع لها بعدُ مقياس.
اعتدنا الشكوى في وطنٍ قدّم الكثير لأبنائه وضيوفه على السواء. فإذا كان الجحود صادرًا من بعض أبناء الأرض، فلا عجب أن يصدر من غرباء يتنعمون بخيراتها، ويكوّنون الثروات في أسواقها، ثم يرموننا بما اتهمنا به أنفسنا زورًا من فقرٍ أو عجز.
تعددت مشروعاتهم واستثماراتهم لاستيعاب السوق المصري الهائل، بشريًا ونقديًا؛ شعبٌ يصطف على قوائم انتظار المطاعم التي شغلت عماراتٍ كاملة، وامتدت إلى الشوارع الأمامية والخلفية والجانبية، وشعبٌ تتنافس فيه موائد الرحمن وشنط رمضان في الأحياء والمدن والقرى، في مشهدٍ يعكس قدرةً إنفاقية لا تنسجم مع خطاب الشكوى الدائم.
ومع ذلك، نقلّل من شأن ما تحقق: من مشروعاتٍ قومية عملاقة ترتقي بالمواطن المصري، وتحترم آدميته، وتضعه في مستوى معيشي لائق لا يقل عن أي مواطن في الدول المتقدمة التي بدأ اقتصادها في الانهيار بسبب الأزمات العالمية، مشروعات توفّر ملايين من فرص العمل. فبدلا أن نصون عقولنا، نمنحها للمشككين والمُثبطين، نردّد أكاذيبهم، ونحوّلها إلى شكوى يومية، وادعاء عدم الأولوية، رغم أن الدولة أعلنت خططها وسارت في التنفيذ بالتوازي في شتى المجالات.
للأسف صرنا المعول الذي يهدم الفرحة، ويكسر الفخر، والبوق الذي يذم كل إنجاز ويحوّل النقاط المضيئة إلى ظلال سلبية. فإلى متى نُعطِّل العقول، ونطلق الألسنة خلف الدعايات غير الرشيدة؟ ولماذا نلوم الغريب على جحوده، ونحن أولى بمحاسبة أنفسنا قبل أن نفاجأ بفقدان النعمة؟








































